
“إسرائيل تتابع عن قرب ما يحصل في إيران، وقد دانت المجازر الجماعية بحقّ المدنيين الأبرياء التي يرتكبها النظام… ونحن ندعم نضال المتظاهرين من أجل الحرية… وشعب إسرائيل معجب بالبطولة الاستثنائية للمواطنين الإيرانيين”. هذا كلام على لسان نتنياهو عن المتظاهرين الإيرانيين. وزميله الأميركي دونالد ترامب لا يقلّ بلاغة. وجّه خطاباً إليهم: “أيها الوطنيون الإيرانيون، واصلوا الاحتجاجات واستولوا على مؤسّساتكم! احفظوا أسماء القتلة والمسيئين، سيدفعون الثمن باهظاً. أنا ألغيتُ جميع الاجتماعات مع المسؤولين الإيرانيين، إلى أن يتوقّف القتل العبثي للمتظاهرين. المساعدة في طريقها إليكم… اجعلوا إيران عظيمة من جديد”.
ممَّن تصدر قصائد الغزل هذه بحقّ الإيرانيين؟ من الإسرائيلي الذي يبيد الشعب الفلسطيني، يسرق أرضه، يهدم مخيماته، يمنع عن منكوبِيه المساعدات، ويفعل كل ما يلزم ليجهض خطة زميله الأميركي، التي تتسم أصلاً بثغرات يمكن له من خلالها هدم الوجود الفلسطيني في القطاع ثم في الضفة؟ أما هذا الزميل الأميركي، فلا يغادر مكان التسلّط لحظة. يتصرّف كالموعود بسلطة دائمة، يمرّر الإشاعات، التي ستصبح واقعاً، بأنه سيجدّد الرئاسة لنفسه، وأنه سيلغي الانتخابات الفرعية المحدّدة بعد أربعة أشهر، التي من المتوقّع أن يسقط حزبه فيها. يصدر المراسيم التنفيذية تلو الأخرى، يلتفّ على المحاكم والقضاة والإدارات الرسمية، ويضع الإعلام في خدمته المطلقة. يضطهد جماعات بأكملها، عِرقية وإثنية وجنسية، وحتى المدن التي تصوّت للحزب الديمقراطي ويعتبرها “عدوة”.
ينشر “ICE” (مسلحو “إدارة الهجرة” ومقنّعوها في الولايات المتحدة)، بين المواطنين في المدن المؤيّدة لخصمه، الحزب الديمقراطي. لا يشبه سلوك “ICE” هذا غير ما يفلته “القمصان السود” على مدننا، فيقتل بلا أيّ محاسبة، بل يؤاخذ ترامب المقتول على “عدم احترامه عملاء ICE”. وجديد جرائمه المقتلة بحقّ مواطني مدينة مينيابوليس. أما النظام الإيراني، فلا يختلف: القتلى في مشارح طهران تفيض بأكياس بلاستيك، وبالأهالي الباحثين عن جثث أبنائهم، وباللوعة التي يصابون بها عندما يتعرّفون إليها (يُقدَّر عدد القتلى بخمسة آلاف). فقتل المحتجّين في إيران وإعدامهم ممارسة “قانونية” عادية، والقمع الشديد من سماته، وليست هذه المرّات الأولى، ففي جميع انتفاضات الشعب الإيراني، كان يُقتل بالرصاص الحي، ويقرّر إعدام محرّكيها، فيما تعجّ سجونه بالمعذّبين والمشوَّهين.
تجمع نتنياهو وترامب وخامنئي كلمةٌ واحدة يسدّدونها إلى أعدائهم: “الإرهاب”
أما أذرع إيران الخارجية، المموَّلة والمدرَّبة والمؤتمِرة بها، فهي أيضاً تقتل وتسجن وتقمع حتى أقرب الناس إليها، باسم تحرير القدس وفلسطين. نتنياهو يلصق مفردة الإرهاب بالفلسطينيين، وترامب بسكّان مدينة مينيابوليس الشهيدة، وحكّام إيران بالمتظاهرين المطالبين بالحرية والكرامة. “الإرهاب” كلمة العصر، تصف حامليها، تشرح نياتهم، وترسم خططهم وتحالفاتهم. أما “الإرهابيون”، فخليط عجيب من الأبرياء وأنصاف الأبرياء والمجرمين غير المتمرّسين.
والأفدح أن ترامب، ومعه نتنياهو، مستعدّان لأن يوقفا كل تهديداتهما لإيران إذا توقّفت هذه الأخيرة، ليس عن قتل المتظاهرين كما يزعم في خطابه إليهم، وإنما إذا تخلّصت من نقاط قوتها الثلاث: اليورانيوم المخصّب (النووي)، والصواريخ البالستية، وأذرعها الإقليمية (حزب الله، الحوثيين، وبعض الفصائل العراقية مثل كتائب حزب الله، عصائب أهل الحق، النجباء… إلخ). وطبعاً أن تغيّر قائدها، أو مرشدها الأعلى علي خامنئي. وادّعاء ترامب أنه سوف يتراجع عن الضربة في حال توقّفت السلطة الإيرانية عن قتل المتظاهرين ليس سوى واجهة كاذبة، كما هي عادته، و”تربيح جميلة” للإيرانيين.
تفتقد المعارضة الإيرانية التي يفترض أن نقود التظاهرات أدنى درجات التفاهم
فما يريده المتظاهرون مختلف. خرجوا إلى الشارع في نهاية الشهر الماضي (ديسمبر/ كانون الأول) بعدما انهارت العملة الإيرانية وبلغت 1.42 دولار مقابل الريال الواحد. السلطة الإيرانية أقالت محافظ البنك المركزي بعد ذلك، لكنّها لم تُوفَّق في إخماد الغضب الشعبي.
الجديد في هذه التظاهرات، وما يميّزها عن الانتفاضات السابقة (2009، 2019، 2022)، أنها تضم الطبقات الاجتماعية كلّها. وهي رغم اندلاعها لأسباب اقتصادية تلخّص في الواقع ما يجمعها بما سبقها. غالبية الشعارات المطروحة تطمح إلى فصل الدين عن الدولة، أي نزع صفة المُقدَّس عن حكم الملالي، وإلى تطبيع علاقتها بالعالم الخارجي، وإلى نيل الحريات العامة، وطبعاً تتطلّع إلى الازدهار الاقتصادي. ولكن المعارضة التي يفترض بها أن تقود هذه التظاهرات أو توصلها إلى برّ الأمان تفتقد أدنى درجات التفاهم في ما بينها، قبل الشروع في الالتزام ببرنامج أو خطة. المحلّلون الإيرانيون يصنّفونها في فئات مختلفة: الأولى (وربما الأقوى) هي المعارضة ذات الطابع الإثني القائمة على وحدة الأصل؛ مثل البلوش، والأكراد، والعرب (خوزستان)، والأذريين. ثم المنظمات القومية، أبرزها الجبهة الوطنية الإيرانية، والمنظمات اليسارية، أي حزب توده الشيوعي، و”فدائيي خلق”، وحزب العمال الشيوعي الإيراني، فضلاً عن “مجاهدي خلق”. وهذه المنظمة الأخيرة خسرت كثيراً من رصيدها بعدما وقفت مع العراق في حربه مع إيران في ثمانينيّات القرن الماضي. وأخيراً، المنظمات المَلكية التي ذاع زعيمها رضا بهلوي صوتاً وصورةً في الخارج، واستطاعت أن تفرض على جزء من المتظاهرين مطلب عودته وعودة النظام الشاهنشاهي ليحكم إيران من جديد. هي أقوى تنظيماً في الدياسبورا (المنفى)، ولها أسماء مختلفة مثل: حزب التيار الملكي المركزي، حزب الدستور الإيراني، التجمّعات الملكية في المهجر، تيار “النوستالجيا البهلوية”، وجماعات أصغر منها… يجمعها تأييدها المطلق لوريث الشاه الراحل.
هل يفعلها ترامب ويكرّر سيناريو فنزويلا، فيزرع الفوضى والاقتتال في إيران؟ أم يكرّر جزءاً من سيناريو باراك أوباما، الذي رسم خطوطاً حمراء وتراجع عنها
حصلت عدة محاولات خارج إيران لتوحيد المعارضة، بشخصيات ومنظمات، لكنّها لم تُفلح. بل سيطرت عليها إرادة رضا بهلوي بتزعّمها، ممّا شتّتها وأعادها إلى المربع الأول. وإذا لاحظت أعلاماً إسرائيلية مرفوعة في تظاهرات الإيرانيين في الخارج (وربما في الداخل)، فسوف تتأكّد من وجود مؤيّدي الشاه في قلب المعارضة الإيرانية، على الأقلّ المعارضة في الدياسبورا. وأكثر النقاط بياناً بالنسبة إلى رضا بهلوي هي تغزّله بترامب، ورفض ترامب استقباله، أي الاعتراف به، كما يعترف بالذين يعجبونه من وجوه مُعارِضة أو موالية لأنظمة بلادهم. والأهم علاقته بإسرائيل، وتمويل هذه الأخيرة لحملات إلكترونية مؤيّدة له (حسب صحيفة هآرتس)، وزيارة قام بها إلى إسرائيل (2023) استقبلته خلالها نائبة الليكود، جيلا غمليئيل، بحفاوة بالغة، تأكّد خلالها “أنه لا يوجد أيُّ دليل على عداء بين الشعبين الإسرائيلي والإيراني، ولكن فقط بين الحكومة الإسرائيلية ونظام طهران”.
يبقى البازار، أي تجار إيران، أصحاب مكان التبادل والبيع والشراء كما تشي به الكلمة، وقد لعبوا دوراً حيوياً وحاسماً عشية الثورة الإسلامية (1978 – 1979)، عندما كان البازار مركزاً للاقتصاد، يدير المعاملات بالجملة والمفرّق، مستقلّاً اقتصادياً، يعتمد على الشبكات الخاصة لا على الدولة، يقيم التحالفات “العضوية” مع الملالي، يمنحهم الشرعية ويبني الحوزات والمساجد، ويقف معهم ضد الدولة. أما اليوم، فالبازار خارج عن الخدمة والتأثير. الملالي أصبحوا هم الدولة، والحرس الثوري هو الذي يدير الاقتصاد ويخطط للمشاريع وينفّذها. جزءٌ من تجّار البازار، وهم الأغنى والأكثر محافظة، قريب من الحرس الثوري ومشترك في صفقاته، فيما الجزء الآخر، الغالب، أضحى فقيراً ومهمّشاً. وقد تلقّى ضربات العقوبات الاقتصادية وتأثر بانخفاض الريال كغيره من المواطنين، ففقد استقلاليةً كان يتمتّع بها عشية الثورة الإسلامية، ولم يعد يعوَّل عليه بشيء.
ماذا ينتظر الإيرانيين في زوايا طريقهم؟ أي مفاجآت؟ هل يفعلها ترامب ويكرّر سيناريو فنزويلا، فيزرع الفوضى والاقتتال في إيران؟ أم يكرّر جزءاً من سيناريو باراك أوباما، الذي رسم خطوطاً حمراء وتراجع عنها؟ هل يجد وقتاً كافياً لينكبّ في آن واحد ويضع عينه على إيران وغرينلاند وغزّة بـ”نقطتها الثانية” من مشروعه الخنفُشاري؟ ويضيف إليها وسواسه الكندي الذي بدأت تباشيره تظهر منذ يومَين؟ ويسأل بعد ذلك عن جائزة نوبل للسلام؟
المصدر: العربي الجديد






