مستقبل المعارضة السياسية في المغرب

عبد القادر الشاوي

تقلصت أشكال المعارضة السياسية في المغرب في ارتباط وثيق بانهيار المنظومة الإيديولوجية والسياسية التي تمنطقت بها الحركة السياسية، ذات المرجعية الوطنية والتقدمية واليسارية التقليدية، منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي. هذا في تقدير متفائل لا يأخذ بالاعتبار قَصْداً إلا المواقف المعلنة، في وقته، من الدستور الممنوح (1996) الذي أوجبه النظام الحاكم مرجعاً قانونياً لتنظيم السلطات العامة، التشريعية والتنفيذية والقضائية، لعملية انتقال المُلك (1999). أعني أن تصويت تلك القوى (باستثناء منظمة العمل الديمقراطي اليسارية) بالإيجاب على الدستور الممنوح لم يكن، من الناحية الدستورية، في سبيل قيام النظام الديمقراطي ونقض الاستبداد، بل فقط، في ما أرى، لتأكيد أحقية المشروع الإصلاحي الوطني المُعلن منذ فترة بعيدة، وحشد الناس حول شعاراته المركزية (معارضة الاستبداد، والمطالبة بالديمقراطية المسماة “حقيقية”)، فضلاً عن الإلحاح على أهمية التنظيم السياسي الفعال (التَكَتُّل) في بناء المعارضة الديمقراطية، والوصول بها إلى فرض إصلاح مطلوب لا “يجب” أن يُغَيِّر شيئاً من الثوابت المعترف بها على صعيد الدولة والمجتمع.
وغير خافٍ على المهتم بالتحليل أن النظام السياسي الحاكم، بسبب الظروف السياسية والأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي كانت تُعاش في ضيق وعنت كبيرين، أراد العمل بأسلوب آخر لتطوير الممارسة السياسية والحد من نمو المعارضة، وخصوصاً بعد أن فشلت المحاولات السابقة (1993) في التقريب بين “القصر” و”الكتلة الديمقراطية” لأسباب سياسية كثيرة، في مقدّمتها أن قوى المعارضة إياها كانت تقود النضال الشعبي في فضاء متطور يتميز بنضالية واضحة، فيه هبّات اجتماعية جريئة، وله من الشعارات الداعية إلى الإصلاح وإحقاق الديمقراطية والمؤسّسات، ما يفيد ويكفي لفضح الأوضاع القائمة في مختلف مجالات الحياة العامة.
في هذا السياق، لا بد من الاعتبار بأمرين هامين: الأول تاريخي، يفيد بأن الأحزاب المعارضة، التي أتكلم عنها، ظهرت وتطورت، منذ أوائل الستينيات من القرن الماضي، في ظل شروط استثنائية، لأنها عانت من التضييق والتهميش، ولذلك طالبت بعودة المشروعية، ثم لجأت إلى ممارسة الضغط من خلال تطوير الممارسة الديمقراطية في ساحة النضال الاجتماعي إلخ، يضاف إلى ذلك أن موقفها من الدستور الممنوح كان قد أصبح موقفَ رَفْضٍ مطلق للصيغة التي يُهيّأ بها، وكذا لمن يقوم بإعداده وعرضه، وللطبيعة التي اقترنت بهذا العرض على “الإرادة الشعبية” المضمونة سلفاً، ولذلك مانعت فيه أكثر من ثلاثة عقود من الزمن “الاستثنائي” المهدور (1965-1996).
الأمر الثاني الهام يمكن وصفه بالتعبوي النضالي، لأنه، بمعنى ما، كان حصيلة، ولو في اتجاه معين، لِمَا سلف ذكره. أي إن الظروف السياسية العامة التي بَرَّزَت الدور المعارض المُطَالِبِ بالديمقراطية أوجدت، في المجال السياسي العام، أنواعاً أخرى من المعارضات الشرعية لم تكن طبيعتها العقدية مألوفة على الصعيد الجماهيري، وإن كان انتسابها إلى الدين هو المبرر الأقوى الذي أخرج تأويلها إلى مجال العمل السياسي نفسه. لأول مرة يتحول الرافد الديني، في العهد الاستقلالي أساساً، إلى أسلوب نقدي وسياسة مُعَارِضَة، علماً بأن النظام الحاكم كان قد احتكر الدين لفائدة سياسته وجعله مناط توجهاته الإعلامية والسلوكية والأخلاقية والمرجعية وسواها.
الظروف السياسية العامة التي بَرَّزَت الدور المعارض المُطَالِبِ بالديمقراطية أوجدت، في المجال السياسي العام، أنواعاً أخرى من المعارضات الشرعية لم تكن طبيعتها العقدية مألوفة على الصعيد الجماهيري
معنى هذا أن ظهور المعارضة السياسية الإسلاموية، بغض النظر عن الدوافع والأصول والأهداف الوقتية، وَجَدت في ساحة العمل السياسي امتدادات نضالية، دوافعها التاريخية والأساسية إصلاحية، تبحث عن أفق ديمقراطي، وتعمل في سبيل تحقيقه بالطرق السلمية المناسبة، أي من خلال المؤسسات الشكلية التي ابتدعها “المسلسل الديمقراطي” وَنَصَّبَها دستورياً منذ منتصف السبعينيات. وعلى هذا الأساس، “أوجدت” في شوارع بعض المدن المغربية حركة متوثبة جرَّبَت مختلف أشكال النضال، وتعرضت أيضاً لكثير من مظاهر القمع، وخصوصاً ما سُلِّط منه على فصيلها الممانع المسمى (جماعة العدل والإحسان)، الذي حوّل شوارع التظاهر، في أكثر من مناسبة، إلى مَعَارِض رمزية لصيغ جديدة من المقاومة المدنية (الوقوف، الجلوس على الأسفلت، الرايات الخاصة والفلسطينية الجهادية، الشعارات المُستنبطة من القرآن والسنة إلخ) التي تعتمد على تحضيرٍ مسبق يقوم به دعاة وخطباء وَوُعَّاظٌ متمرّسون متحمسون، ولبعضهم جرأة تمكنهم من الفضح السياسي بلغة عربية رنَّانة. أضف إلى ذلك أن الشيخ عبد السلام ياسين، كبيرهم، الذي عانى من ظروف الحصار سنوات، لم يكن يتردد في مخاطبة المؤمنين التابعين لحركته من خلال الدعوة إلى القيام بما يوجبه الدين عليهم في معارضة السلطان في ضوءِ شريعةِ (أو فقه) المعاملات، فاستُقبِل خطابه في السوق وبين الأتباع المشايعين بما كان من المنتظر أن يلاقيه لجرأته الدينية المشهودة من اهتمام وتقدير. فالقول إن المعارضة السياسية تطورت وتنوعت وتعدَّدَت، وخصوصاً منها التي حوَّلت الدين إلى سياسة دنيوية (النصيحة)، طَرَحَت في البلاد، على مشارف الألفية الثالثة، شكلاً جديداً من المعارضة، أي تَنْزِيلها إلى الشارع السياسي بالصورة التي على المؤمن أن يفهم منها أن الحركة السياسية ليست معارضة فقط، وليست إصلاحية على مثالِ ما كان متبعاً من قبل، بل هي شعارات دينية وحركات ولغات جسدية، تزاحم العرش في العقيدة وفي المعتقد. لِنَقُل في التعبير عن منظور مختلف للتأويل الديني، وفي اعتماد التصور الديني نفسه أسلوباً لمنافسة السلطان في إمارته، أي في ولايته العامة، وقيادته العليا لعموم المسلمين، وتسيير شؤون الدين والدنيا وحماية الملة، إلخ.
غير أن هذا النوع من المعارضة واجه منذ البداية، اعتباراً لِمُنْطَلقاته الإيديولوجية الدعوية في مراهنتها على استغلال الفضاء العام لكسب الأنصار والتحريض على محاربة المنكر، نوعين من التناقض: أولهما، أعلنَتْهُ السلطات الأمنية بقوة لإجهاض المطالبة بـ”الشرعية القانونية”، بما أن تلك المعارضة لم تُسَلِّم بما تفترضه حيازة الشرعية القانونية من ولاء للثوابت المقررة سلفاً في المجال السياسي كما في الديني. وَثَانِيهِما، عندما أصبحت بعض شعاراتها تتعارض مع الاختيار الليبرالي المَسْنُون (الإصلاحي) الذي كانت قد استقرت عليه الحياة السياسية بالتراضي بين النخب والقصر، أو بين المعارضة التقليدية المنظمة والنظام الحاكم، منذ أواخر التسعينيات من القرن الماضي على عهد مرحلة (التناوب التوافقي) ولو أنه لم يُعَمَّر طويلاً. فكان أن أصبحنا، بناءً عليه، أمام معارضة ذات وجهين: الإسلاموية المعتدلة، التي فهمت مقتضيات الولوج إلى المجال الشرعي من طريق الخريطة الحزبية القائمة على التعددية والضمانات الممنوحة لمراعاة الموالاة والقبول بالمجال الشرعي. ثم التوجه الإسلاموي الدعوي، الذي ينازع في الإمارة ولا يقبل بغير الحياة الديمقراطية “الحقّة” أساساً لكل شرعية تكفل ممارسة السياسة في جو تنافسي. لا تقول باعتماد الدين أساساً، ولكنها تستخدمه بناءً على مسلّمة إيديولوجية تنبني على التأويل (المطلق) لمختلف الأوضاع القائمة، بما في ذلك حركتها النضالية لتغيير تلك الأوضاع.
ضمور المعارضة التقليدية وضحالة عروضها البرنامجية، فضلاً عن تدهور دورها النضالي
إلا أن الوصول إلى هذه المرحلة اقترن أيضاً بضمور المعارضة التقليدية وضحالة عروضها البرنامجية، فضلاً عن تدهور دورها النضالي بإزاء السياسات الحكومية الشوهاء، بل تحوّلت من خلال هذه الوضعية، باعتماد البراغماتية أفقاً لمختلف تصوراتها السياسية، إلى أقلية من الأقليات المؤثثة للمشهد السياسي دون أية فاعلية تذكر.
ولذلك، الظاهرة البارزة التي توضحت لمختلف العاملين والمرتبطين بالحياة السياسية أن المعارضة، مفهوماً وشكلاً، انتقلت، في العقدين الأولين من الألفية الثالثة، من الشارع إلى الشبكات الاجتماعية، ومن الخطاب الإيديولوجي المُهيكل إلى فَبْرَكَة الاستمالة، من طريق الكلمات والصُّور، وَبِلُغَاتٍ لا تتقيد بأي معيار مضبوط صوغاً وتركيباً، ومن برنامج الحزب، أو المنظمة، إلى “ذاتِ” المُعَارض السياسي الذي لا يتقيد إلا بما تمليه عليه اللحظة العاطفية أو الدعائية المطلوبة. مع الاعتراف بأن هذا الشكل من المعارضة السياسية تبلور، في ما يبدو، في أعقاب التحولات التي عرفها المجال الإعلامي، وكذا بسبب ما آلت إليه البنيات الحاملة للتطورات السياسية والاقتصادية والأخلاقية والسلوكية المختلفة التي حولت الاهتمام بالسياسة، المبني على الاستقطاب التقليدي والقيم الإيجابية والنضال، إلى بحث محموم عن أيسر الطرق وأقصرها لتحقيق الترقية الاجتماعية الضامنة للوَجَاهَة وللاغتناء السريع.
لقد أصبحت المعارضة السياسية، فعلياً ورمزياً، رغم وجودها على أرض الواقع السياسي، في دائرة العالم الافتراضي الرقمي القائم على الدعاية والإعلام بدلاً من التأطير التنظيمي بمقتضى الدستور، وعلى السعي إلى جعل “التراند” Trend والتسويق السياسي في “النت” لزيادة التفاعل والانتشار بين الزُبناء، فليس من المهم أن يكون الفعل حقيقياً في أية بنية، لأن المراهنة قائمة على “الإعجاب” المَنْقُور على الشاشة، ولا هدف يُرْجَى إلا أن يكون “التجييش” دافعاً وقادراً على إلهاب شعور المتلقين للخطاب المسكوك باللفظ المناسب، أو بالصورة المُثِيرَة أو بالفيديو المَحْبُوك، وما يوقعه كل ذلك من إعجاب ومتابعة واتفاق، أو نقد واختلاف متوقّعين بوصفهما اتفاقاً لائقاً ولو أنهما مَقْلُوبَان.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى