طقوس رمضانية (حين ينزل العالم ببطء)

عساف سلامة السلمان 

حين طلب العجوز من زوجة ابنه أن تمدّ له حصيرة قرب الجدار الغربي، ظنّت المرأة أن في الأمر سرّاً سياسياً. في قريتنا كل شيءٍ يُفسَّر سياسياً، حتى اتجاه الجلوس.
قالت في نفسها: الغرب؟ لماذا الغرب؟ هل ينوي الهجرة؟ أم ينتظر مساعدةً دوليةً مع الغروب؟ لكنه ببساطة كان يريد أن يرى الشمس وهي تنزل بلا استئذان من أحد.
مدّت له الحصيرة، وضعت مخادّ الكشبر، رشّت الماء حولها كي لا يتطاير الغبار. ففاحت رائحة التراب المبلول، تلك الرائحة التي كانت جدّتي تقول عنها إنها “نَفَس الأرض حين ترتاح”. كنتُ أحبّها منذ طفولتي، وأربطها دائماً بصوت جدّي وهو يتنحنح قبل أن يبدأ كلاماً مهماً.
الغبار عندنا فضوليّ، يتدخّل في كل شيء، حتى في شؤون العائلة.
جاءته بهرسة (منديل) مربّعة. لا أحد يعرف لماذا يجب أن تكون مربّعة، لكن الختايرة يحبّون الهندسة الصارمة في عالمٍ فقد شكله. جلستُ قربه، على طرف الحصيرة، كما كنت أفعل صغيراً، أترك بيني وبينه مسافة ذراع، كأن الهيبة تحتاج إلى حيّزٍ خاص بها. أخرج علبة دخان الغازي، وفرش التبغ فوق الهرسة المرطّبة قليلاً. تصاعدت رائحة التبغ النيّئ، حادّةً ودافئة، رائحة تشبه صيفاً قديماً عالقاً في خزانة خشب. ثم بدأ يفتّش بينه عن الأعواد الخشنة،
وكان يلقي بها خارج التبغ بحزمٍ هادئ، فأسمع طقطقتها الخفيفة على البلاط، كأنها أعواد زمنٍ مكسور. كأن النظام الصغير بين يديه يكفيه عن فوضى العالم. كنت أراقب أصابعه. أصابعه التي أمسكت يدي أول مرةٍ عبرتُ فيها الساقية، والتي صفعتني مرةً حين كسرت زجاج النافذة، ثم ربّتت على رأسي مساءً وقالت؛ “الولد يتعلم من الزجاج المكسور أكثر مما يتعلم من السلامة.” أخرج وريقات رفيعة من دفتر الشام، ووضع في كل واحدة قليلاً من التبغ المنقّى، ودرج السيجارة على مهل، كأن عنده مشروعاً يحتاج إلى صبر. يقضم أطراف الورقة، يبلّها بريقه، يلصقها بإتقان. كنت أسمع صوت الورقة حين تستسلم، صوتاً خافتاً يشبه اتفاقاً سرياً بين شيئين هشّين.
لو كانت علاقاتنا الاجتماعية تُلصق هكذا ببعض اللعاب الطيب، لما احتجنا كل هذا العناد.
تفقد قدّاحة الفتيل، حرّك حجرها بإبهامه، فانبعث شررٌ صغير ورائحة وقودٍ خفيفة. نظر إلى صوانتها التي تجرخ لهباً صغيراً، وابتسم كأنه اكتشف اختراعاً عظيماً.
أمسك السيجارة والقدّاحة، يتأملهما لحظةً قصيرة، ثم وضعهما جانباً. طلب مني أن آتيه بالراديو. ناولته إياه، ويدي تلامس يده للحظة. كانت يده دافئة، خشنة، وفيها رجفة خفيفة لم تكن موجودة في طفولتي. شعرتُ بشيءٍ يهبط في صدري، كأن الغروب بدأ من هناك.
أخذ يقلب المحطات حتى وصل إلى إذاعة دمشق. كان الشيخ يتحدث عن فضائل صوم رمضان. صوت الراديو خرج مشوشاً قليلاً، لكن جدّي كان يصغي له كما لو أن الكلمات تُقال له وحده. الشيخ يتحدث عن الصبر،
والعجوز ينظر إلى السفرة المنصوبة أمام البيت، ويحسب كم دقيقة تفصله عن أول تمرة.
قال لزوجته: لا تنسي التمر والشنينة. أخرجت من خصفة التمر حفنتين، ووضعتهما على طبق من السفير. كان لون التمر يميل إلى العنبر، يلمع تحت ضوء المغيب، ورائحته حلوة دافئة، تختلط برائحة التبغ ورطوبة الأرض.
أخرجت ماءً بارداً من سطلٍ ملفوفٍ بجنفاص مبللة. تكاثفت قطرات صغيرة على سطح الإناء، كنت ألمسها بأطراف أصابعي وأتذوق برودتها. تكنولوجيا التبريد الريفية: مشروع ناجح منذ قرون.
انتهى الشيخ من حديثه،
وقال المذيع: هنا دمشق… والآن يرفع أذان المغرب. عند كلمة “هنا”، اعتدل جدّي في جلسته، كأنه تحقق أخيراً أن البلد ما زال موجوداً في مكانه، وأن الصوت الذي يعبر الأثير لم يضلّ الطريق. ارتجف صوته وهو يردّد خلف المؤذن، كنت أسمعه قريباً من أذني، وأتذكر كيف كان يرفعني على كتفيه في الأعياد لأرى الزحام من فوق الرؤوس.
أكل ثلاث تمرات، سمعتُ صوت مضغه البطيء، كأنه يمضغ النهار نفسه. شرب كأس شنينة، ومسح شاربه بظاهر كفه، وقال الدعاء بخشوع:ذهب الظمأ وابتلّت العروق وثبت الأجر إن شاء الله. ثم أشعل سيجارته. تصاعد الدخان مثل قطار يصعد جبلاً. مرّ أمام وجهي، وحمل معه رائحة أعرفها منذ كنت أختبئ خلف عباءته.
نفث جدّي دخاناً طويلاً، وقال لي: انظر يا بني الدخان يصعد وحده. نظرتُ إليه، ولم أعرف هل كان يعلّمني عن الدخان،
أم عن الأيام. سعل قليلاً، وضبط المخدة خلف ظهره، وتأمل الغروب.
وضعتُ يدي على طرف الحصيرة، قريبة من يده، من غير أن أجرؤ على الإمساك بها. في تلك اللحظة أدركت أن جدّي لم يكن يدخّن تبغاً فقط، بل كان يدخّن يومه كاملاً، يحرقه بهدوء، ويترك للسماء أن تتكفّل بالباقي.
وفي قريتنا، حين يجلس رجلٌ عجوزٌ على حصيرة قرب الجدار الغربي، فهو لا يراقب الشمس فقط، بل يراقب العالم وهو ينزل …ببطءٍ شديد… مثل سيجارةٍ ملفوفةٍ بعناية، تعلمتُ أنا لفَّها من أصابعه، ولم أتعلم بعدُ كيف أتركها تحترق بطمأنينة مثله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى