
من المستغرب مشاهدة ما يجري بين حليفي الأمس، أوروبا والولايات المتّحدة، من صراع على خلفيّة قرار ترامب بوجوب ضمّ غرينلاند إلى السيادة الأميركية بمرجعية أكثر من حجّة. بل من المستغرب أن أوروبا لا تحرُّك ساكناً، حيث يكثرون الحديث ويلوّحون بهندسة أمن أوروبي مستقل عن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيناً، والتوجُّه إلى تحالف اقتصادي استراتيجي، بمعيّة كندا، مع الصين، وإقامة اتفاقيات مع الهند، مع أنّ ما يبدو، من خلال تحليلات استراتيجيين من الغرب، من أميركا بوجه خاص، تجمع كلُّها على أنّ الأمر يتعلّق بما يطلق عليه خروج أوروبا من حركية التاريخ.
تتحدّث المقالة عن حجج تتوجّه، كلُّها، الى ترجيح أنّ مكانة أوروبا في النظام الدُّولي إلى تبعية بدون أمن ولا قرار سيادي قد يكون من بين أسبابها المباشرة غياب سياسة دفاعية مشتركة، خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومسار الاقتصاد الألماني الصعب، ما يسرّع، حتماً، الى حركيّة تاريخيّة، لأول مرّة، بدون فاعل أوروبي، أيّا يكن شكله، بل قد تسرّع عملية ترامب لضمّ غرينلاند بما تبقّى من احتمال أن يكون لأوروبا دور ما، في المستقبل. ولعلّ ما يجري في الساحل من تجرُّؤ أفريقي على الوجود الفرنسي التاريخي الممتدّ الى كلّ غرب القارّة الأفريقية، جزء من ذلك الخروج من حركية التاريخ يحتاج إلى تحليل وفهم عميقين.
شاهد الجميع ذلك الإذلال الذي ظهرت عليه أوروبا، وهي تُعامَل معاملة التابع، عندما تعمّد ترامب إبراز سيميائية صورة زعماء أوروبا العجوز، وهم ينتظرون استقبال الرئيس الأميركي لهم، ليخبرهم بما اتّفق عليه مع الرئيس الروسي بوتين بشأن الحرب في أوكرانيا من دون أن يكون لأحد منهم رأي، حتّى من ظنّ نفسه قائداً للاتّحاد الأوروبي، المستشار الألماني، حيث منح لكلّ واحد منهم برهة للإدلاء بكلمة اتّفقوا فيها، جميعهم، على شكر ترامب على جهوده لإحلال السلام و اكتفوا، كلُّهم، بضمانات تكون أميركا قد منحتها لرئيس أوكرانيا زيلينسكي مقابل مرونته مع بوتين وقبوله بالتوافقات الجغرافية والضمانات الأمنية التي يعطيها هو لأوكرانيا وليس أوروبا.
يستدعي الموقف قراءة في تراجع أوروبا في حركية المنتظم الدُّولي، حيث، حقاً، يتراجع الدورُ الأوروبي، يوماً بعد يوم، على خلفية التفاعلات الصراعية الي يشهدها العالم، فمن فشل الأسلحة الفرنسية في الحرب الخاطفة بين الهند وباكستان إلى عدم استشارة الاتحاد الأوروبي، ولا الفاعلين الرئيسيين في أوروبا بشأن نيّات ترامب عقد صفقة لوقف الحرب بين أوكرانيا وروسيا، وصولا إلى قطع أيّة علاقة لأوروبا بصراع الشرق الأوسط، والإبقاء على خيوط إعادة تشكيل الإقليم لصالح الولايات المتّحدة ووكيلها الحصري، الكيان الصُّهيوني، دونما أي دور للأوروبيين، بل هناك تحييد لهم على كل الأصعدة بعد إبداء ترامب امتعاضه من كلّ ما هو أوروبي، بما يعني أنّ ثمّة إعلان ترامب والولايات المتحدة بخروج أوروبا من حركيّة التاريخ، بصفة كاملة وتامّة.
دخل بوتين إلى قلب الاتحاد الأوروبي، من خلال أعضاء أضحوا مناصرين له، على غرار المجر، مثلاً، وبعض الأعضاء التابعين لروسيا، طاقوياً، ولا يستغنون عن غازها أو نفطها
شكّلت عودة ترامب الى البيت الأبيض منعرجاً نحو خيارين بالنسبة لأوروبا: البقاء في التاريخ أو الخروج من حركيّته، وذلك كلّه بسبب التحدّيات التي على القادة الأوروبيين، منفردين وفي إطار منتديين يعملون من خلالهما، الاتحاد الأوروبي والمظّلة الأطلسية، العمل على رفعها، مضافاً إليها تهديد ترامب برفع التعرفات الجمركية، تهديده بضم جزيرة غرينلاند الدنماركية، وسعيه المنفرد إلى صلح مع بوتين وروسيا على حساب أوكرانيا.
كان الأمر منتظراً، للحقيقة، حيث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يكن لأوروبا كيان واستقلالية إلا في ظل الولايات المتحدة التي أمدّتها بالمال لتنهض، من جديد، من خلال مشروع مارشال، كما أنها ضمنت لها أمنها عبر حلف الناتو الذي كانت أميركا، ولا تزال، المموّلة الرئيسة لترسانته العسكرية، سواء في ظل التنافسية ثنائية القطبية، زمان الاتحاد السوفييتي، أو بعد انفراد أميركا بزعامة العالم في أعقاب انتهاء الحرب الباردة. وبعد عودة ترامب الى البيت الأبيض، ارتفعت وتيرة التحدّيات وأضحت وجودية إلى درجة أنّ محلّلين استراتيجيين كثيرين وضعوا على الطاولة خيارات أوروبا المحدودة التي لا تخرج عن حقائق ثلاث: إرادة البقاء في تبعية لأميركا، تبعيّة كاملة. التفكير في استراتيجية مبادرة بالتحدّي لأميركا ومحاولة الاستقلال بالمظلّة الأمنية الدّفاعية. وآخرها الخروج من حركية التاريخ، تماماً، والرضا بالتراجع في التصنيف العالمي، على كل الأصعدة.
في الحقيقة، بالعودة إلى تحليلات الاستراتيجيين، في أوروبا وفي أميركا، ستختار أوروبا الخيار الأوّل، لأنّ الاتحاد الأوروبي ليس في مقدوره بناء قدرات استراتيجية أمنية ودفاعية مستقلّة عن أميركا إضافة الى حدّة التنافس والخلافات داخل الاتحاد الأوروبي، نفسه، بعد خروج بريطانيا وترنُّح العملاق الألماني، اقتصادياً، وعدم قدرة فرنسا على التفرُّد بقيادة أي مشروع للاستقلالية الاستراتيجية. ولأنّ صعود ترامب إلى الرئاسة تزامن مع تنافسيّة حادّة بين ثلاثي كبير على هرمية النظام العالمي: أميركا والصين وروسيا، وبخاصة أن تلك التنافسية جاءت، أيضاً، على خلفيّة خسارة أوروبا رهانها على ترنُّح روسيا في أوكرانيا، وهو ما لم يحدث، بل دخل بوتين إلى قلب الاتحاد الأوروبي، من خلال أعضاء أضحوا مناصرين له، على غرار المجر، مثلاً، وبعض الأعضاء التابعين لروسيا، طاقوياً، ولا يستغنون عن غازها أو نفطها.
لا تمتلك أوروبا، زيادة على ذلك، بعد سقوطها في منطق القيادة الأميركية، في أثناء عهدة بايدن، بإقرارها حظر الطاقة الروسية، الاستقلالية الطاقوية، بل أصبحت في تبعية للغاز المسال الأميركي لتكون الولايات المتحدة قد استولت أو سيطرت على مداخل الاقتصاد الأوروبي ومخارجه، من خلال قرار ترامب إقرار رفعٍ للتعرفات الجمركية على السلع الأوروبية، ذلك أنّ التبعية الطاقوية أضحت كاملة لأميركا، ولا يمكن الخروج منها بالخيارين المذكورين على أيٍّ من المستويات، الطاقوي والأمني والدفاعي، ما يفاقم الوضع ويضع أوروبا، تماماً مثل ما كانت عليه غداة الحرب العالمية الثانية، أمام المحكّ، وأمام خيار واحد، الإذعان لأميركا، حتى بالنسبة لموضوعي أوكرانيا وغرينلاند.
من ناحية أخرى، أضحت أوروبا على الهامش، على مستوى الحركية التاريخية الابتكارية، خصوصاً في مجال الذكاء الاصطناعي الذي تحوّل الى قطاع حصري لأميركا والصين، وتعاني أوروبا فيه تأخّراً، بل بحثت، أخيراً، استراتيجية اللحاق بالركب الثنائي، الصيني- الأميركي، أو بناء استراتيجية بديلة خاصّة وأنّ التبعية، في هذا التخصُّص الدقيق، ليست جزئية بل كاملة، والتأخُّر لم يعد يحسب بالأعوام العادية، بل بالأعوام الضوئية، سيما وأنّ التداعيات كبيرة على عدة قطاعات دقيقة جداً منها الصناعة الدفاعية، وبعض الصناعات الإلكترونية التي لم يعد لأوروبا وجود في صناعتها على غرار الرقائق التي تدخل في صناعة السيارات.
على مستوى القرار الدُّولي، لم يعد لأوروبا كلمة حتى في مصير قارّتها وعلى مقربة من فضائها الجيوسياسي
هناك قطاع آخر تعاني فيه أوروبا تأخُّراً كبيراً، وهو قطاع الصحّة الذي أضحت تعتمد فيه على خرّيجي الطب، مثلاً، من عديد البلدان من خارج الفضاء الأوروبي، وتتناقض فيه التوجُّهات السياسية الشعبوية لليمين المتطرّّف المعادي للهجرة مع تلك الاحتياجات التي لم تصبح ضرورية، بل حيوية ووجودية، بل هناك عبارة أصبحت تُستخدم لوصف هذه التبعية للأيادي العاملة الخارجية، وهي “التصحُّر الصحّي”، حيث يمثّل حضور الأجانب في القطاع الصحّي الأوروبي قرابة 70%، ولا يمكن معه الاستغناء عن تلك الأيادي العاملة، وهو ما أظهرتْه، رمزياً، بعض الومضات الإشهارية للانتخابات الألمانية أخيراً، حيث عبّرت عن فراغ المستشفيات الألمانية من العمالة (طب وتمريض)، إذا جرى تطبيق برنامج الطرد للأجانب من ألمانيا، كما تريده الجهات اليمينية التي، للمفارقة، بالرغم من كل الزخم الانتخابي والشعارات، إضافة الى مساعدة إيلون ماسك، ذراع ترامب اليمنى في سياساته المناكفة لأوروبا، إلا أنها لم تفز، ولكنها حققت تقدُّما معتبراً في البرلمان الألماني (البوندستاغ).
على مستوى القرار الدولي، لم يعد لأوروبا كلمة حتى في مصير قارّتها وعلى مقربة من فضائها الحيوسياسي، كما لم يكن لها كلمة في انهاء نزاع أوروبا الوسطى، في يوغسلافيا السابقة، في تسعينيات القرن الماضي، فهي تقف الموقف نفسه، اليوم، في حرب أوكرانيا، حيث أضحى حل الحرب في أيادي الثنائي بوتين- ترامب، وقد يقرّ السلام، وتنتهي الحرب من دون حتى حضور الأوروبيين، وعلى حساب المبادئ التي، زعماً، دافَعوا عنها، أي من دون استرجاع الأراضي التي اقتطعها الروس من أوكرانيا ومن دون، طبعاً، الحصول على غنيمة الحرب، أي جزء من موارد أوكرانيا المعدنية، خصوصاً النادرة منها التي يكون ترامب قد استحوذ عليها، عنوة، وعلى الرغم من الإرادة التي حاول زيلينسكي، الرئيس الأوكراني، الظهور بها في عراكه الدبلوماسي، في البيت الأبيض، قبل أيام.
هناك صراع آخر تستفرد به أميركا، وهو صراع الشرق الأوسط و لكن، هذه المرّة، بالرغم من انحياز الأوروبيين للكيان الصهيوني، تأييداً ومساندة، طوال عامين من الحرب ضدّ العزّل في غزّة، بل وظهور مبدأ الكيل بمكيالين والتعامل مع الضحايا الفلسطينيين تعاملاً غير إنساني، في تناقضٍ تام مع الادّعاءات المعياريـة والأخلاقية الأوروبية، بل وتجاوزات الأوروبيين في حقّ الجاليات المهاجرة التي تساند الحق الفلسطيني، من منع للمظاهرات، سحل للمتظاهرين وسجن بعضهم، ضافة الى منع السجال الإعلامي في القنوات الأوروبية لإبراز الحق الفلسطيني، ما يعد اعتداءً على الحرية وكذباً أخلاقياً تردّت بهما أوروبا على المستويين، الحضاري والإنساني.
الاتّحاد الأوروبي ليس في مقدوره بناء قدرات استراتيجية أمنية ودفاعية مستقلّة عن أميركا
لا يمكن إنهاء المقالة، في الحديث عن خروج أوروبا من حركية التاريخ، من دون التعريج على صعود اليمين المتطرّف وتطرُّف الحياة السياسية في أوروبا، برُمّتها، ما يشكّل، من ناحية، خطراً حقيقياً على النسيج الاجتماعي، وعلى صورة الفضاء الأوروبي، في العالم، وهو ما سمح لماسك، مثلا، من ناحية أخرى، باللعب على تلك الأوتار للتلاعُب بالانتخابات، من خلال شبكته X التي أضحت مرتعاً للأيديولوجيات اليمينية التي قد تعصف بأكثر من بلد، حيث بدأت بألمانيا، انتقلت إلى بريطانيا، وستحلّ، في أفق رئاسيات 2027، في فرنسا التي تعتبر فضاءً أكثر من جاهز للتّدخُّل الأميركي في إيصال اليمين المتطرّف إلى قصر الإليزيه.
تعتبر تلك المواقف، في الحقيقة، منعرجات تُبرز التراجع في المكانة بالنسبة لأوروبا وصفه بعضهم، في الإعلام الأوروبي، بالذّات، بالخروج من حركيّة التاريخ، لأنّ مجلس الأمن، الذي توجد فيه أوروبا بمقعدين دائمين، فرنسا وبريطانيا، أضحى مجلساً ثلاثياً روسياً أميركياً وصينياً، كما أنّ الاتّحاد الاندماجي، تلك المؤسّسة التي عوّل عليها الأوروبيون للعب من دون مركز الثقل على المستوى العالمي، على الأقل اقتصادياً، أصبح غير متوازن، إمّا بمحوريّة الدور الألماني المتزايد أو الترنُّح الفرنسي، خصوصاً في عهدتي ماكرون، وصولا إلى التفاعل الأوروبي، على المستويات كافة، حيث لم يصبح للقارّة العجوز كلمة، على المستوى العالمي، على خلفية صعود فاعلين كبار آخرين في مجموعة العشرين، إلى جانب الهند وقارّة المستقبل، القارّة الأفريقية. … تلك هي أوروبا التي ستتذوّق معنى الخروج من حركية التاريخ الذي أذاقته لكثيرين، في العالم، قروناً، ولكن، هذه المرّة، ليس من ضحايا الأمس، وإن جزئياً، بل من منافسيهم، من الحضارة الغربية نفسها، ومن الجانب الذي كان صموئيل هنتغنتون تنبّأ بأنّه سيكون من الفاعلين، ضدّ الغرب، في الصراع الحضاري.
كان لجاك أتالي، مستشار الرئيس الفرنسي الراحل اليساري، ميتيران، كتابه “تاريخ المستقبل”، عدّد فيه، بمقاربة رائعة، انتقال نقاط الثقل الاستراتيجية والاقتصادية العالمية، منذ القرون الوسطى، وكان قد وضع فيه أوروبا خارج الخريطة باستشرافه أنّ نقاط الثقل المستقبلية، عالمياً، على الأصعدة كافة، ستكون بعيداً عن أوروبا، وها هي نبوءته تتحقّق، وعلى أيادي ثلاثي، يتكوّن من أبناء المهاجرين الأيرلنديين إلى القارّة الجديدة، أميركا، وعلى أيدي أحفاد القياصرة وبعيداً، هناك في أقصى الشرق، من بكين.
المصدر: العربي الجديد






