خبر كاذب يوجّه سياسة فرنسا الخارجية

ولاء سعيد السامرائي

فاجأ التصريح العنيف وغير المهني، لوزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، في الجمعية الوطنية (البرلمان) عن مقرّرة الأمم المتحدة للأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز (قبل أيام)، نواباً كثيرين وعموم الفرنسيين الذين يتابعون باهتمام واحترام المقرِّرة الأممية منذ بدء حرب الإبادة على غزّة، باعتبارها الصوت الأوروبي المميّز والصادق لتجسيد القانون الدولي بمتابعة مذكّرات التوقيف بحقّ مجرمي الحرب والإبادة: رئيس وزراء دولة الاحتلال ووزير حربه السابق. ففي جلسة الجمعية الوطنية الخاصّة بمساءلة الحكومة أخيراً، قال بارو إنّ فرانشيسكا ألبانيز تقدّم نفسها خبيرةً ومستقلّةً في حقوق الإنسان، إن لديها الحقّ في نقد الحكومة الإسرائيلية، لكن ليس نقد إسرائيل شعباً وأمّة، وإن فرنسا تدين تصريحها وتطالب الأمم المتحدة بإنهاء مهمتها، إنها “ليست خبيرة وليست مستقلّة، بل هي ناشطة سياسية ذات خطابات كراهية لا تخدم الشعب الفلسطيني”، ليتضح أن ألبانيز لم تصرّح بمثل هذه الأقوال مطلقاً، وأنها قد استُجوبت من عشرات الأجهزة والقنوات الإعلامية الفرنسية والدولية للتعليق على تصريح الوزير الفرنسي، إذ قالت إن “كلَّ شيء مسجّل، وما قالته في منتدى الجزيرة في الدوحة أن العدو المشترك للإنسانية هو النظام الذي سمح بالإبادة في فلسطين”.
بدأت قصّة هذا الخبر الكاذب، الذي ردّده الوزير الفرنسي من دون أن يتحقّق من صحّته، مع النائبة الفرنسية كارولين يادان التي تلاحق هي ولوبيات الاحتلال في فرنسا المقرِّرة الأممية منذ العام الماضي (2025)، إذ نشرت في حسابها بموقع إكس تعليقاً كتبت فيه إن ألبانيز قد قالت في منتدى الجزيرة في الدوحة (7 فبراير/ شباط الجاري) إن إسرائيل هي “العدو المشترك للإنسانية”، مطالبةً (وللمرّة الثانية مع توقيعات 40 نائباً فرنسياً معظمهم من حزب الرئيس إيمانويل ماكرون) فرنسا بالتحرّك الفعّال والفوري ضدّ فرانشيسكا ألبانيز. بل إن ممثلة الليكود في البرلمان الفرنسي هذه لم تكتفِ فقط بهذا الخبر الكاذب، بل أضافت إلى مداخلتها أمام الجمعية الوطنية قصصاً أخرى كاذبة لتحرّض النواب عليها، مثل رفض ألبانيز سردية الاحتلال عن اغتصاب النساء وحرق الأطفال التي نشرها مجرم الحرب نتنياهو شخصياً بعد “7 أكتوبر” (2023)، ولا يزال الصهاينة يردّدونها في كلّ مناسبة، وخصوصاً في البرلمانات الغربية، رغم انكشاف كذبها عالمياً. كذلك حاولت هذه النائبة العام الماضي الحصول على تصويت من الجمعية الوطنية على قانون يعتبر انتقاد سياسة الحكومة الإسرائيلية جريمةَ معاداة للسامية، في حين أن الرأي العام العالمي لا يخلط بين معاداة السامية ونقد الحكومة الإسرائيلية، ويرفض هذا الابتزاز الذي تمارسه لوبيات هذا الكيان في الغرب لمنع التضامن مع الشعب الفلسطيني وإسكات الرأي العام عن إدانة جرائم الحرب والإبادة التي يقترفها الكيان في غزّة والضفة الغربية المحتلَّتَين.
فشلت مهمّة النائبة الليكودية لتشويه المقرِّرة الأممية بخيبة كاملة؛ إذ سرعان ما تواصل الإعلام الحرّ والنوّاب والمحامون مع ألبانيز لتتوجّه بالكلام المباشر للرأي العام وتكشف حقيقة الافتراءات التي تستهدفها وكيف جرى تحريف أقوالها. وجاء أولُ ردٍّ غاضب على تصريحات وزير الخارجية من زعيم حزب فرنسا الأبية جان لوك ميلانشون، الذي قال أمام حشد واسع إن الوزير بارو الذي لم يطلب منه أحد الكلام طالب بأن تستقيل المقرِّرة الأممية بسبب جملة غير صحيحة نُقلت إليه ولم يبذل جهداً للتحقّق من صحّتها، “شخصياً أقول للوزير بارو: أنت تتكلّم، لكن ليس باسمنا، نحن لا نطالب بطرد هذه المرأة من وظيفتها، بل بالعكس نحن نطالب بتكريمها، ما تقوم به عار، أكرّر، سيد بارو أنت لا تتكلّم باسمنا”.
فشلت مهمّة النائبة الليكودية لتشويه المقرِّرة الأممية بخيبة كاملة؛ إذ سرعان ما تواصل الإعلام الحرّ والنوّاب والمحامون مع ألبانيز لتتوجّه بالكلام المباشر للرأي العام وتكشف حقيقة الافتراءات التي تستهدفها
كما أثار موقف وزير الخارجية غضب المحامين الفرنسيين الذين سارعوا إلى نشر بيان مسهب أصدرته جمعيتهم (“جوردي”) لدعم المقرِّرة الأممية، فوقّع أكثر من مائة محامٍ البيان الذي أعلنوا فيه “كلّنا ألبانيز”، أُرسل إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وفيه شكوى يندّدون فيها بحملة القمع التي تستهدف نشطاء حقوق الإنسان في فرنسا، معتبرين أن الهجوم المنظّم على المقرِّرة الأممية هو مثال صارخ عن هذه الأجواء الخانقة التي تتحمّلها المحامية الأممية بشجاعة وثبات، رغم الجهد الواسع الذي تبذله ويحظى باحترام العالم أجمع. كما رفع التجمّع دعوى ضدّ النائبة الليكودية بسبب نشر أخبار كاذبة يمكنها أن تكون جريمة قانونية، إضافة إلى أن تحريف وزير الخارجية لكلام ألبانيز قد يكون تحت طائلة القانون بتهمة نشر سلطة حكومية أخباراً كاذبة.
كما سارعت أنييس كالامار (السكرتيرة العامة لمنظمة أمنستي إنترناشونال) إلى التعبير عن دعمها الخبراء الأمميين (وبالأخصّ ألبانيز) الذين يعملون باستقلالية تامة، علماً أنهم محميّون من أيّ تدخّل حكومي، وضروريون لتنفيذ المهام المنوطة بهم. لقد عبّرت أمنستي (تقول كالامار) أكثر من مرّة عن مخاوفها من الهجمات الشخصية والضغوط التي تتعرّض لها ألبانيز، ومن شأنها تعطيل الجهود والآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان في لحظة يتعرّض فيها الفلسطينيون للإبادة في غزّة في ظلّ نظام عنصري. وأدان بيان المنظمة الدولية الاقتصاد السياسي للقمع والإبادة والجرائم ضدّ الإنسانية التي يشكّلها النظام العنصري والاحتلال غير الشرعي، والتعاملات الاقتصادية لدولة الاحتلال مع الشركات الدولية المختلفة لاستثمار الحرب والتدمير والحصول على عقود تجارية تدر منافع مالية، وهي تقارير تدين بقوة دولة الاحتلال، سبق أن وثّقتها ألبانيز في تقاريرها الفصلية التي تقدّمها إلى الأمم المتحدة ولمفوضية حقوق الإنسان، وتحدّثت عن وقائعها في الفيلم الذي خصّصته عنها قناة “آرتي” الفرنسية الألمانية قبل بضعة أشهر، وبُثّ على مستوى العالم فلاقى نجاحاً كبيراً.
مطالبة فرنسا وألمانيا وبريطانيا بإنهاء مهمّة المقرِّرة الأممية للحقوق الفلسطينية، بضغط من مجرم الحرب نتنياهو وشبكاته الإرهابية، صفحة عار كبيرة وجديدة تُكتب في تاريخ الغرب الاستعماري
لم يقف استهداف المقرِّرة الأممية من وزير الخارجية الفرنسي عند حدود فرنسا، بل وبسرعة غريبة امتثلت دول مثل ألمانيا وبريطانيا لمسار مشابه للخارجية الفرنسية، إذ نفّذت تعليمات صانع الإرهاب وشبكاته من اللوبيات والشركات الخاصّة التي ترسم سياساته الموجودة في كلّ العالم، التي تمارس أنواع الإرهاب كلّها من القتل الحقيقي إلى القتل المعنوي، وتشويه كل من يدعم حقوق الفلسطينيين بشراً ويدين حرب الإبادة والنظام العنصري الوحشي الذي يقوده مجرم الحرب وعصابته الفاشية.
وصرحت النائبة ماتيلد بانو، رئيسة كتلة حزب فرنسا الأبية في الجمعية الوطنية، “خبر كاذب يوجّه السياسة الخارجية الفرنسية”، وعبّرت عن غضبها واستهجانها للهجمات التي تتعرّض لها ألبانيز وقالت: “وجدت مطلب وزير الخارجية باستقالتها صادماً جدّاً، إنه يردّد أكاذيب كارولين يادان ونتنياهو نفسها، وأكاذيب كلّ العنصريين الإسرائيليين، في حين أن الخارجية الفرنسية قد أخبرتنا أن السيدة ألبانيز لم تتفوّه بما نُسب إليها من كلام، لكن الوزير يصرّ على مطالبته”. وأضافت “إننا في الحزب فخورون بأننا نطالب ونعمل بقوة لتعليق اتفاقية الشراكة الإسرائيلية مع الاتحاد الأوروبي، ونعمل على فرض عقوبات على نتنياهو وعلى إجراءات الاحتلال في قضم المزيد من الأراضي الفلسطينية وتدمير مراكز (أونروا) وتعذيب السجناء الفلسطينيين. لقد أطلقنا قبل أسابيع مع حلفائنا في الاتحاد الأوروبي حملةَ توقيعات لهذا الغرض، وصلت اليوم إلى أكثر من 400 ألف توقيع لتقديمها للاتحاد الأوروبي للموافقة عليها، ومن ثم لتنفيذها”.
مطالبة فرنسا وألمانيا وبريطانيا بإنهاء مهمّة المقرِّرة الأممية للحقوق الفلسطينية، بضغط من مجرم الحرب نتنياهو وشبكاته الإرهابية، صفحة عار كبيرة وجديدة تُكتب في تاريخ الغرب الاستعماري الفاشي لجريمته الكبرى ضدّ الشعب الفلسطيني المقاوم الذي لن يتخلّى عن أرضه مهما تكبّد من تضحيات، وغزّة أكبر مثال.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى