خيانة المثقف بين المثقف العضوي ومثقف الجماعة

أحمد الشمام

تذهب كثير من الدراسات في العالم إلى أن الثقافة هي الحصن الأخير للهوية والشعب والدولة، كما تذهب دراسات أخرى إلى اعتبار الثقافة البناء المعرفي الأولي الذي ينهل من التاريخ والذاكرة ما يجمع بين فئات المجتمع؛ لرصها في طيف واسع من التنوع ضمن مجتمع مبني على التنوع ليكونوا جسما واحد كشعب يعبر عن نفسه سياسيا عبر الدولة.
اشتغل علي حرب في دراسته حول الإرهاب وعلاقة المثقف به في نقد الخطابات المغلقة والذهنيات الشمولية التي تشكل أرضية للتطرف، ولم يتحدث عن الإرهاب منحصرا بارتكاب العنف، بل بوصفه منظومة فكرية وأخلاقية تنتج سلوكا وتبريرا. في مكان آخر ميز علي شريعتي بين المثقف التقليدي المنعزل والمثقف العضوي – تبعا لمفهوم غرامشي- وربطه بالدور الرسالي الذي يجب أن يقوم به من ارتباط بقضايا مجتمعه وانخراطه في وجع شعبه، كشف الحقيقة، تفكيك الاستبداد، وبناء وعي جماعي يخرج العامة من ذهنياتها التقليدية ليحررها من التبعية.
فما هي النتيجة التي نصلها فيما لو درسنا هذا الدور في المجال السوري الذي من المفترض أن يكون دورا رساليا مرتبطا بمفهوم المثقف العضوي والنخبة والذي تمت خيانته، بل واستغلاله عبر تحويره وحرفه عن رسالته المأمولة.
نشر جوليان باندا عام 1927م كتاب خيانة المثقفين ثم أعاد طباعته مع إضافات كثيرة عام 1946 بعد خروج القوات الألمانية من فرنسا ناقش فيه أزمة المثقفين، ومواقفهم من المعضلات الاجتماعية كأزمة أخلاقية، وقف فيها المثقف بعيدا عن الاضطراب الوعر، الذي حلَّ بالمجتمع ودان موقف النأي بالنفس عن مشكلات الناس اليومية وتفرغه للنشاط في الفكر ويقظة العقل في برجه العاجي، وخطورة اعتزاله دوره ومسؤوليته تجاه محيطه العام.
إن المقصود بالوحدة الوطنية هو ضبط الاختلاف بين الاتجاهات السياسية والجماعاتية من عمل إقصائي إلى اختلاف سياسي مع عامل محدد وناظم وضابط لفقه الاختلاف وهو ألا تستعين أي كتلة أو توجه سياسي بقوة خارجية.
شكلت الثقافة والمثقف جزءا لاحقا وتابعا من الحراك السوري في الثورة؛ لكنها لم تشكل ظاهرة تقود ذاك الحراك وترشده، بسبب تجاوز الشعوب لنخيها من جهة ولتأخر تلك النخب عن إدراك اللحظة التاريخية لذا يذهب مقالنا للعينة التي شكلت عامل عطالة على حركة الثقافة في المجال السياسي السوري، حيث عانينا من خيانتين للمثقف واحدة في خضم الثورة إذ حاربها– اليسار الممانع والقومي- الموالي للأسد، وخذلها اليسار التقليدي المتشرب بخشبيات الخطاب الماركسي وبقي بعيدا إن لم يكن مواليا لنظام الأسد، وتجلت الخيانة الثانية – وفقا لمفهوم باندا وعلي حرب وشريعتي- فيما ارتكبه في رحم الثورة إذ إنه – وليته اعتزل- دأب على التنطع لشتى أنواع التحزب والتخندق الأيديولوجي، والتعالي على المجتمع، وطرح الثنائيات، وفرضها على المجتمع السوري الذي تجاور حتى في ظل نظام الأسد؛ واشتراك بعضهم في حرف مسار التناقض أو الاختلاف إلى صراع هويات جزئية، لنقض نسيج المجتمع السوري الذي تجاور وتشارك حتى في ظل نظام الأسد في أوج جبروته وإجرامه حيث لم يتنابذ العلوي والسني، ولا العربي والكردي؛ واستوعبت اللاذقية مهجرين من إدلب واستوعبت القامشلي مهجرين من دير الزور لا بفضل سطلات الأمر الواقع بل بفضل التعاشق التاريخي بين فئات المجتمع السوري وبيئاته المختلفة، والعقد الاجتماعي والذي يعتقد بعضهم أنه من إنجاز السلطة في حين أنه الحصن الأخير والأرضية التي بنيت عليه ثقافة وتاريخ مشترك للدولة والشعب، وأعلى من مجرد قرارات سلطة حاكمة تحاول فرضه.
نظَّر دنكوارت روستو أحد أوائل منظري الديمقراطية في الغرب لتحقيق الديمقراطية التنوع وثقافة الاختلاف، حرية الرأي والتعبير، والحاجة لمأسستها لئلا تكون أداتية مقنعة تسقط في أقل من عقد كما في شرقي أوروبا نقاط لكنه اشترط بنائها جميعا على أرضية محددة هي اللحمة الوطنية بما هي العصبة للدولة والوطن والشعب والانتماء الخالص له وتقدير مشتركات العيش واعتبارها الأساس لأي بناء دولتي، وبما أن الدولة تتشكل باتساق شعب على اختلاف بيئاته الاجتماعية وانتماء جماعاته مادون الدولتي؛ فهي عرضة دوما لصراع المصالح بين الطبقات والجماعات التي غالبا ماتكون صراعات مصالح نفعية اقتصادية وامتلاك موارد أو نفوذ، وعليه فإن المقصود بالوحدة الوطنية هو ضبط الاختلاف بين الاتجاهات السياسية والجماعاتية من عمل إقصائي إلى اختلاف سياسي مع عامل محدد وناظم وضابط لفقه الاختلاف وهو ألا تستعين أي كتلة أو توجه سياسي بقوة خارجية، وهو ما يجعل من بناء الوطنية السورية والولاء للدولة ضرورة يبنى عليها أي اختلاف في البرامج والرؤى والتوجهات السياسية.
إن دور المثقف كحصن أخير أو كأساس لبناء الدولة التي يتشارك في بنائها الجميع؛ لابد وأن يلزمه بالخروج من دوره الفئوي وموقفه الأيديولوجي والاشتغال في رفض الموجة الشعبوية واللغة الانفعالية التي تنشرها لحظة انفعال واندفاع وتحشيد وعسكرة لأي جماعة.
أمام ذلك يظهر المثقف في الواجهة من حيث مسؤوليته التي يحملها لتنوير محيطه البسيط وتجاوزه لمصالح الجماعة، وسعيه لتأسيس الجماعة الوطنية بما هي الأرضية السياسية التي تبنى عليها مفاهيم الشراكة، وتؤطر لصالح جميع الفرقاء فيصبح عبر مسؤوليته يمارس على نفسه سلطة أن يكون متسقا مع دوره الرسالي، وحاملا سلطة رمزية تخوله صناعة الأفكار وتنقيحها وتبادلها وتبيئتها بما يتلاءم ومجتمعه.
حيث تحول دوره من نخبة تشتغل للارتقاء بالجماعة إلى معبر عنها -رغم عدم افتقادها لوسائل وأدوات التعبير في حمى النت ووسائل التواصل- وذلك يدل على أمرين أولهما أنه لم يخرج من ذهنية أنه ابن تلك الجماعة -لا كهوية اجتماعية بل سياسية- ولعله عول في طموحه على دور سياسي وفي غمرة تشظي الأحزاب وعجزها لم يفكر أن يكون مرشحا لحزب سياسي أو عامة يمثلهم بل للجماعة التي لها حصة اعتبارية في السلطة والمؤسسات؛ وتحول من قائد للفكر إلى حلم قائد للسياسة؛ وبالتالي اعتمد على محاولة مجاراة الجماعة والتعبير عنها في صوابها وبعض أخطائها وسرد تبريراتها وإحالتها إلى جذر ثقافي أو ديني لدى الآخر فصار جزءا من التحشيد طوعا أو من غير قصد.
على الناظر لوضع كهذا الخروج من القراءات التقليدية التعميمية مع ضرورة التعمق لفهم الرموز، الشارات، الممارسات المتوالدة المعتمدة لدى الجماعة وقواعدها؛ وتفكيك الأدوات التي تتعاون في بناء سلطة رمزية وتداولها وتفعل فعلها في تحقيق الانصياع والطاعة، أو التماهي مع موجة و فورة الجماعة وحشودها؛ ومعرفة كمية الضغوط التي تمارسها والقيود التي تكرسها لدرجة يصبح من الصعب الخروج عنها، والتي حولت دوره من مثقف عضوي في شعب واسع وعريض يمتلك مقومات بناء الدولة؛ إلى مثقف وظيفي فئوي مرتهن لجماعة دون الدولة عاجزة عن بناء حيز مكاني مستقل تتخيل بناءه على شكل كونتون أو دولة.
إن دور المثقف كحصن أخير أو كأساس لبناء الدولة التي يتشارك في بنائها الجميع؛ لابد وأن يلزمه بالخروج من دوره الفئوي وموقفه الأيديولوجي والاشتغال في رفض الموجة الشعبوية واللغة الانفعالية التي تنشرها لحظة انفعال واندفاع وتحشيد وعسكرة لأي جماعة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى