
لم يعد قدوم شهر رمضان في إدلب مناسبة تُستقبل بالفوانيس والزينة وروائح الطعام المتصاعدة قبيل المغرب، بل بات موعدًا ثقيلًا يطرق الأبواب مثقلًا بأسئلة القلق: كيف سنؤمّن وجبة الإفطار؟ وأيّ المواد يمكن الاستغناء عنها هذا العام؟
مع حلول رمضان 2026، تدخل آلاف العائلات في محافظة إدلب الشهر الكريم بميزانيات منهكة، ودخول يومية بالكاد تكفي الخبز والماء، في ظل موجة غلاء وُصفت بأنها الأشد منذ سنوات.
الأسعار ترتفع بوتيرة شبه يومية، والدخل ثابت أو يتراجع، والمساعدات الإنسانية التي كانت تشكّل شبكة أمان أساسية تراجعت أو توقفت، وبين هذه المعادلة المختلة، يجد الناس أنفسهم مضطرين لإعادة تعريف “الأساسيات”، وتقليص موائدهم إلى الحد الأدنى.
أسعار مشتعلة
تبدو أسواق إدلب هذا العام مكتظّة بالبضائع، لكنها شبه خالية من المشترين؛ الحركة خجولة، والشراء يتم بالغرامات بدلا من الكيلو والصندوق، وبالقطعة لا بالجملة.
وقد بلغ سعر كيلو أرز الكبسة نحو 65 ليرة تركية ($1.5)، في حين وصل كيلو العدس إلى 70 ليرة تركية ($1.6)، وسجّل السكر 30 ليرة ($0.7)، والبرغل 50 ليرة ($1.2)، كما بلغ الطحين 25 ليرة تركية ($0.6)؛ أما الشاي، الذي كان عنصرًا ثابتًا على المائدة الرمضانية، فقد قفز إلى 350 ليرة تركية ($8) للكيلو الواحد، ليخرج فعليًا من سلّة كثير من العائلات.
منتجات الألبان لم تكن أفضل حالًا؛ كيلو اللبنة وصل إلى 120 ليرة ($2.75)، والحلاوة 110 ليرات ($2.5)، ولبن الغنم 70 ليرة ($1.6)، ولبن البقر 35 ليرة ($0.8).
أما اللحوم، فقد بلغ سعر كيلو لحم الأغنام 530 ليرة تركية ($12.8)، في حين انعكس ارتفاع سعر طن الفروج إلى نحو 1700 دولار على أسعار الدجاج ومشتقاته محليًا.
حتى “المعروك”، الحلوى الشعبية التي اعتاد السوريون تناولها بعد الإفطار، بات يتراوح سعره بين 100 و200 ليرة تركية ($5)، ما جعله من الكماليات المؤجلة لدى كثيرين.
ويقول المحلل الاقتصادي السوري غسان القمري لـ موقع تلفزيون سوريا: “اقتصاديًا، لا تبدو الأزمة موسمية فقط، فارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل، وتقلب سعر الصرف، ومنع استيراد بعض المواد الغذائية، إضافة إلى ضعف الرقابة على الأسواق، كلها عوامل ساهمت في دفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة”.
ويضيف: “سلة الإنفاق الشهرية للأسرة السورية قد تصل إلى نحو 300 دولار، مع توقع تضخم سنوي يتراوح بين 90 و100%، ما يجعل الفجوة بين الدخل والإنفاق تتسع أكثر مع كل شهر”.
وأشار القمري؛ أن رمضان، الذي كان موسمًا للوفرة النسبية والتكافل الاجتماعي، بات هذا العام اختبارًا حقيقيًا للأمن الغذائي في إدلب.
موائد مختصرة
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الحديث عن اللحوم أو الحلويات هو الشغل الشاغل، بل بات السؤال: كيف نؤمن إفطاراً يسد الرمق؟
كثير من العائلات اختارت تقليص الوجبات إلى طبق رئيسي واحد، والاستغناء عن المقبلات والعصائر والحلويات، المجدرة المكونة من البرغل والعدس وزيت الزيتون عادت لتتصدر المشهد، بوصفها الوجبة الأرخص نسبيًا، رغم أن كلفتها لم تعد منخفضة كما في السابق.
في أحد أحياء مدينة إدلب، يجلس سعيد قوصرة (62 عامًا)، صاحب بسطة قطنيات وأب لثمانية أبناء، بينهم اثنان متزوجان اعتاد على دعوتهم إلى عزائم متكررة في رمضان، هذا العام، قرر إلغاء تلك العزائم.
يقول لـ موقع تلفزيون سوريا؛ إن طبخة المجدرة، التي كانت تُعد وجبة بسيطة، باتت تكلفه نحو 150 ليرة تركية ($3.5)، وإذا أضاف إليها اللبن والسلطة، ترتفع الكلفة إلى نحو 300 ليرة، أي قرابة 7 دولارات.
“دخلي اليومي إن وُجد بيع لا يتجاوز بين 3 إلى 5 دولارات”، موضحًا أن ما يفكر فيه اليوم ليس اللحم الأحمر أو الأبيض، بل فقط ما يسد جوعه وجوع أولاده.
ويحتاج إلى الماء والكهرباء ولباس لأبنائه، فضلًا عن مصاريف علاجه، إذ يعاني من مرض في القلب ويتطلب دواءً مستمرًا، وبين كلفة الطبق اليومي ودخله المحدود، تبدو المعادلة مختلة بالكامل.
رمضان بالنسبة له لم يعد موسم عزائم، بل شهر عبادة وصبر مضاعف وموسم حسابات دقيقة، تُقاس فيه كل ليرة، ويُعاد فيه ترتيب الأولويات: الطعام أولًا، ثم الدواء، ثم ما تبقى – إن تبقى شيء.
“قهر الرجال”
المعلمون بإدلب بدورهم لا يعيشون حالًا أفضل فرغم ثبات الراتب الشهري شكليًا، إلا أن قيمته الفعلية تتآكل يومًا بعد يوم أمام موجة الغلاء.
عماد سليمان، مدرس من ريف سلقين غربي إدلب، يتقاضى راتبًا يبلغ 130 دولارًا شهريًا، وعند تقسيمه على 30 يومًا، يكون نصيب اليوم الواحد نحو 200 ليرة تركية، أي ما يقارب 4.5 دولارات.
“هذا ثمن صحن فتوش”، يقول ساخرًا بمرارة، مشيرًا إلى أن المبلغ لا يغطي التدفئة ولا الالتزامات الأخرى، والأسوأ من ذلك أن الراتب لا يُدفع دائمًا في موعده، ما يؤدي إلى تراكم ديون تتجاوز قيمته أحيانًا.
منذ العام الماضي، لم يدخل اللحم إلى منزله المؤلف من خمسة أطفال وأمهم، يعتبر الأمر “مستحيلًا” في ظل الأسعار الحالية، موضحاً أنه حاول البحث عن عمل إضافي خارج مهنة التعليم، لكنه لم ينجح.
“نرى الأطباق الرمضانية على وسائل التواصل الاجتماعي فقط لنشتهيها”، معتبرًا أن عدم القدرة على تأمين الطعام لأطفاله في شهر الصيام يمثل قسوة مضاعفة.
وقال سليمان؛ إنهم لم يلتزموا الصمت حيال تدهور أوضاعهم المعيشية، بل شاركوا في إضرابات وتحركات مطلبية سعياً لزيادة الرواتب بما يتناسب مع موجة الغلاء، إلا أن تلك التحركات لم تُفضِ إلى أي نتيجة تُذكر.
وأضاف أن مطالبهم قوبلت بالتجاهل، ولم تُتخذ إجراءات فعلية لتحسين دخل المعلمين أو إنصافهم. وأشار إلى أن الجهات المسؤولة تتحمل مسؤولية ما وصفه بـ”قهر الرجال” الذي يعيشه اليوم، حين يجد الأب نفسه عاجزًا عن تلبية أبسط احتياجات أطفاله، لا سيما في شهر رمضان، وقال إن أقسى ما يواجهه هو رؤية أطفاله صائمين وهو غير قادر على توفير ما يطلبونه من طعام أو مستلزمات بسيطة.
وأضاف أن الأزمة تتفاقم في ظل عجز واضح عن ضبط الأسعار في الأسواق، مقابل غياب أي قرار بزيادة الرواتب، ما يجعل الموظف عالقًا بين ارتفاع متواصل في تكاليف المعيشة ودخل ثابت لا يكفي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
“مخيمات جائعة”
في مخيمات إدلب، تبدو الصورة أكثر قتامة؛ هناك، لا يتعلّق الأمر بتقليص الوجبات فقط، بل أحيانًا بالاختيار بين الطعام والتدفئة.
فؤاد (38 عامًا)، يقيم في مخيم الصفصافة بريف سلقين، كان يعمل مستخدمًا في إحدى المنظمات الإنسانية، بعد توقفها، فقد عمله، وانتقل إلى العمل اليومي كعتال أو مزارع أو عامل تنظيف، بأجور زهيدة وغير منتظمة.
يقول إنه يحتار: هل يشتري مستلزمات الإفطار لليوم الأول من رمضان، أم يؤمن شيئًا للتدفئة؟ “عليك أن تختار بين الدفء والطعام”، يضيف، واصفًا المعادلة بأنها قاسية على أي إنسان.
في السابق، كانت السلال الغذائية التي توزعها المنظمات تكفي لتأمين الأساسيات مثل الأرز، البرغل، العدس، الزيت، السمن، وكان بإمكانهم شراء نوع من اللحوم مرة أسبوعيًا أما اليوم، فحتى هذه الأساسيات باتت بعيدة المنال.
ويقول فؤاد في حديثه لـ تلفزيون سوريا، “إذا أردت تحضير وجبة بسيطة مكونة من برغل وعدس وقليل من الزيت، فقد تتجاوز كلفتها 120 إلى 150 ليرة تركية، من دون احتساب الخبز أو الخضار، ومع دخل يومي غير ثابت، قد لا يتجاوز 3 أو 4 دولارات في الأيام التي أجد فيها عملًا، تصبح الاستمرارية طوال الشهر تحديًا يوميًا”.
ومع اقتراب أذان المغرب في اليوم الأول من رمضان، لا تتشابه موائد إدلب كما كانت يومًا، بعضها يقتصر على طبق واحد، وبعضها يخلو من اللحم منذ أشهر، وبعضها ينتظر مساعدة قد لا تصل.
وبين صاحب بسطة يحسب كلفة المجدرة، ومدرس يوزع راتبه على أيام الشهر فلا يكفي، وعامل مخيم يختار بين الدفء والطعام، تتجلى صورة رمضان 2026 في إدلب: شهر يُستقبل بالصبر أكثر مما يُستقبل بالتحضير.
وفي ظل استمرار الغلاء وضعف الدخل وتراجع الدعم، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يصبح الحد الأدنى من الطعام حلمًا موسميًا، أم أن انفراجًا ما قد يعيد للموائد شيئًا من طمأنينتها المفقودة؟
المصدر: تلفزيون سوريا






