
في المراحل المفصلية من تاريخ الدول، لا تُقاس القرارات الكبرى بما تحققه من مكاسب آنية، بل بقدرتها على إعادة بناء المعنى السياسي للدولة. ووحدة سوريا تندرج اليوم في هذا السياق، بوصفها خيارًا استراتيجيًا يعيد الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة، لا باعتبارها نفيًا للتنوع، بل إطارًا حاميًا له، وقادرًا على تحويل التجربة القاسية التي مرّ بها السوريون إلى فرصة لإعادة التأسيس على أسس أكثر صلابة وعدالة.
لقد أثبتت سنوات الصراع أن غياب الدولة الواحدة لا يخلق توازنًا بين المكوّنات، بل يفتح المجال أمام وقائع متنافسة، تُدار غالبًا خارج منطق المواطنة والقانون. فكلما تراجعت فكرة الدولة الجامعة، تقدّمت الهويات الفرعية بوصفها بدائل اضطرارية، لا بوصفها خيارات مستقرة، وهو ما جعل كثيرًا من السوريين، على اختلاف انتماءاتهم، يدركون أن وحدة البلاد ليست شعارًا سياسيًا، بل شرطًا للأمان والاستقرار.
إن استعادة وحدة سوريا لا تعني العودة إلى نماذج حكم مغلقة أو مركزية مفرطة، ولا تعني اختزال الدولة في سلطة، بل تعني إعادة بناء المرجعية الوطنية التي تضمن الحقوق وتوزّع الواجبات على أساس المواطنة المتساوية. فالدولة القوية لا تُقاس بقدرتها على فرض السيطرة فحسب، بل بقدرتها على تحويل السيطرة إلى نظام قانوني عادل يشعر الجميع في ظله أنهم شركاء في الدولة، لا أطراف على هامشها.
يُعدّ مفهوم المواطنة حجر الزاوية في أي مشروع وطني جامع؛ فالمواطنة لا تُختزل في الانتماء القومي أو الديني، بل تقوم على المساواة أمام القانون.
ومن هذا المنطلق، يصبح الحديث عن وحدة البلاد حديثًا عن الحقوق بقدر ما هو حديث عن السيادة؛ لأن أي وحدة لا تستند إلى الاعتراف بالتنوع الثقافي والاجتماعي والسياسي، ولا تحمي الخصوصيات ضمن إطار وطني جامع، تبقى وحدة شكلية قابلة للاهتزاز. في حين الوحدة المستدامة هي تلك التي تجعل من الانتماءات المختلفة مصدر غنى وطمأنينة، لا سبب خوف أو صراع.
لقد أظهرت التجربة السورية أن تراجع حضور الدولة في بعض المناطق لم يؤدِّ تلقائيًا إلى تعزيز الحقوق، بل أنتج في كثير من الأحيان سلطات أمر واقع، متفاوتة في تمثيلها وممارساتها، وخلّف شعورًا بالقلق لدى مكوّنات أخرى تخشى أن يتحول الانقسام المؤقت إلى مسار دائم. ومن هنا، فإن استعادة وحدة الإطار السياسي ليست نقيضًا للحقوق، بل مدخلًا لإعادة تنظيمها وضمانها ضمن معايير وطنية واحدة.
ويُعدّ مفهوم المواطنة حجر الزاوية في أي مشروع وطني جامع؛ فالمواطنة لا تُختزل في الانتماء القومي أو الديني، بل تقوم على المساواة أمام القانون، وعلى الحق في المشاركة السياسية، وعلى الاعتراف بالخصوصيات الثقافية ضمن الدولة الواحدة. وهذه المبادئ لا يمكن أن تُصان في ظل خرائط متداخلة أو سلطات متعددة، بل تحتاج إلى دولة واحدة قادرة على التشريع والحماية والمساءلة.
وفي هذا السياق، تكتسب المقاربة الهادئة لمسألة التنوع القومي والثقافي أهميتها، ولا سيما فيما يتعلق بالمكوّن الكردي؛ إذ إن تعزيز الشعور بالشراكة الوطنية لا يتحقق عبر الشعارات، بل عبر خطوات قانونية ومؤسساتية واضحة. ومن هنا جاء المرسوم الرئاسي رقم (13)، الصادر قبل أيام، ليحمل دلالة سياسية إيجابية، تعكس توجهًا رسميًا نحو مقاربة ملف المكوّن الكردي ضمن إطار الدولة والمواطنة، لا من خارجها، وبمنطق الاعتراف والاحتواء، لا الإقصاء أو التهميش.
إن أهمية هذا المرسوم لا تكمن فقط في مضمونه، بل في رسالته السياسية، التي تؤكد أن الدولة السورية، وهي تعيد ترتيب شؤونها الوطنية، تنظر إلى جميع مكوّناتها بوصفهم شركاء متساوين في الحقوق والواجبات، وأن أي معالجة لمسألة بعينها لا تأتي على حساب مكوّنات أخرى، بل تندرج في سياق وطني أشمل، يهدف إلى تعزيز الثقة العامة، وترسيخ فكرة أن العدالة لا تتجزأ، وأن الاعتراف بحقوق مكوّن ما هو تعزيز لمنظومة المواطنة كلها، لا استثناءً داخلها.
وفي الوقت ذاته، فإن بقية المكوّنات السورية، التي عانت من الخوف من التفكك أو التقسيم، تجد في هذا المسار ما يطمئنها إلى أن استعادة وحدة الدولة تعني نهاية منطق الفوضى وبداية انتظام سياسي، يعيد للدولة دورها بوصفها الحَكَم الضامن للتوازن، لا طرفًا في صراع الهويات، وهو ما يمنح وحدة البلاد بعدها الجامع، ويُخرجها من دائرة الشك والريبة.
إن سوريا الموحَّدة ليست مجرد خريطة جغرافية سياسية، بل مشروع دولة حديثة، تتسع لكل أبنائها، وتحمي حقوقهم دون تمييز، وتعيد لهم الثقة بأن الانتماء الوطني هو الضمانة الأعلى.
إقليميًا، لا يمكن فصل وحدة سوريا عن استقرار محيطها؛ فالدول المتماسكة تشكّل عنصر استقرار، بينما الكيانات الهشة تولّد قلقًا دائمًا، وتفتح المجال أمام صراعات بالوكالة. وسوريا الموحَّدة، التي تدير تنوعها داخليًا ضمن إطار وطني، تمثّل مصلحة مشتركة لدول المنطقة، لأنها تقلّص دوافع التدخل، وتحدّ من انتقال الأزمات عبر الحدود، وتعيد الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية في منطقة أنهكتها الصراعات.
أما دوليًا، فقد أثبتت التجربة أن المجتمع الدولي، مهما اختلفت مواقفه، يفضّل التعامل مع دولة واحدة ذات قرار موحّد، قادرة على الالتزام وتحمل المسؤولية؛ فالتعدد غير المنظّم لا يعزّز فرص الحل، بل يربكها، ويحوّل القضايا الوطنية إلى ملفات مفتوحة بلا أفق.
غير أن نجاح مشروع سوريا الموحَّدة يبقى مرهونًا بالقدرة على تحويل هذا المفهوم إلى ممارسة سياسية، تقوم على توسيع المشاركة، وتعزيز الإدارة المحلية، واحترام الخصوصيات الثقافية، ضمن إطار الدستور والقانون. فالوحدة الحقيقية لا تُفرض بالقوة وحدها، ولا تُصان بالشعارات، بل تُبنى بعقد اجتماعي جديد يشعر الجميع أنهم جزء أصيل منه.
في المحصلة، فإن سوريا الموحَّدة ليست مجرد خريطة جغرافية سياسية، بل مشروع دولة حديثة، تتسع لكل أبنائها، وتحمي حقوقهم من دون تمييز، وتعيد لهم الثقة بأن الانتماء الوطني هو الضمانة الأعلى، وأن وحدة البلاد ليست نهاية السياسة، بل بدايتها الحقيقية، ومصلحة سورية عليا، وإقليمية بامتياز، قادرة على جمع السوريين لا تقسيمهم، وعلى فتح باب الاستقرار بعد سنوات طويلة من الانقسام.
المصدر: تلفزيون سوريا


