
كان واضحاً، منذ حتى ما قبل سقوط نظام الأسد، في ديسمبر/ كانون الأول 2024، أن قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والتي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية عمودها الفقري، نظراً لظروف ومعطيات إنشائها من إدارة الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، وتحويلها إلى “ذراع” لها على الأرض لهزيمة مشروع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، سوف تمثل أحد أكبر التحدّيات التي تواجه أي مشروع مستقبلي لتوحيد سورية. ففضلا عن امتلاك تياراتٍ فيها تطلّعات قومية، خصوصاً جناحها الأكثر تشدّداً، المرتبط بجبال قنديل، وحزب العمّال الكردستاني، نسجت “قسد” شبكة علاقات دولية مهمّة، أبرزها، طبعاً، مع مجتمع واشنطن السياسي، وبعض دول الخليج، فضلا عن روسيا وإيران، بحكم علاقة حزب العمال الوطيدة تاريخيّاً بالطرفين (مع روسيا لأسباب أيديولوجية، ومع إيران بحكم العداء المشترك لتركيا، الأردوغانية خصوصاً). هناك شبهات أيضاً بشأن علاقة تكتيكية محتملة بين “قسد” وإسرائيل؛ فبحسب تقرير “واشنطن بوست” أخيراً، دعمت إسرائيل خصوم الإدارة السورية الجديدة، وتصريحات قائد “قسد”، مظلوم عبدي، في فبراير/ شباط 2025، حول انفتاحه على إسرائيل، بقوله: “نرحب بأي كيان في العالم يدعمنا للحصول على حقوقنا وحفظ مكاسبنا”. الأهم من ذلك كله هو القوة التي راكمتها “قسد”، وحولتها، بفضل الرعاية الأميركية، إلى جيش لا يستهان به، في مناطق الجزيرة السورية. وتملك “قسد” اليوم، وفق أكثر التقديرات واقعية، نحو 60 ألف مقاتل، فضلا عن نحو 30 ألف عنصر من قوات الشرطة “الأسايش”. فوق ذلك، أنشأت “قسد” سلطة مدنية ممثلة بـ “الإدارة الذاتية”، تسيطر حاليا على الجزء الأكبر من ثروات سورية الطبيعية (نفط، غاز، مياه) فضلا عن أكثر الأراضي الصالحة للزراعة.
استغلت “قسد” سنوات الحرب السورية الطويلة، وانشغال خصومها (النظام والمعارضة) وحرب واشنطن على داعش لبناء كيان أقرب ما يكون إلى دولة (جيش، شرطة، إدارة مدنية، وواجهة سياسية، ممثلة بمجلس سورية الديمقراطية، “مسد”). تحاول “قسد” التمسك بهذه المكتسبات، وترفض مغادرتها، وهذا ما أفشل تطبيق اتفاق 10 مارس (2025). كما استغلت “قسد” أخطاء حكومة دمشق الوليدة في أثناء “تمرّد” الساحل، وحراجة موقفها، بفعل الانتهاكات الواسعة التي حصلت، وخوفها من تفجر جبهات أخرى تزامناً في وجهها، لانتزاع اعتراف منها على قاعدة الندّية، حين وافق الرئيس أحمد الشرع على شرط “قسد” توقيع الاتفاق بنفسه مع قائدها، مظلوم عبدي. ما تحاول “قسد” فعله الآن ترجمة هذه الندّية في تنفيذ الاتفاق من خلال اشتراطها، للاندماج، احتفاظها بقدراتها العسكرية، وفق خريطة انتشارها الحالية، وبنيتها، وتجهيزاتها، في مقابل الجيش (العربي) الذي ينتشر غرب الفرات، وتقاسم ثروات المنطقة التي تحكمها مناصفة مع حكومة دمشق، وإقامة إدارة مشتركة للمعابر التي تسيطر عليها، والحصول، فوق ذلك، على أكبر نسبة ممكنة من المناصب المدنية والعسكرية في جهاز الدولة. هذا يعني أن “قسد” ترى نفسها سلطة موازية، تخضع، شكليا، لدمشق. لن تقبل حكومة سورية بهذا، ما يعني أن احتمالات المواجهة، خصوصاً بعد ما جرى في حلب، تتزايد.
سقف طموحات “قسد” المرتفع، رهاناتها بخصوص ديناميّات الصراع الداخلي السوري، وقراءاتها الخاطئة العامليْن التركي والإسرائيلي، والموقف الأميركي، لعبت دوراً رئيساً في الوصول إلى نقطة الصدام، لكن الإدارة السورية تحتاج أيضاً أن تدرك أن استراتيجية “الإطفائي” التي تعتمدها لا تساعد في حل المشكلات التي تواجهها، فمن أجل أن نغطي على انتهاكات الساحل، وقعنا اتفاقاً يعقد المشكلة مع “قسد”، ومن أجل أن نحتوي مشكلة السويداء، جعلنا إسرائيل شريكا فيها، ومن أجل تحييد إسرائيل نقبل بوصاية تركية، … وهكذا. يجب أن نقر أيضا بأن “قسد” ليست إلا “عرضاً” لأزمة وطنية أعمق في سورية، لا مفرّ، لمعالجتها، من الاعتراف بوجودها. يجب أن تدرك “قسد”، في المقابل، أن دمشق تعلمت من أخطائها؛ وأنها (قسد) لا تملك، أخذًا في الاعتبار الظروف الإقليمية والدولية الراهنة (تفاهمات باريس، أحداث اليمن أخيراً، الوضع المتفجر في إيران، السياسات الأميركية والأوروبية تجاه سورية) أي فرصة للربح في مواجهة شاملة مع دمشق، وأن الوقت، فوق ذلك، لا يسير لمصلحتها.
خلاصة القول، لا تحتاج سورية الدخول في فصل دموي جديد من فصول صراعاتها التي ما فتئت تتوالى تحت عنوان إثني/ قومي هذه المرّة (عرب X كرد). ما نحتاجه لحل العقدة “الكردية”، والعقد الأخرى المواكبة لها، أن ترتقي دمشق، قليلا، فوق الجميع، وتدعوهم بقيادتها إلى حوار وطني شامل، بدلاً من طريقة التعاطي الراهنة التي تعزّز الشعور لديهم بالندّية، وتعطيهم الفرصة للتشكيك في قدرتها على احتواء الجميع، وضمّهم باعتبارها سلطة أبوية أعلى منهم.
المصدر: العربي الجديد






