
في مرايا التاريخ مشاهد كثيرة ذات ملامح متشابهة حدّ التطابق أحياناً، رغم التفاوت الزماني أو المكاني أو الزمكاني. بين السودان وإيران تشابهٌ يراوح بين التماثل والتطابق. تلك حالة تمتد عبر مساحة زمنية تتقارب فيها تضاريس الجغرافيا السياسية في غالبية منحنياتها صعوداً وهبوطاً، بل ربما حد إعادة إنتاجاتها ونتائجها. ليس التطابق وقفاً على النظام الثيوقراطي فحسب، بل في ثنيات الصراعات داخل النظام، أو بينه وبين القوى في الخارج، بما في ذلك محيط الجوار. في الحالتين، يرتبك الخارج تجاه كيفية التعامل مع النظام لجهة إصلاحه أو الذهاب لجهة تصفيته. لعل هذا بندٌ شائكٌ على أجندة ترامب الشرق أوسطية حاليّاً. ثمة قناعة في أروقة صناعة القرار الدولية ترجّح إنجاز الإصلاح بواسطة قوى الداخل على فرضه من الخارج. توجد هذه القناعة كذلك لدى تياراتٍ في مجتمعاتها. ربما تقف التجربة الأميركية في العراق شاهداً شاخصاً في تلك الأروقة وعند تلك التيارات.
***
رغم بروز النظامين في طهران والخرطوم على ضفتي الشيعة والسنة على نهر الإسلام، إلا أنهما يلتقيان في مرايا التاريخ. كلاهما يتدثران بما يوصّفه الأدب السياسي بالثيوقراطية. منطلقات النظامين وغاياتهما محاولة جعل الإسلام المحرّك الرئيسي والموجّه للدولة. يؤكّد الواقع انخراطهما في قمع كل محاولةٍ لممارسة الديمقراطية أكثر من إزالة الحواجز بين الدين والسياسة. تعكس مرايا التاريخ تشابهما في محاربة خصوم توجهاتهما، بما يتاح لهما من الوسائط بلا استثناء. بغية احتكار السلطة، ذهب زبانيتهما إلى صنوف إقصاء الخصوم السياسيين بالكبت، السجن، الترهيب، الترغيب، التعذيب، التجريف، الإقصاء. ولكن كل ذلك التوحش لم يحقق مخطّطات النظامين، إذ لم تجر تصفية المعارضة. ربما سكن الصوت المقاوم فترة لكنه لم يخمد. ربما انكسر حراك المعارضة، غير أنه لم يفقد استرداد القدرة على الحركة.
***
تحتفظ مرايا التاريخ بمشاهد باهرة تصاعدت إبّانها موجات الجيشان الشعبي، في وجه آليات قمع النظامين. صحيحٌ أن المعارضة في كل من السودان وإيران تحمّلت خسائر فادحة طوال نضالها من أجل إصلاح حال الشعب. ربما اضطرّت شرائح منها إلى تقديم تنازلات تحت الإملاء أو الإغراء، لكن جذوة المعارضة ظلت متقدة، فهناك تياراتٌ رفضت تقديم تنازلاتٍ مهما تعاظمت الضغوط.
الرئيس في إيران أشبه برئيس الوزراء في المنظومة الجمهورية، فهو محدود الصلاحيات تحت طبقات عليا؛ مجلس الخبراء، مجلس تشخيص النظام، مجلس صيانة الدستور ثم مؤسسة المرشد
لم يستوعب النظامان، من خلال التجربة والممارسة في مواجهة الداخل والخارج، الفرز بين مفهومي الأمن والسلام، فالأول قائم على موازين القوى، وهذه بالطبع راجحة في كفتي النظامين على الصعيد الداخلي. أما الثاني فركائزه الاستقرار القائم على أرضية العدالة. كذلك أخفق النظامان في قراءة تشابك الداخل مع الخارج، ثم بناء علاقات معه. تلك نتيجة حتمية لتخشُب أعصاب الدولة وتصلُّب شرايينها.
***
دفع هذا الإخفاق المزدوج النظاميْن إلى مراكمة معضلات بنيوية، زادت من حجمها المعالجات السياسية والاقتصادية الخاطئة. تعرّضت القاعدة الاقتصادية إلى التفتت والبنى التحتية للتآكل. لم تُصب العائدات البترولية في البلدين لمصلحة تحقيق تنمية حقيقية ينعم بها المواطنون. تحت مظلتي النظامين، كما تعكس مرايا التاريخ، زادت ثروات الأغنياء من أهل السلطة، بينما اتسعت دائرة الفقراء. الشعبان في السودان وإيران يكابدان ارتفاع كلفة المعيشة ومعدلات البطالة. واقعٌ دفع الشباب إلى الهجرة في منافي الدنيا. دفع هؤلاء ضريبة باهظة من أعمارهم (موتاً أو انتظاراً) في أتون حروب النظام مع الداخل أو الخارج. للأسباب نفسها، أكثر من غيرها اتسع حضور المرأة على مراقي هرم الحياة عدداً أو تأثيراً. في السودان تسلق نفوذها المؤسّسة العسكرية.
***
في مرايا التاريخ، ظل النظامان يكابدان صراعات داخل بئتيهما. ولكن فوارق شاسعة توجد بينهما، تفرزها تركيبتاهما، ففي إيران يخرج رجال الدين من عباءاتهم التقليدية ليشغلوا المناصب السياسية. في السودان، يتجمّل الساسة بلقب “شيخ” في محاولة التمظهر في دور رجل الدين. رغم الإنعام بهذا اللقب أو انتزاعه من قياديين، إلا أنه لم يعرف عنهم ما يوازي هيبة اللقب في الإرث الصوفي. مع ذلك، لا أحد ممن شغل رئاسة أجهزة الأمن والشرطة حصل على هذا “الشرف”. الإرث الصوفي نفسه يُحرّمه على هؤلاء نتيجة فعائلهم. هي أفعال تنافي الدين والأخلاق والأعراف.
ظل الصراع في الخرطوم على مستوى الشخصيات، بينما اتخذ في طهران طابع التنازع بين المؤسّسات
في إيران توجد مرجعية مركزية عليا للنظام ذات أُطر قدسية. في النظام السوداني، تعرّضت المرجعية للاستهداف حد العزل، من دون محاولة الاستعاضة عنها. منح ذلك الفراغ الرئيس فرص الاستفراد بالقرار. الرئيس في إيران أشبه برئيس الوزراء في المنظومة الجمهورية، فهو محدود الصلاحيات تحت طبقات عليا؛ مجلس الخبراء، مجلس تشخيص النظام، مجلس صيانة الدستور ثم مؤسسة المرشد.
***
توضح مرايا التاريخ تشابهاً في قسمات الصراعات داخل النظامين. ظل الصراع في الخرطوم على مستوى الشخصيات، بينما اتخذ في طهران طابع التنازع بين المؤسّسات. في العاصمتين، ظل الصراع بين الإرادات تجاه إدارة الصراع، ليس تجاه ادارة الدولة. للتيار الاصلاحي الإيراني يدٌ في نقل الصراع من القيادات إلى المؤسسات. في الحالتين، لم يستطع أيٌ من النظامين بناء علاقات بناءة ثابتة مع القوى السياسية والمدنية داخل المجتمع، كما بناء جسور تواصل راسخة مع الخارج. على الصعيد الداخلي، المعضلة في سوء فهم مركّب للعلاقة بين الدولة والمواطن، بحيث تبدو المسافة واضحة بقدر ما هي شاسعة بين السلطة والتسلط. في التعامل الدولي، لم يستوعب النظامان من غير الممكن بناء شبكة ثقة متينة مع تزامن الحديث بلسانين، فالسياسة الخارجية تعبير عن السياسة الداخلية.
***
تبيّن مرايا التاريخ، في وضوح، تعمّق أزمات النظامين. تربك هذه الصورة المهشّمة سيناريوهات الخارج، ففي داخل السودان، كما في إيران، لا توجد قوى جاهزة تصبح بديلا مقنعا لاخراج الشعبين من مأزقهما المركب. لذلك يبدو ترامب أقرب إلى التريث من الإقدام على مغامرة غير محسوبة تجاه إيران أولاً، فهو يراوح بين الرهان على الانفجار من الداخل أو تفجير الأرض تحت أقدام النظامين. على أي الخيارين ارتكز، فإنه يبقى أسير المصالح الأميركية. إحدى مشكلات ترامب أن ليس بين أركان إدارته شخصية تتمتع بخلفية ذات ثقل فكري أو أكاديمي على وزن هنري كيسنجر، زبغنيو بريجنسكي أو حتى جيمس بيكر وكوندوليزا رايس. هذا الضعف الفكري وفي الدربة السياسية يجعل أميركا برمتها رهينة لمغامرات ترامب الذاتية.
المصدر: العربي الجديد






