
لعبت القوانين دورًا هامًا في بناء الدولة الأمة في التقاليد الغربية، وذلك على الرغم من محمولاتها للمصالح الطبقية المسيطرة في الدول الأوروبية، والولايات المتحدة الأمريكية، وذلك من خلال مفاهيم الحرية، والمساواة، والعدالة، وتوزيع القوة السياسية، والتشريعية، والرقابية بين السلطات الثلاث والفصل والتمايز والتعاون بينهم ، وفق طبيعة النظام الدستوري البرلماني، ثم شبه الرئاسي، والرئاسي. كان تنظيم الحريات الفردية والعامة، والمصالح الاجتماعية المتصارعة من أهم الوظائف التي نهض بها القانون والحداثة القانونية في الدول والمجتمعات الرأسمالية الغربية.
في الدول التي نشأت ما بعد التحرر من نير الاستعمار الغربي، كان القانون، ولا يزال أحد أدوات بناء الاندماج الوطني بين مكونات هذه المجتمعات على تعددها، وطابعها الانقسامي بين مكونات، وجماعات عرقية ولغوية وقبائلية وعشائرية، ومناطقية، ودينية، ومذهبية على نحو ما ماكانت عليه ولاتزال أوضاع عالمنا العربي.
أحد أبرز مشاكل النظم القانونية العربية، عدم إيلاء مسألة الحرية الأهمية المطلوبة فلسفيا، ودينياً ومذهبياً في الفكر السياسي؛ والاجتماعي، والديني الموروث والسائد ومحمولاتهم منذ مرحلة الاستعمار، وما بعد الاستقلال . كانت مسألة الحرية في الجدل الشائع آنذاك مرتبطة بالسعي نحو الاستقلال والتحرر من الخضوع للاستعمار الغربي/ الأوروبي، من خلال حركات المقاومة الوطنية ، وليست كأحد أهم المفاهيم المرتبطة بالوجود الجمعي للشعوب المحتلة ، وأحد شروط الوجود الإنساني .
ظلت فوائض المشاعر الجمعية الوطنية هي المسيطرة بعد الاستقلال، ومعها مبدأ السيادة الوطنية والاستقلال.
كانت الدساتير الوطنية العربية ما بعد الاستقلال مستعارة من المتون المرجعية الدستورية للدول الاستعمارية –فرنسا وبريطانيا وإيطاليا-، من حيث النصوص المقررة للحريات العامة والفردية، وتوزيع القوة ما بين السلطات والفصل والتعاون فيما بين بعضها بعضًا.
تاريخ هذه الدساتير المستعارة مع بعض التعديلات التي كانت تلائم مصالح السلطات الحاكمة ما بعد الاستقلال من قادة الحركة الوطنية وتابعيهم ، ولكنها لم تكن سوى محضُ وثائق لا تأثير لها على واقع بناء القوة الفعلي في النظم السلطوية الشعبوية، أو النظم الاستبدادية والطغيانية العربية، ومن ثم ظلت ولا تزال نسبيًا، لا تعدو أن تكون سوى وثائق لا فاعلية لها، في تنظيم الحريات المعتقلة فعليا وراء سياجات السلطة المتغلبة ، والمجال العام المغلق، ومصادرة الحريات وقمعها، والأخطر انفصال التنظيم الدستوري عن السلوك الدستوري والسياسي السلطوي ، لأن ظاهرة موت السياسة، هي التي سيطرت على حياة غالبُ المجتمعات والدول العربية، في ظل دمج السلطات الثلاث حول موقع القوة الأول في كل دولة دولة، ومعه مراكز القوة حوله، لاسيما الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. من ثم كانت القوانين يسيطر عليها السياسة الآداتية، والهيمنة على المجتمع، والتعبئة السياسية والاجتماعية، على نحو أدى إلى إفقاد القوانين وظائفها في تنظيم الحريات والعلاقات الاجتماعية على نحو يكرس مفهوم الحرية والمسئولية، والمساواة الفعلية بين المواطنين في ظل المصالح المتصارعة أو المتنازعة والمراكز القانونية المختلفة، على نحو يحقق الاستقرار في العلاقات الاجتماعية، وبين المواطنين والدولة، من ثم لم تساهم المنظومات القانونية في تشكيل وتكوين فعال لمفهوم الوطنية، وبناء الأمة، لاسيما في ظل عدم تبلور ، علاقات الإنتاج، وكذلك تطور النظم الاقتصادية، والإعاقات التي شملت سياسات التصنيع في هذه البلدان، سواء في مجال القطاعين العام والخاص.
أثرت سياسات الغلبة الدينية والمذهبية والعرقية للسلطات الشعبوية السلطوية، والاستبدادية في تكريس سياسة التمييز الديني، تجاه الأقليات الدينية والعرقية واللغوية – المكونات القبلية الأفريقية في السودان، والأكراد في العراق، والأمازيغ في الجزائر والمغرب على سبيل المثال لا الحصر-، ومن ثم أدى ذلك إلى نمو ثم تضخم الشعور الجمعي الأقلوي بالهويات الخاصة لهذه الجماعات في مواجهة الهوية الوطنية المتخيلة، التي فرضتها السلطات الحاكمة المتغلبة في تواشجها الديني والمذهبي والعرقي في ظل هيمنة الشعبويات السلطوية ما بعد الاستقلال. استمرارية سياسة التمييز الديني والمذهبي والعرقي جعلت من القوانين الوطنية آداة سيطرة، وتمييز، لا أداة بناء جوامع مشتركة من خلال سياسات الاندماج الوطني، التى ارتكزت على الدمج القسري من خلال أجهزة الدولة / النظام القمعية، والإيديولوجية، في زمن صحوة إيديولوجيات الدول الأخذة في النمو، التي سرعان ما تراجعت مشروعاتها التنموية ، ورأسمالية الدولة الوطنية ، او الطريق اللا رأسمالي للتنمية، لصالح المشروع الرأسمالي، ثم النيوليبرالية الرأسمالية، والتبعية للمراكز الرأسمالية الغربية، وخاصة الأمريكية، ثم الأوروبي، والمنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ونظائرهماد…الخ.
من هنا لم تساهم المنظومات القانونية العربية في المساهمة الفعالة في تكوين الوطنيات العربية، وإنما تم توظيف الدين سياسيا واجتماعيا، في بناء الشرعية السياسية، وفي التعبئة الدينية والمذهبية والاجتماعية والسياسية، ومن ثم توظيف الدين في بناء الروابط الدينية، علي نحو ساهم في إنتاج التناقضات بين القانون الحديث، ومبادئ الحرية والمساواة والعدالة، وبين بعض السرديات الدينية الوضعية الموروثة والنقلية في شرعنة المفهوم الجماعي السياسي التعبوي، كقيد على حرية التدين والاعتقاد، وممارسة الشعائر الدينية، والتدين الفردي الحر، وهو ما كرس بناء هويات متصارعة على الأساس الديني/ العقدي، والمذهبي –أيا كان الدين والمذهبة والفرقة الدينية-، ومن ثم عدم تبلور مفهوم الوطنية، أو الأمة الواحدة، والاستثناء التاريخي مصر والمغرب، وتونس نسبيًا.
من هنا أثرت توظيفات الدين السياسية سلبًا في عدم تبلور التمايز المفهومي، والإدراكي السياسي للدولة عن النظام والسلطة المسيطرة ، وعمليات تشكيلها البنائي، وتمايزها عن النظام السياسي، والأهم السلطة المسيطرة ومحمولاتها الدينية والمذهبية والعرقية واللغوية..الخ. بديلا عن أن القوانين تمثل تعبيرًا آداتيا، ومفهومياً فعالاً في الاندماج، والتكامل الوطني، وبناء هوية وطنية متخيلة جامعة من خلال الحقوق والحريات الفردية، والعامة، والمساواة، وحقوق المواطنة بين جميع المكونات المجتمعية أيا كانت.
كرس الصراع بين أجهزة الدولة المختلفة على الصلاحيات وبناء القوة والمكانة والنفوذ، في التأثير على سياسة التشريع، من خلال دفع السلطة التشريعية لتوسيع نفوذ وصلاحيات كل جهاز من أجهزة الدولة والنظام، وحماية سلطاتها إزاء السلطات والأجهزة الأخرى، ومعها تمدد الضبطية القضائية التي باتت شائعة لغالب هذه الأجهزة، والموظفين العموميين، وأصبحت الضبطية القضائية آداة للفساد الوظيفي من خلال انتشار ظواهر الفساد والرشّي، والاستيلاء على المال العام، وحماية ذلك من خلال التغاضي عن خرق بعض المواطنين لقواعد القانون، أو استيلاءهم على الأرضي المملوكة للدولة، أو سلوكياتهم التى تنتهك قواعد القانون، لاسيما بين أجهزة إنفاذ القانون، وفسادات بعضهم داخلها، أو غالبها في كل دولة. تمدد هذه الظواهر والسلوكيات المناهضة للقانون أدت إلى تمد الوعي شبه الجمعي الذي يرى أن تطبيق القانون ودوره في الردع الخاص والعام بات رهنًا للفساد، وأنه لا يعبر عن المصالح العامة!
تفاقمت مسألة الاندماج الوطني مع التطورات الاقتصادية السياسية النيوليبرالية الوحشية، وتزايد الفوارق الاجتماعية داخل مجتمعات العسر العربية، ونهاية عصر الإيديولوجيات، وقيم التحرر الوطني، ومفهوم الوطنية والاستقلال والعدالة الاجتماعية، وتآكل استراتيجيات بناء الاندماج القومي، ومعها مفاهيم المساواة، والمواطنة والأنتماء الوطني ، وخاصة مع الأجيال الشابة منذ عقود الثمانينيات والتسعينيات، وخاصة مع أجيال y، وz ، وتفاقم مسألة الأنتماء الوطني ، والرغبات العارمة بينهم في الهجرة إلى المجتمعات الأوروبية، وأمريكا الشمالية وكندا، والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا ، وتفكك مفهوم الوطنية والانتماء، وتذريهما لصالح مفهوم الخلاص الفردي الذي بات سمتُ فكر ومشاعر وسلوك غالب لدي هذين الجيلين، وسيتزايد مع جيل آلفا، وبيتا مستقبلاً خاصة مع انهيار مستويات سياسات التعليم، وتعدد الأنظمة التعليمية الأجنبية من المدارس إلى الجامعات في الأغلبية الساحقة من الدول العربية على اختلاف أنظمتها. الأخطر التحولات إلي عالم الذكاء الاصطناعي التوليدي ودوره في مجالات العمل ، وحلول الروبوتات في عالم مُتحول، وفائق السرعة ومؤثر علي الشرط الوجودي الإنساني .
المصدر: الأهرام






