الفقراء أولاً.. نحو إعلان سوري للعدالة الاجتماعية

محمد برو

“الفقراء أولاً.. ليس مجرد شعار، بل هو بوصلة الأخلاق في السياسة والاقتصاد”.
أطلق الطبيب والصحفي المصري محمد أبو الغيط صرخته “الفقراء أولاً” في وجه الإهمال والانشغال عن الأهم، وفي ظل المشهد السوري البائس والمعقد بعد عام ونيف من التحرير ومن سقوط نظام لم يدخر وسعاً في سحق السوريين وإذلالهم وجعل العوز والفاقة من أبرز سماتهم العامة، ومع تسلم الإدارة الجديدة لهذه التركة الثقيلة وعجزها عن توفير الحد الأدنى اللازم من الموارد الأساسية والتي يمكن اختصارها “بالغذاء والدواء والسكن واستتباب الأمن” إضافة للبيئة التعليمية المطلوبة لإعادة مئات الآلاف من الأطفال إلى مقاعد الدراسة وانتشالهم من أوحال الشوارع، صار من الضرورة بمكان قرع نواقيس الخطر وتدارك ما تم العجز عن تحقيقه حتى الآن، فاستمرار البطء والتأخر في سد هذه الثغرات سيخلق دوامة معيبة يصعب الخروج منها.
لا يمكن نكران ما نجحت به الإدارة الجديدة في فك العزلة السياسية والاقتصادية وإعادة سوريا لتتموضع في مكانها الطبيعي واللائق في محافل المجتمع الدولي، لكن بالرغم من إبرام العديد من مذكرات التفاهم وربما العقود الاستثمارية الكبيرة التي يؤمل أن تكون رافعة تسهم في نهضة سوريا من هذا الحضيض الذي عاشته لسنوات، مع ملاحظة أن هذه الاستثمارات التي جاء معظمها ليطرق أبواب المدن الكبرى حلب ودمشق دون أن يلتفت إلى مدن غارقة بدمارها كدير الزور ومخيمات عرسال ومخيمات الشمال، من المطلوب بحزم ورؤية مستقبلية تكفل النجاح بأن تستبدل عقلية “إدارة الاستثمار” بعقلية “إدارة الكرامة والبقاء” ولتكن بوابتنا لعالم الاستثمار والتنمية المستدامة الاستثمار بالإنسان أولاً.
الفقراء أولاً، حيث لا يمكن بناء وطن مستقر على أساس النمو المشوه، كمن يبني عمارات باذخة وشاهقة إلى جانب أحياء من العشوائيات السكنية، إنه صراع غير متوازن بين منطق السوق والربح ومنطق حقوق المواطنة، وهذا يستدعي التحول من محاذير الميزانيات وما يستتبعها إلى جسارة الإعمار. وقد أكدت العديد من دراسات اقتصاديات الحرب وإعادة الإعمار -للأسف الشديد- أن رأس المال دائماً يبحث عن الربحية السريعة والمخاطرة المنخفضة، ولا يوجد بقاموسه أو مسؤولياته العناية بالجانب الإنساني لأن هذا التوجه لا ينتج عائدات ربحية سريعة.
تؤكد التجربة الألمانية في إعادة الإعمار “مشروع مارشال” كذلك تجارب عاشتها دول شرق آسيا، أن الدولة هي المخولة بقيادة قطاع المنافع العامة وذلك بمنح قروض ميسرة لآجال طويلة، وعدم الركون للاستثمارات المنقذة، وجميع التجارب المماثلة تشير إلى أن الرهان على الاستثمارات الخارجية المباشرة لإعادة تأهيل القطاعات الخدمية المدمرة “مستشفيات، ومدارس، وطرقات، وبنى تحتية” ما هو إلا وهم لا يسمن ولا يغني من جوع، فالمؤسسات الاستثمارية الكبرى لن تبني مستشفى أو مدرسة للفقراء، لكنها تبني أبراجاً شاهقة ومنتجعات ومدن ملاهي.
لدى السوريين ثلاث قطاعات أساسية لا يمكن إهمالها أو التباطؤ في بنائها وتأهيلها، ومن المهم البدء بخطة إسعاف وطنية واجتماعية، فهذه القطاعات نالت حظها الأوفر من الإهمال والتأجيل:
الصحة: كهدف أولي، ويمكن البدء بمستشفيات ميدانية كحل فوري وعاجل ويفي بالشطر الأكبر من الاحتياجات، ويمكن في هذا الشطر الاعتماد على صناديق سيادية ومنح دولية تشترط العدالة والشفافية في التوزيع بين المدن السورية.
التعليم: وإعادة تأهيل المدارس والمعلمين، فالخسارة في رأس المال البشري لا يمكن تعويضها إلا بسنوات طويلة وكلف هائلة، وإعادة النظر إلى ملف التعليم بصفته استثماراً وطنياً لا بكونه عبئاً مالياً. ويمكن للدولة إعادة إعمار المدارس وترميمها عبر عقود محلية تستثمر في العمالة السورية فتصيب هدفين برمية واحدة: إعادة تأهيل قطاع التعليم ومنح المزيد من فرص العمل والتوظيف.
عدم الانجرار وراء وهم الحذر الاقتصادي الذي لا ينتج عنه إلا انهيارات اجتماعية لا يسعف الوقت والإمكانيات لمعالجتها، فالإصرار على رفض القروض بذريعة تعزيز السيادة المالية إنما يحفظ أرقام الميزانية لكنه بذات الوقت يترك الملايين من الفقراء نهباً للموت جوعاً ومرضاً وبرداً؛ ففي التجربة الألمانية الناجحة بعيد عام 1945 كان الاعتماد على قروض خارجية مهماً لإعادة البناء والتأسيس، وعلى الإنسان المنتج أن يسدد هذه القروض في زمن لاحق.
في حالتنا السورية لدينا مئات آلاف المنازل والأبنية المدمرة وهي بحالها الراهن قنابل اجتماعية موقتة لا تلبث أن تنفجر، الحل الأمثل -والذي عملت عليه دول شتى- إنشاء بنك وطني للإعمار يستقطب تمويلاً مناسباً من المانحين ويحظى بإدارة وطنية راشدة، تمنح المتضررين قروضاً بلا فوائد. إن دوران عجلة النهوض من هذا الحطام لن يتحقق بتجميل واجهات المحلات التجارية في دمشق وحلب، بل بمد يد العون والجاهزية الإسعافية الطارئة لانتشال الإنسان من المدن المدمرة والمخيمات، وتوفير مكان آمن للسكن يليق بالكرامة الإنسانية؛ فالسيادة الوطنية ليست بعدم وجود ديون ترهق الميزانية بل بانتهاء عصر الخيام والمخيمات وعودة ساكنيها إلى بيوت تليق بهم، وهذا سيخلق مناخاً ملائماً لعودة مئات آلاف المهاجرين ليساهموا بدورهم في إنجاح إعادة الإعمار.
المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى