
لِمَ كل هذه العَجَلة؟ هذه الجبهات المفتوحة كلّها، البعيدة والقريبة؟ لا شيء يثني ترامب عن سرعة تحقيق أهدافه. يقولها صراحةً، بعد غارته على فنزويلا: إنه شخصياً (لا القانون الدولي، ولا الاتفاقات الدولية) هو الحَكَم. “لا أحتاج إلى القانون الدولي. أنا حرّ بالمطلق في استخدام قدراتي العسكرية والاقتصادية من أجل فرض التفوّق الأميركي. المواثيق الدولية؟ الأخلاق؟ لا أخلاق سوى أخلاقي أنا”.
وعندما جمع أصحاب شركات النفط ليقول لهم: هيا! استعجلوا وابدأوا بالاستثمار في فنزويلا، بعد يومين على خطفه رئيسها وزوجته… ويطمئنهم بأنه لن يُغير ثانيةً على هذا البلد، الذي أصبح “آمناً للاستثمارات النفطية”… ويقرّر أن هذه الاستثمارات ستتجاوز المائة مليون دولار؛ ماذا كانت ردّة فعل أصحاب هذه الشركات؟… الشك، الحذر، التباطؤ، عدم الرغبة في العمل في فنزويلا “التي تواجه عدّة تحدّيات”. وبعضهم طالب، خارج الجلسات العلنية، بنوع من الضمانات المالية قبل اتخاذ القرار بالدخول في ما وصفوها “المغامرة الفنزويلية”. وكان أكثرهم صراحةً رئيس شركة إكسون موبيل، دارين وودز.
وغضب ترامب من هذا الرجل، ومن زملائه أصحاب الشركات، على عدم استعجالهم، وراح يتذكّر أيام العزّ عندما كان يفاوض من أجل النيل من ملكيات المفلسين، ويعقد معهم صفقات مربحة بسرعة البرق، ويجترّ تلك التعويذة التي تأكل لياليه: أن الروس والصينيين ينافسونه أينما كان على المعادن الثمينة، وأن الصينيين يتقدّمون في “طرق الحرير”، والروس يُضيّقون على الغاز الأوروبي… وأن عليه أن “يضرب الحديد وهو حامٍ” قبل أن تتحقّق أرباح الاثنين.
وراح ينوح على عالم تتشكّل فيه نواة تعدّد الأقطاب، وفي الجبهات المفتوحة التي لم يجد لها حلّاً، رغم “خطّته” ذات النقاط، وتغزّله بالقيّمين عليها، بل تهديده المباشر للرافضين لها، مع أنه “أذكى” من أسلافه الذين وقعوا في خطط بعيدة المدى في فيتنام وأفغانستان والعراق. هُزموا لأنهم بطيئون، أما هو فسريعٌ بضرباته ذات النتائج المباشرة، النتائج السريعة (مثل الربح السريع) كما في صفقاته العقارية؛ أو المردود الأقصى مع المجازفة الأدنى. وتلفزيون الواقع الذي بنى عليه تكتيكه الإعلامي كلّه: ضربة في صميم مخيّلة المواطن المشاهد. صورة رئيس دولة “معادية” وهو مكبّل بالسلاسل، ومحاكمة، واستعراض قوى استراتيجي، تستجيب له القاعدة التي لا تقلّ عنه استعجالاً في فرملة التراجع الأميركي الحثيث. وإقناع قاعدته الانتخابية بأن عظمة أميركا عادت؛ وقد سحرها بشعار “ماغا”: “لنجعل أميركا عظيمة من جديد”. فيكون “تيك توك” نصيره الإعلامي وأداة تثبيت انتصاره على الشرّ الفنزويلي. تأسره صورة مادورو في “تيك توك”. لا يوجد أسرع منها، ولا أفعل منها لدعمه في الانتخابات النصفية المقبلة.
قلّة الصبر (المقرونة بعمره) تجعل من ترامب شخصيةً مضحكةً وخطيرةً في آن
لكن الذي يحفر في خبايا نفسه، ويؤلمه أكثر من أي شيء آخر، عمره. منافساه، الصيني شي جين بينغ والروسي فلاديمير بوتين، أكثر شباباً منه. ليس بالكثير: الأول 72 عاماً والثاني 73. فرق ضئيل ولكنّه كافٍ ليجنّنه. فهو داخلٌ في الثمانين. وكل لحظة، كل ساعة، تُحسب على روزنامته. هو بدأ يغفو في أثناء الجلسات الطويلة، تماماً مثل سلفه جو بايدن، الذي لا يفوّت فرصةً ليصفه فيها بـ”جو (بايدن) النائم”. ويحمق أشدّ الحمق إذا سأله صحافي عن “صحّته”. يقترب من الثمانين وحوله ذئبان من المعاونين يتنافسان على وراثته: نائبه جي دي فانس، ووزير خارجيته ماركو روبيو. يفكّر في إرثه، بما سيبقى بعد رحيله، فيخترع إضافاتٍ على نظرية مونرو (1823)، الإمبريالية أصلاً، التي طردت كل الإمبرياليات الأوروبية لتُبقي على الأميركية منها. وهذه الإضافات كلّها من قلة صبره: فبعد إغارته على فنزويلا، وخطفه رئيسها، يرسم مستقبل هذه النظرية بأنه لن يجري انتخابات، بل سيتعاون مع التشافيزيين (وهم من صلب السلطة الفنزويلية القديمة) “ما داموا يطيعون”. أي إنه لن يشرع في “بناء أيديولوجي ديمقراطي” كما فعل سلفه جورج بوش “الغبي” في العراق. ويعلن أنه لا يحتاج، في “خططه” الأميركية اللاتينية ولا غيرها، إلى تحالفاتٍ أمميةٍ أو أطلسية، وأنه سيحكم هذه البلاد التي يسيطر عليها بالمراسيم التنفيذية وبالضربات الدقيقة، لا بالاحتلال المباشر الذي يحتاج بدوره إلى وقت، وأن الصفقة التي سيعقدها مع حكّامها الجدد هي “الاستقرار مقابل النفط”، وأن نظرية مونرو التي “طوّرها” ستمتدّ إلى غرينلاند وبنما والمكسيك، وربما الآن، مع تصاعد التظاهرات الشعبية في إيران، ضدّ إيران، وبعدها كندا.
قلّة الصبر هذه (المقرونة بعمره) تجعل من ترامب شخصيةً مضحكةً وخطيرةً في آن. هو مضحكٌ لأنه يشبه الفنّانات اللواتي يواصلن شدّ وجوههن حتى تنفجر هذه الوجوه. وهو يزايد على الشباب، يحاول أن يبرهن على حيويته بأنه يتفوّق عليهم بحسمه وتسرّعه، فتكون المصائب العالمية. وهذا الوجه هو الخطير: أي أن مصير البشرية موقوف على شخص يريد (مهما كان الثمن) أن يبقى شاباً، وهو مصاب بما يشبه الثمالة أو الخَرَف. وكلمته التي يردّدها على الدوام: “لا وقت لدي لحماقتكم الدبلوماسية”.
مصير البشرية موقوف على شخص يرغب في أن يبدو شاباً، بينما هو مصاب بما يشبه الثمالة والخرف
ولكن لا شيء يدل على قلّة صبره غير إصابته بالبلادة الذهنية عندما يتعلّق الموضوع بجائزة نوبل للسلام. الذين يَعِدون أنفسهم بالانضمام إلى بلاطه لا يقصّرون؛ نتنياهو، الذي أعلن بالأمس أن إسرائيل تعمل على بناء استقلالها العسكري عن أميركا من الآن وحتى عشر سنوات، احتاط لتلك السنوات العشر، فقدم اقتراحاً مكتوباً للقيمين على جائزة نوبل للسلام بأن تُمنح لترامب لأنه “أظهر التزاماً استثنائياً وثابتاً في تعزيز السلام والأمن والاستقرار في العالم”، ونظراً إلى دوره “في التوسّط في اتفاقات أبراهام”. وبعد أشهر على هذه المداهنة الرثّة، وخيبة ترامب من “نوبل”، عاد نتنياهو فعوّضه بجائزة “إسرائيل للسلام”، وهي أعلى وسام مدني إسرائيلي، لا تُمنح إلا لإسرائيليين. وقد أعلنها نتنياهو تكريماً لما وصفه بـ”دعم ترامب لحرب إسرائيل ضدّ الإرهاب».
وقبل ذلك اخترع رئيس الاتحاد العالمي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو “جائزة فيفا للسلام”، وهي عبارة عن كأس وميدالية ذهبية (ترامب يحبّ الذهب) وشهادة تكريم. لماذا؟ لأن ترامب قام “بأعمال استثنائية لتحقيق السلام وتوحيد الشعوب”، و”كرّس جهوده للسلام والوحدة (…) بأفعال غير عادية”.
ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحد. بعدما رفض ترامب تنصيب ماريا كورينا ماتشادو رئيسةً لفنزويلا خلفاً لمادورو المخطوف (الحاصلة على جائزة نوبل للسلام في الخريف الماضي)، قالت أخيراً في مقابلة صحافية إنها تتمنّى تقاسم الجائزة مع ترامب، أو تقديمها له “رمزياً”. وتابعت أن هذه الجائزة تمثّل التزاماً من الشعب الفنزويلي تجاه ترامب، و”اعترافاً بدوره ضدّ نظام مادورو”. وأنهت بأنها تودّ أن تقدّم هذه الجائزة إلى ترامب “شخصياً”. فكان جواب ترامب بأن مبادرة ماتشادو “شرف عظيم” له، وأنه ينظر “بإيجابية إلى القيمة الرمزية المرتبطة بهذه الجائزة” (رفضت لجنة جائزة نوبل الفكرة كلّياً، وذكّرت بأن جائزتها لا يمكن سحبها أو نقلها أو تقاسمها بعد منحها).
ترامب المستعجل لا يعجّل إلا انهياره وانهيار أميركا، وربما انهيار العالم معهما.
المصدر: العربي الجديد






