
يتشاور القادة الأوروبيون بجدّية في مسارات تطوّر الحرب الروسية–الأوكرانية، ويقف المستشار الألماني فريدريش ميرتس في مقدمة المدافعين عن حق أوكرانيا بالدفاع عن أراضيها وسيادتها. وقد تقدّم ميرتس، بالتعاون مع عشرة قادة أوروبيين في ديسمبر 2025/يناير 2026، بالمبادرة المسمّاة “قوة السلام الأوروبية”، والتي تضمّنت توفير ضمانات أصلية وتعهدات قانونية ملزمة بموافقة الكونغرس الأميركي، توفر لأوكرانيا حماية تعادل حماية أعضاء الناتو دون الانضمام الرسمي للحلف. شملت المبادرة عدّة بنود، من بينها: تشكيل قوة تقودها أوروبا تُسمّى “تحالف الراغبين” وتدعمها الولايات المتحدة، تكون مهامها العمل داخل أوكرانيا لمراقبة وقف إطلاق النار وتأمين الأجواء والبحار، وإنشاء نظام مراقبة تقوده واشنطن للتحذير المبكر من أي خرق روسي مستقبلي.
ينسّق الأوروبيون جهودهم مع الرئيس دونالد ترامب، الذي اقترح بدوره خطة للسلام مؤلفة من 28 بنداً يجري العمل على اختصارها، وهي تتمحور حول عدد من المبادئ أهمها: تجميد خطوط المواجهة ووقف إطلاق النار عند “الوضع الراهن”، مما يعني بقاء القوات الروسية في المناطق التي تسيطر عليها حالياً (نحو 20% من مساحة أوكرانيا)، ثم الحياد العسكري المقصود منه موافقة كييف على عدم الانضمام لحلف الناتو نهائياً مقابل حصولها على أسلحة متطورة للدفاع عن نفسها، وتقليص الجيش الأوكراني، وإعادة الإعمار باستخدام جزء من الأصول الروسية المجمدة مقابل رفع تدريجي للعقوبات عن موسكو وعودتها لمجموعة الـ(G8). بالمقابل، وفي خطابه بمناسبة رأس السنة 2026، أطلق الرئيس زيلينسكي تصريحاً أثار الكثير من الجدل حين قال: “نحن على بُعد 10% فقط من السلام.. الـ90% تم الاتفاق عليها، لكن الـ10% المتبقية هي التي ستحدد مصير أوكرانيا وأوروبا”. وهذه الـ10% تتعلق بالنقاط الأكثر حساسية؛ فزيلينسكي يرفض التنازل الرسمي عن أي شبر من القرم أو الدونباس، ويقترح “تأجيلاً” للبت في وضعها السيادي، كما يطلب ضمانات حقيقية بشأن تدخل القوات الأميركية–الأوروبية فعلياً إذا هاجمت روسيا بلاده مرة أخرى.
عند التدقيق في استنكار ألمانيا تصريحات ميدفيديف نلاحظ أنها حصرته بالتهديد بالعنف الموجه ضد رؤساء الحكومات المنتخبين “ديمقراطياً”، أي أنها تبرر فعلة ترامب مع مادورو، أو تترك الباب موارباً لتبريرها..
في هذا السياق شهدنا تصعيداً روسياً ملحوظاً، فقد حققت القوات الروسية مؤخراً مكاسب ميدانية في شرق أوكرانيا، حيث سيطرت على بلدات جديدة في مقاطعة خاركيف وواصلت الضغط في اتجاه كوبيانسك. وبدأ الجانبان عام 2026 بضربات جوية متبادلة عنيفة؛ إذ شنّت روسيا هجمات بأكثر من 200 مسيّرة استهدفت البنية التحتية للطاقة، في حين نفذت أوكرانيا ضربات استهدفت مواقع عسكرية في العمق الروسي، بما في ذلك محاولة استهداف محيط مقر إقامة بوتين، وهجمات على غواصات في البحر الأسود. يروّج الروس أن بوتين رفض استهداف مقر زيلينسكي، معتبراً ذلك خارجاً عن أخلاقيات الحروب! لكنّ هذا كلّه كان قبل 3/1/2026، فبعد الاعتداء الأميركي السافر على سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة واختطاف رئيسها بحجّة محاكمته بجرائم تهريب المخدرات أمام محكمة داخلية أميركية، يمكن أن تتفتّح شهيّة الرئيس فلاديمير بوتين على القيام بمغامرة مماثلة لاختطاف زيلينسكي أو رئيس دولة صغيرة بعد افتعال نزاع ما معها. هذه الخطوة الأميركية لها ما بعدها في مسار العلاقات الدولية، وقد تعطي الصين رسالة معاكسة لما أراده الأميركيون ربما، خاصة مع تصريحات ترامب بأن أميركا لن تقدم الحماية لتايوان ما لم تدفع الأخيرة ثمن هذه الحماية، وهو ما يُفهم من تصريحاته بأن الرئيس الصيني هو من يقرر ما تفعله الصين تجاه تايوان.
ضمن السياق ذاته، وفي معرض تعليقه على اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو، أطلق دميتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي ورئيس الاتحاد الروسي السابق، يوم الأحد الموافق 4 من كانون الثاني/يناير 2026، عبر حسابه الرسمي على تطبيق تلغرام، التصريح التالي: “قد يكون اختطاف النازي الجديد ميرتس – يقصد المستشار الألماني فريدريش ميرتس – انعطافاً رائعاً في هذا المهرجان من الأحداث”، ثم أضاف أن مثل هذا السيناريو “ليس أمراً مستحيلاً”، زاعماً أن هناك أسباباً قانونية لمقاضاة ميرتس في ألمانيا نفسها، وأن المواطنين الألمان يعانون بلا داعٍ تحت قيادته. هي إذن بداية فاتحة لهدم المبادئ الأساسية التي قام عليها ميثاق الأمم المتحدة بشكل جماعي. لم يعد مبدأ استقلال الدول وسيادتها أمراً ذا بال في عصر البوتينية–الترامبية. الأول برر غزو أوكرانيا بحجّة الدفاع عن الروس الموجودين في أوكرانيا، والثاني برر اختطاف مادورو بحجّة إنفاذ طلبه لمحكمة أمريكية!
وصفت الخارجية الألمانية هذه التصريحات بأنها “غير مسؤولة” و”استفزازية بامتياز”. واعتبر المتحدث باسم الحكومة الألمانية أن لغة التهديد بالعنف ضد رؤساء الحكومات المنتخبين ديمقراطياً تعكس مدى “تدهور الخطاب السياسي” في موسكو، مؤكداً أن مثل هذه التهديدات “لن ترهب ألمانيا” أو تثنيها عن مواقفها تجاه القضايا الدولية. عند التدقيق في استنكار ألمانيا تصريحات ميدفيديف نلاحظ أنها حصرته بالتهديد بالعنف الموجه ضد رؤساء الحكومات المنتخبين “ديمقراطياً”، أي أنها تبرر فعلة ترامب مع مادورو، أو تترك الباب موارباً لتبريرها، خاصة وأن الاتحاد الأوروبي والعديد من الدول الغربية لم تُدِنْ هذا الأمر، وتعاملت معه كأنه حدث اعتيادي أو بسيط!
سيصبح لزاماً على كل شاب يبلغ 18 عاماً ملء استمارة لتقييم استعداده ولياقته للخدمة العسكرية، في خطوة نحو إعادة التجنيد الإلزامي للشباب.
مع قدوم عام 2026، انتقل الجيش الألماني (Bundeswehr) من مرحلة التخطيط النظري إلى مرحلة “الاستعداد القتالي” الفعلي بموجب عقيدة عسكرية جديدة أطلقها المستشار فريدريش ميرتس. تهدف هذه الاستعدادات إلى تحويل ألمانيا إلى “العمود الفقري” للدفاع الأوروبي التقليدي. فقد كشفت وثيقة سرية (مكوّنة من نحو 1200 صفحة) عن استراتيجية شاملة لتحويل ألمانيا إلى مركز لوجستي محوري لحلف الناتو. من بين ما سيتم العمل عليه ضمان القدرة على حشد 800 ألف مقاتل من الناتو عبر أراضي ألمانيا نحو الجهة الشرقية في بولندا، إضافة إلى تجديد الطرق السريعة والجسور والسكك الحديدية التي ستُخصص حصرياً للتحركات العسكرية، مع وضع خطط لحمايتها من أعمال التخريب الروسية. سيصبح لزاماً على كل شاب يبلغ 18 عاماً ملء استمارة لتقييم استعداده ولياقته للخدمة العسكرية، في خطوة نحو إعادة التجنيد الإلزامي للشباب. وأقرّ البوندستاغ (البرلمان الألماني) مبدأ تخصيص استثمارات طويلة الأمد لتحديث الجيش والبنية التحتية الدفاعية. تمّ البدء الفعلي بنشر صواريخ أميركية بعيدة المدى في ألمانيا كجزء من اتفاق مع واشنطن لتكون قوة ردع مباشرة ضد العمق الروسي. وفوق هذا كلّه، أنشأت الحكومة الألمانية “مجلس الأمن القومي الألماني” الذي بدأ اجتماعاته في أواخر 2025 لمواجهة التهديدات غير التقليدية.
لكن هل روسيا بقوة أميركا، وهل ألمانيا بضعف فنزويلا؟ لا شكّ بأن الأمور لا تُقاس حذو القذّة بالقذّة في عالم السياسة، لكنّ الشيء بالشيء يُذكر، أو كما يقول المثل السوري الدارج: “إذا حلق جارك، بلّل دقنك”. فهل تكون ألمانيا تالية في الصراع مع روسيا؟ وهل سيتمكن الروس من تخطي بولندا؟ وهل يعيد التاريخ حرباً أوروبية كبرى من جديد قد تتحوّل بدورها حرباً عالمية ثالثة؟ وهل ستقف أميركا مع أوروبا ضد روسيا وهي تخطط للاستيلاء على غرينلاند التابعة للدنمارك، إحدى الدول الأعضاء في الناتو؟ لا أحد يعرف.. ويأتيك بالأخبار من لم تُزوِّدِ.
المصدر: تلفزيون سوريا






