لوثة بهلوي البيت الأبيض

وائل قنديل

خفتت التظاهرات في المدن الإيرانية بعض الشيء، فاشتدّت لوثة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وراح يصرخ في المُتظاهرين صرخة قائد معركةِ يحثّ جنوده ويستنفرّ أدواته للاستمرار في القتال. تصريحات ترامب بالأمس هي صيحة شخص مُحبط من استجابة توابعه، فقرّر أن يمنحهم! ويمنح نفسه، بعض الحماسة لمواصلة الجريمة، “لنجعل إيران عظيمةً مجدّداً”، ينادي بها ترامب على من اعتبرهم “الوطنيين الإيرانيين”! هو النداء ذاته الذي جعله شعاراً لحملته الرئاسية وبرنامجاً لإدارته اليمينية الصهيونية الخالصة. هنا تصبح إيران، بنظر البهلوي البرتقالي، امتداداً للولايات الأميركية، واحدةً من ولاياتها تخضع وتُدار وفق سيادة الجالس في البيت الأبيض يوزّع جنونه على العالم.
ما الذي يمنع ترامب من إصدار إعلان رئاسي آخر عبر منصّته الخاصة به وحده. يعيّن فيه نفسه حاكماً مؤقّتًا للدولة الإيرانية على غرار ما فعله مع فنزويلا التي قال على منصّة “تروث سوشيال” إنّه حاكمها المؤقّت، حتى ينتهي من اختيار وتنصيب من يتولى رئاستها من الموالين له؟ لا شيء يمنع شخصاً يُدير العالم وفق نظرية “أدّعي الجنون ثم أفعل ما أشاء” من الإقدام على ما لا يتصوّره عقل بشر، وخصوصاً إذا كان هناك من يركع أمام هذا الجنون الاستراتيجي.
هذا الجنون الذي يحكم العالم بالكهنوت والأسطول أفردت له مجلة نيويوركر الأميركية مقالاً طويلاً للكاتب الأميركي، دايفيد ريمنيك، في مقال نُشر بعد عودة ترامب في طور أكثر جنونًا! إنه ينتهج “نظرية المجنون” لتمرير مشاريعه وصفقاته وفرضها على العالم، وهي نظرية عمرها أكثر  من 500 عام، حين اقترح مكيافيلي، فيلسوف الممارسة السياسية والجمهوريات الحديثة، في كتابه “Discourses on Livy” “في بعض الأحيان يكون من الحكمة للغاية التظاهر بالجنون”. وهي النظرية التي يبدو أنّها جُرِّبَت  مع الرئيس السابق، ريتشارد نيكسون، في سبعينيات القرن الماضي، حيث ذكر رئيس موظفي البيت الأبيض في عهده، بوب هاري روبنز هالدمان، أنه قد توصّل إلى نتيجةٍ مماثلة، بقوله “أسمّيها نظرية الرجل المجنون يا بوب. أريد أن تعتقد فيتنام الشمالية بأنني وصلت إلى النقطة التي يمكنني فيها فعل أي شيء لوقف الحرب. وسنخبرهم بأنّ نيكسون مهووس بالشيوعية، ولا يمكننا كبح جماحه عندما يكون غاضباً، وبيده الزر النووي، وسيكون هوشيه منه نفسه في باريس خلال يومين متوسّلاً من أجل السلام”. … وتلك هي النظرية نفسها التي يُدير بها ترامب كلّ الملفات، من غزّة إلى طهران إلى فنزويلا وغرينلاد.
“استمرّوا أيها الوطنيون والمساعدة في الطريق” يهتف ترامب في الجموع المُشاركة في ثورته وشريكه نتنياهو على النظام الإيراني الذي كان الوحيد في المنطقة عوناً وسنداً للمقاومة الفلسطينية فاستحق العقاب الصهيوني، وكان عدوان ثنائي الإجرام العالمي في صيف العام الماضي على البرنامج الإيراني جزءاً من العملية الأميركية الشاملة التي استهدفت استئصال كلّ ما يزعج الكيان الصهيوني من حركات مقاومة عربية ومن يدعمها، إيران ثم فنزويلا ثم إيران مُجدّداً، لتأتي صرخات ترامب المجنونة لمواصلة تدمير إيران في اللحظة نفسها التي يعلن فيها الإسلام السياسي السني في مصر ولبنان والأردن منظمات إرهابية، بمسوّغ وحيد، أنّ هذه الجهات دعمت المقاومة الفلسطينية وأزعجت إسرائيل. هذا هو معيار ترامب في الحكم على الدول والبشر: كلّ من أزعج الاحتلال الصهيوني بصاروخ أو طائرة مُسيّرة أو كلمة إرهابي، وكلّ من يتواطأ على المقاومة ويُصادق الاحتلال ويشاركه في الاقتصاد والسياسة صديق مقرّب.
“أكملوا أيها الوطنيون”، تخيّل نفسك مواطناً عربيّاً انتخبت نظاماً في عملية ديمقراطية ثم لم تعجبك سياساته الاقتصادية! فقرّرت أن تخرج في تظاهرات ضدّه فجاءتك صيحة، أو بالأحرى توجيهات من ترامب ونتنياهو بالاستمرار في الاحتجاج واستهداف مؤسّسات الدولة، واستخدام كلّ الوسائل بما فيها العنف والقتل حتى إسقاط النظام وإقامة دولة جديدة مُطابقة للمواصفات الأميركية. ماذا تفعل لو وجدت نفسك تتظاهر وتحتج وتقتل وتُقتَل تحقيقًا لأهداف صهيونية واستجابة لتعليمات من البيت الأبيض؟
الموقف الوطني والأخلاقي والإنساني في هذه الموقف أن ترفض هذه الوصاية الصهيونية على غضبك، وأن تبصق في وجه الدعوة ومن أطلقها تفويتاً للفرصة على من يريدونك وقوداً لحرق وطن بنظامه وأرضه وشعبه، وتحويله إلى ساحة خصبة لكلّ رغبات الطامعين فيه، مهما كانت خصومتك مع النظام الذي يحكمك. الضمير يقتضي أن تتوقّف مؤقّتًا لتقول لأعدائك إنّ غضبك أقدس من أن يشتريه قاطع طريق، وأنّ الثورة أنقى من أن  تتحوّل إلى أداة بيد أعدائك وأعدائها، من دون أن تتخلّى عن حقّك في الحلم بتغيير سياسي تراه مطلوبًا.
للمرة الألف: التدخّلات الدولية، وخصوصًا الأميركية، لا تصنع وطناً عظيماً كما يكذب ترامب، بل تقسّمه أو تلقي به إلى التيه.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى