
بدأ المسلمون في فلسطين ولبنان صيام أول أيام شهر رمضان أول من أمس الأربعاء، بينما كان جيرانهم في مصر والأردن وسورية مفطرين، فقد بدأ رمضان عندهم في اليوم التالي (الخميس). على المنوال نفسه، صام المسلمون في شبه الجزيرة العربية الأربعاء، باستثناء مسلمي عُمان الذين بدأ صيامهم الخميس. ويسهل فهم بدء مسلمي ماليزيا وإندونيسيا بالصيام الخميس، فالفارق الزمني المعتمد على خطوط الطول بيننا وبينهم كبير، ويتراوح بين خمس ساعات وسبع، بينما لا يمكن في حال الدول العربية المتجاورة التعلّل بخطوط الطول، فمعظم الدول التي تباين فيها موعد أول أيام رمضان تشترك في خطّ الطول نفسه.
ويتندر كثيرون بأن أهالي رفح في قطاع غزّة صاموا الأربعاء، بينما أهالي رفح المصرية في الجانب الآخر من الحدود صاموا الخميس، لكن هناك نادرة أكثر مفارقةً، فهناك قرية اسمها النحوة، التابعة إدارياً لإمارة الشارقة في الإمارات، وتحيط بها ولاية مدحاء العُمانية؛ صام أهل النحوة الأربعاء، بينما صام أهل مدحاء الخميس.
تظلّ خطوط الطول الدولية العامل الحاسم في تحديد توقيت غروب الشمس والقمر، ما يعني بداية اليوم ونهايته، وهي بالتالي تحدّد إمكانية رؤية الهلال، ليس فقط هلال رمضان، بل أهلّة الشهور القمرية كلّها. ويستخدم البشر خطوط الطول لتحديد الوقت منذ عقود، ويختلف كل خطّ طول عن الآخر زمنياً بأربع دقائق، وبذلك يعادل كلّ 15 خطاً طولياً ساعة كاملة، وهي بالأساس خطوط وهمية نصف دائرية تمتدّ طولياً من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي، وعددها 360 خطاً، ويبدأ العدّ من خطّ غرينتش الرئيس، الذي اعتمد في عام 1884 بوصفه خطّ الطول صِفْر، لتقع في جانبيه 180 خطاً شرقاً و180 غرباً.
تعتمد الدول العربية جميعاً مبدأ ثبوت الرؤية في القُطر الواحد
عربياً، تمتدّ المساحة من أقصى شرق سلطنة عُمان إلى أقصى غرب المملكة المغربية على 73 خطّ طول، ويُترجَم هذا الفارق في خطوط الطول زمنياً إلى فرق توقيت يصل إلى أربع ساعات، فبينما تكون الشمس في كبد السماء في مسقط تكون الرباط في ساعات الصباح الباكر.
في الماضي، كان الفقهاء يربطون اختلاف المطالع بمسافة قصر الصلاة، وهي نحو 85 كيلومتراً، فإذا زادت المسافة بين مدينتَين عن ذلك، لم تلزم أهل المدينة رؤية الهلال في المدينة الأخرى، لكنّ الفقهاء المعاصرين يرون أن العبرة ليست بالمسافة، بل بمدى اتفاق أو اختلاف الأفق؛ فإذا كان البلدان يقعان على خطوط عرض متقاربة، فغالباً ما يتّحد مطلعهما، وإذا تباعدت خطوط الطول بشكل كبير، مثل الفرق بين إندونيسيا والمغرب، فإن المطلع يختلف حتماً. للمفارقة، بدأ رمضان في المغرب وإندونيسيا يوم الخميس.
في الوقت الحالي، تعتمد الدول العربية جميعاً مبدأ ثبوت الرؤية في القُطر الواحد؛ فالدولة الواحدة مهما اتسعت، كالجزائر أو السعودية، تعتبر مطلعاً واحداً، بينما في الدول المجاورة قد يختلف القرار حسب قرار الجهات الشرعية فيها. شرعياً، يميل معظم الفقهاء إلى اتحاد المطالع، ومنهم الحنفية والحنابلة ومعظم المالكية؛ أي أن رؤية الهلال في أيّ بلد إسلامي مُلزمة لجميع المسلمين، بغض النظر عن المسافة، طالما ثبتت الرؤية شرعاً، بينما يميل آخرون، مثل الشافعية وبعض المالكية، إلى اختلاف المطالع؛ أي أنّ لكلّ بلد رؤيته الخاصّة. وعلمياً، تغرب الشمس في المناطق على خطوط الطول الشرقية، مثل منطقة الخليج العربي، قبل المناطق الواقعة في الغرب، مثل بلدان المغرب العربي، ويتيح هذا لدول الغرب فرصةً زمنيةً أطول لرؤية الهلال نتيجة زاوية استطالته عن الشمس.
إنشاء مرصد إسلامي موحَّد سينهي أزمة الخلاف الفقهي القديم بشأن رؤية الهلال
وفي أحيانٍ كثيرة، تتعذّر الرؤية في دول الخليج العربي بسبب صغر عمر الهلال عند الغروب، بينما يتمكّن الراصدون في موريتانيا أو المغرب من رؤيته بسبب تأخّر غروب الشمس لديهم بضع ساعات، فكلّما اتجهنا غرباً على خطوط الطول، زادت احتمالية رؤية الهلال في ليلة التحرّي بسبب زيادة زمن مكوثه بعد غروب الشمس.
ويظلّ مبدأ الرؤية بالعين المجرّدة إشكالياً، فبعضهم يصرّون عليه باعتباره من السنن النبوية، متجاهلين أن تلك كانت الوسيلة الوحيدة في زمن النبوة، بينما الأمر مختلف كلّياً حالياً، إذ باتت هناك التلسكوبات المتقدّمة، والأقمار الاصطناعية أيضاً، وهي وسائل يمكن أن تكون بديلاً دقيقاً للرؤية بالعين.
ويمكن اللجوء إلى صيغ متعدّدة لإنهاء هذا الخلاف السنوي في رؤية هلال رمضان، منها الاتفاق على اعتماد الرؤية الفلكية، أو على اعتماد نموذج الدمج بين الرؤية بالعين والاستعانة بالفلك. ويظلّ الحلُّ الأنسب إنشاء مرصد إسلامي موحَّد لاستطلاع الأهلّة، على أن تكون له فروع في مختلف الدول الإسلامية، ويمكن أن تشرف عليه منظّمة التعاون الإسلامي التي تضم 57 دولة. وفي حال إنشائه، سينهي هذا المرصد الأزمة السنوية القائمة على الخلاف الفقهي القديم حول رؤية الهلال، فإشكالية الرؤية لا تقتصر على موعد بدء شهر رمضان وتحديد موعد العيدَين، الفطر والأضحى، بل تمتدّ إلى فروض إسلامية أخرى غير الصيام، منها مواقيت الحج والزكاة، ما يجعلها ضرورةً تطاول حياة مئات الملايين من المسلمين حول العالم.
المصدر: العربي الجديد



