
عادةً لا تبدأ المفاوضات عندما يضعف الصراع، بل عندما تصبح كلفته أعلى من احتمالات حسمه. هذا ما حدث بعد الحرب القصيرة والمفصلية بين إيران وإسرائيل صيف 2025؛ إذ أدركت كلٌّ من واشنطن وإسرائيل وطهران أن ميزان الردع لم ينكسر، لكنّه أصبح أكثر هشاشةً وخطورةً على أمن أطراف الصراع الثلاثة ومصالحها، فضلاً عن أمن (واستقرار) منطقة الخليج ذات الأهمية الاستراتيجية في النظام الدولي. ومن هذا الإدراك المشترك، وُلدت جولة جديدة من الدبلوماسية في سلطنة عُمان، لا بوصفها طريقاً إلى تسوية نهائية، بل قد تكون وسيلةً لتجنّب مواجهة أكبر لا يستطيع أيُّ طرف السيطرة على نتائجها.
لا تبدو المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران محاولةً لإعادة إنتاج اتفاق 2015 بقدر ما هي محاولةٌ لمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع
لم تُنهِ تلك الحرب الصراع، لكنّها أعادت تعريفه. فقد أظهرت أن إيران ليست قوةً يمكن ردعها بسهولة، لكنّها أيضاً ليست في موقع يسمح لها بفرض قواعد اشتباك جديدة في المنطقة. وقد انتقلت طهران من سياسة “تمدّد نفوذ” في دول المنطقة (سورية، العراق، فلسطين، اليمن) إلى سياسة “إدارة خطر وبقاء”، بعد أن انتقلت الأزمات إلى بيتها الداخلي، الذي شهد موجة احتجاجات كبرى مثّلت تحدّياً حقيقياً للنظام وشرعيته. لذا تبدو إيران أكثر ميلاً نحو خفض المخاطر، مع الحفاظ على ما تبقّى من أوراقها الإقليمية بوصفها أدواتِ تفاوض/ردع. وفي المقابل، أثبتت الولايات المتحدة وإسرائيل قدرتهما على إلحاق أضرار عسكرية حسّاسة بإيران، من دون أن تتمكنّا من تغيير سلوكها الاستراتيجي أو تقليص دورها الإقليمي بصورة حاسمة. هكذا، خرج الجميع من الحرب بقناعة واحدة، وهي أن الردع قائم، لكنّه هشّ.
في ظلّ هذا المناخ، عادت الدبلوماسية لتؤدّي وظيفتها التقليدية في إدارة التوتّر لا إنهائه. لذا لا تبدو المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران محاولةً لإعادة إنتاج اتفاق 2015 بقدر ما هي محاولةٌ لمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع. لقد تحوّل الهدف من حلّ الأزمة النووية إلى منع/ تأخير اندلاع الحرب المقبلة، ولا سيّما أن تاريخ العلاقة بين الطرفَين يفسّر هذا التحوّل؛ فالاتفاق النووي عام 2015 لم يكن نتيجةَ ثقة متبادلة، بل نتيجة توازن في ضغوط واشنطن وحلفائها الأوروبيين، التي قامت على تطبيق عقوبات اقتصادية خانقة من جهة، وعدم الانزلاق في أتون حرب تقودها واشنطن في المنطقة من جهة أخرى. وعندما انسحبت واشنطن من الاتفاق عام 2018، دخلت العلاقة في دورة تصعيد طويلة (“سياسة الضغوط القصوى”) انتهت عملياً بتآكل الاتفاق من دون أن ينتج ذلك نظام ردع مستقرّا. جاءت حرب 2025 لتغلق هذه الدورة وتفتح أخرى جديدة عنوانها “الدبلوماسية تحت ظلّ القوة”.
ليس السؤال اليوم ما إذا كانت الولايات المتحدة وإيران ومعهما دول المنطقة يريدون اتفاقاً شاملاً، بل ما إذا كانوا قادرين على تحمّل غياب أيّ اتفاق في ظلّ حالة عدم اليقين التي يشهدها الإقليم. ومن هنا يمكن فهم الاتجاه الحالي نحو صيغة تفاوضية تقوم على ترتيبات جزئية ومؤقّتة تحدّ من المخاطر النووية مقابل تخفيف محدود للضغوط الاقتصادية. هذه ليست تسوية نهائية، بل قد تكون هدنةً استراتيجيةً، وهو ما تسعى إليه دول الخليج، ومعها كلٌّ من تركيا ومصر. غير أن هذا المسار لا يتحرّك في فراغ، ولا يمكن إغفال العامل الإسرائيلي؛ إذ ترى الحكومة الإسرائيلية أن أيّ اتفاق يركّز في البرنامج النووي وحده سيمنح إيران وقتاً لإعادة بناء قدراتها العسكرية والإقليمية. لذلك تضغط باتجاه صفقة تشمل الصواريخ الباليستية وما تبقّى من شبكة حلفاء إيران الإقليميين، إلى جانب البرنامج النووي الإيراني. لكن هذا الطموح يصطدم برفض طهران لهذا النوع من الصفقات، الذي قد يعرّض النظام لخطر السقوط.
قد تنجح المفاوضات الحالية بين واشنطن وطهران في إبقاء الصراع تحت السيطرة
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في المفاوضات الحالية؛ فكلّما ازدادت الحاجة إلى اتفاق شامل، أصبحت فرصه أقلّ. وكلّما أصبح الاتفاق المحدود أكثر واقعية، ازداد إدراك الأطراف أنه لا يعالج جذور الصراع. لهذا السبب، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار حالة “اللااتفاق المستقرّ”، بمعنى استمرار المفاوضات التي قد تؤدّي إلى تفاهمات جزئية، وإلى ضبط متبادل للتصعيد. هذا النموذج ليس جديداً في العلاقات الأميركية – الإيرانية، لكنّه اكتسب بعد حرب 2025 معنى مختلفاً؛ فالتفاوض لم يعد بديلاً من الردع، بل أصبح جزءاً منه.
يعكس هذا الوضع انتقال إيران من مرحلة توسيع النفوذ إلى مرحلة الحفاظ على ما تبقّى منه. فالحرب أخيراً أخرجت إيران من دائرة التأثير في النظام الإقليمي نسبياً، وقلّصت هامش حركتها، وجعلت تكلفة المغامرة العسكرية أعلى بكثير. وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة أقلّ اهتماماً بإعادة تشكيل المنطقة وأكثر تركيزاً في منع انهيار التوازن فيها. بهذا المعنى، قد لا تقود المفاوضات الحالية إلى اتفاق تاريخي، لكنّها قد تنجح في تحقيق هدف أكثر تواضعاً وأهمية في آن واحد، وهو إبقاء الصراع تحت السيطرة. ففي السياسة الدولية لا تكون الدبلوماسية أحياناً طريقاً إلى السلام، بل وسيلة لتأجيل الحرب.
المصدر: العربي الجديد






