عن معرض دمشق للكتاب

علي حميدي

زرت دمشق ومعرضها للكتاب وفيّ قدر من الحذر، وغادرت وأنا أحمل شيئا من الطمأنينة. ليس لأن كل شيء كان مثاليا، ولا لأن أسئلتي حسمت إجاباتها، بل لأن المعرض يعيد لدمشق إحدى وظائفها القديمة، أن تكون ملتقى ومساحة للعناوين والصوت، لا مجرد عاصمة تمر عنها العناوين عرضا، عناوين الحرب والظلم.
في أجنحة مدينة المعارض لم يكن المشهد ثقافيا بالمعنى الضيق للكلمة، بل اجتماعيا أيضا. ستجد عائلات تجول بين الأروقة تطالع كتبا أو تحضر فعالية، وطلاب جامعات يفتشون بين الكتب، ورجال دين يقلبون مؤلفات فكرية، وشبانا يلتقطون صورا قرب حفلات التوقيع لكتاب ربما لا يعرفونهم، وأطفالا يركضون بين رفوف القصص المصورة، وآخرين يهتفون وينشدون بحماسة. هذا التنوع لم يكن تفصيلا جانبيا، بل كان جوهر الحدث، وإن غاب عنه بعض من التنوع السوري. الكتاب هنا ليس سلعة فحسب، بل ذريعة للقاء عابر للطبقات والانتماءات، وبالون اختبار.
لم يكن الناس يجولون بدافع الترف الثقافي أو الرغبة في الاطلاع على جديد الإصدارات، بل بدافع استعادة علاقة مقطوعة مع الكتاب.
كثيرون وجدوا في المعرض علامة على عودة الثقافة بعد انقطاع طويل ورقابة ثقيلة حددت الكتب في اتجاه واحد، محصور برضا وتمجيد النظام البائد وشخوصه. صحيح أن مجرد عودة المعرض يحمل دلالة رمزية، لكن الأهم هو ما الذي عاد تحديدا؟ حضرت عناوين كانت غائبة لعقود، وكتب لم يكن مسموحا لها حتى أن تتجاوز الحدود السورية، من كتب دينية أو سياسية أو اقتصادية إلى عناوين كانت محظورة. مع حضور ثقافي كردي غير مسبوق في أجنحة مستقلة. بدا المشهد أقرب إلى فسيفساء جميلة، غابت عنها بعض قطعها.
هذا الانفتاح لا يخلو من أسئلة، هل نحن أمام تنوع حقيقي في المجال العام، أم إعادة ترتيب لمشهد يراد له السيادة؟ تقارير أجنبية رأت في المعرض ساحة لصراع سرديات أكثر منه احتفالا محايدا بالثقافة. وربما في هذا التوصيف شيء من الصحة، فالمعرض في نهاية المطاف ليس فضاء معزولا عن التحولات السياسية والاجتماعية العميقة التي شهدتها سوريا، الكتب المعروضة ليست أوراقا صامتة، بل بيانات ضمنية عن المرحلة.
وأبعد من طبيعة العناوين، وما وصل إلى الرفوف وما منع من الوصول، هو الجمهور الذي أقبل بكثافة وفضول واضح. لم يكن الناس يجولون بدافع الترف الثقافي أو الرغبة في الاطلاع على جديد الإصدارات، بل بدافع استعادة علاقة مقطوعة مع الكتاب. حتى أولئك الذين لم يشتروا كتابا واحدا، وربما كانوا كثيرين لأن ثمن كتاب واحد يرهق ميزانياتهم المتواضعة، كانوا يتوقفون طويلا أمام الرفوف، يقلبون الصفحات، ويلتقطون صور الأغلفة، كأنهم يقولون، نحن هنا، وما زلنا نقرأ، وما زلنا فقراء.
لم يكن المعرض مجرد فعالية، بل مدعاة للتأمل في معنى الاجتماع حول الكتاب في بلد أنهكته الانقسامات.
التفاؤل الثقافي اصطدم بواقع اقتصادي قاس، ولا شك بواقع سياسي معقد. فالكتب ليست في متناول اليد لكثيرين ممن جاؤوا ليتفرجوا، وكثيرون أيضا لم يحضروا أصلا لأنهم مستبعدون. هنا يظهر التناقض الذي تحدث عنه البعض حين قال إن مهرجانا للثقافة لا يقوم في بلد يرزح تحت ضغط معيشي خانق. وربما تكون هذه المفارقة دليلا على أن الحاجة إلى الثقافة لا تقاس دائما بالقدرة الشرائية. ثمة من يحضر ليشعر بأنه جزء من حدث عام، حتى لو خرج بكيس فارغ، وثمة من قاطع عمدا لأنه لا يريد أن يكون جزءا من هذا الحدث.
لم يمنع المعرض عناوين كثيرة، على قاعدة أن لا منع بعد الآن إلا فيما يهدد السلم الأهلي والاستقرار، وهذه معادلة معقدة، لأن تعريف التهديد نفسه قابل للتأويل، ولكل حسابه.
لم يكن المعرض مجرد فعالية، بل مدعاة للتأمل في معنى الاجتماع حول الكتاب في بلد أنهكته الانقسامات. لعل المشهد في الدورات القادمة يكون تمرينا على الجلوس في القاعة نفسها، ولو اختلفت الكتب التي نحملها في أكياسنا، واختلفت المعتقدات والرؤى. فمعرض كتاب لن يحل أزمات سوريا، ولا يضمن تلقائيا ازدهارا ثقافيا، لكنه أعاد طرح سؤال عن أن تكون الثقافة جسرا حين تتعثر السياسة، يبدو لي أن الجواب ليس مثاليا، لكنه ممكن.
المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى