أمننة السياسة ودورها في إعاقة بناء الدولة

أحمد عيشة

يعدّ التعامل مع السياسة باعتبارها قضية أمنية، أي ما يُعرف بعملية الأمننة (Securitization)، أحد أكثر الأنماط خطورة في إدارة الشأن العام، حيث تتحوّل السياسة إلى معركة وجودية بين الأطراف والتشكيلات الاجتماعية، يصبح فيها الآخر تهديداً لا شريكاً، فالأمننة لا تُعدّ توصيفاً متوازناً للخطر، بل فعلاً سياسياً يهدف إلى منع النقاش العام، وتبرير استخدام أدوات القسر، وإقصاء الفاعلين المعارضين.
لا يؤسّس هذا التعامل مع السياسة فقط إلى إغلاق المجال العام، بل بداية للاحتراب الداخلي لأنّ نزع الطابع السياسي عن الخلافات لا يلغيها، بل يعني إلغاء عملية التوصل إلى حلول وسط، إلى تسويات، التي تشكّل جوهر السياسة عملياً، ما يؤدي إلى تراكمها وانفجارها في لحظات الأزمات.
يتجلّى هذا المنطق بصورة صارخة في التجربة السورية، حيث حوّل نظام الأسد العمل السياسي إلى جريمة تذهب بصاحبها إلى غياهب السجون، فأقصى الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين (الأحزاب والنقابات) من المجال العام، وحوّل السياسة إلى نشاط محظور يُدار عبر أجهزة القمع، فقد ألغى بالكامل الحديث عن المشكلات التي تنخر جسد المجتمع السوري، كعدم المساواة، والتهميش، والطائفية والأقليات عبر أدوات سياسية أو مؤسسية، إذ جرى إنكارها خطابياً، في حين كانت تُمارس فعلياً كإحدى أدوات السيطرة والتمييز، وبناء الشبكات الزبائنية.
وفي الحالة السورية، أدّت أمننة السياسة إلى إضعاف مؤسسات الدولة لصالح شبكات أمنية وزبائنية، ما جعلها عاجزة عن استيعاب الصراع حين انفجر، ودفعها إلى مزيد من العنف بدل الإصلاح..
أسهم هذا النمط من الحكم في تفسير انتقال “الدولة” السورية تدريجياً نحو نموذج الدولة الهشة، إذ فقدت الدولة قدرتها على تمثيل المجتمع ككل، وتحولت إلى كيان يعتمد على أدوات القسر بدل الشرعية.
فالدولة الهشة لا تفشل فقط في تقديم الخدمات أو احتكار العنف، بل تفشل، قبل ذلك، في إنتاج إطار وطني جامع لإدارة التعدد والتنوع الاجتماعي، وفي الحالة السورية، أدّت أمننة السياسة إلى إضعاف مؤسسات الدولة لصالح شبكات أمنية وزبائنية، ما جعلها عاجزة عن استيعاب الصراع حين انفجر، ودفعها إلى مزيد من العنف بدل الإصلاح.
بعد اندلاع الثورة السورية، ما ظهر أن نهج الأسد لم يلغِ الطائفية ولم يحل مشكلة الأقليات، بل برزت البنى الطائفية والإثنية بوصفها وحدات فاعلة في الصراع، لا نتيجة حتمية للتنوع الاجتماعي، بل بوصفها نتاجاً تراكمياً لانسداد المجال السياسي.
تعزّز المسار هذا مع تدخل الأطراف المتدخلة في الصراع في سوريا وعليها من خلال تأسيس ودعم فصائل وجماعات على أساس هوياتها الطائفية أو الإثنية، وهو ما زاد من تعميق الانقسامات، فنزع الطابع السياسي عن الصراع (الحرية والكرامة وأبناء الدولة) وأضفى الطابع الهوياتي على الصراع (سنة ضد علويين، أكراد ضد العرب، والعكس)، وهو ما حوّل كثيراً من الفصائل والأطراف إلى وكلاء للخارج من جهة، ومن جهة أخرى صنع منها بدائل وظيفية عن الدولة.
كان لتدخل الأطراف هدفاً رئيسياً، هو تعميق الانقسامات القائمة ودعم تلك الأطراف بناء على تلك الانقسامات، وهو الدور نفسه الذي تمارسه إسرائيل اليوم، فموقفها اليوم تجاه (الدروز والعلويين والأكراد)، لا ينبع من حرص حقيقي على حمايتهم، بل من مقاربة أمنية ترى في هذه الجماعات كتلًا إثنية وطائفية يمكن أن يعيقوا تشكيل الدولة الوطنية من جهة، وترسيخ لتلك البنى واستخدامها كوكلاء، وهو ما يشكل غايتها في النهاية أن تبقى سوريا بلداً ضعيفاً تأكله الصراعات الداخلية القائمة على أسس هوياتية، ويمنع في النهاية تشكّل دولة وطنية جامعة.
بعد الخلاص من نظام الأسد وتسلّم هيئة تحرير الشام دفة قيادة البلاد، برزت تيارات عدة تجاهها، الأول وهو الرفض الكامل للعمل معها تمثله أطراف تسعى لتحويل الجماعات إلى كتل قائمة على الهوية الطائفية والإثنية مدعية بأن السلطة الحالية تمثل تهديداً وجودياً لتلك الجماعات، والثاني كان التأييد المطلق لها، وهو موقف ناتج عن عمق الإهانات التي تعرض لها من نظام الأسد والفظاعات التي ارتكبت بحقهم، وبالتالي عدم السماح بأي شكل بعودة حكم الأسدية أو أي نمط حكم لـ”لأقليات”، وهو أيضاً قائم على التصنيف الهوياتي، في حين غاب التعامل السياسي مع السلطة الجديدة، بمعنى التعامل النقدي معها بعيداً عن رفضها أو تأييدها.
يشير ما جرى ويجري في سوريا من أحداث وعمليات اقتتال، منذ آذار الماضي وحتى اليوم، وكيفية التعامل معه إلى أنّ المستوى المهيمن للصراع هو المستوى الهوياتي والفئوي الذي ينفي السياسة، ويلغي الاختلافات بين الجماعات البشرية التي يحكم العلاقات بينها مستويات عديدة من الصراع، كما توجد بينها عوامل عدة للاتفاق والاقتراب.
حوّل هذا الإصرار المدعوم خارجياً مطالب وحقوق الناس إلى ميدان يبرز فيه الشيخ غزال والهجري ومظلوم عبدي كمتحدثين وممثلين لتلك الجماعات في حين في الواقع الفعلي، ليسوا سوى ممثلين لصوت بين أصوات أخرى.
تُظهر التجربة السورية أن تحويل السياسة إلى قضية أمنية لا يحمي الدولة، بل يقوّضها، فالأمن الحقيقي لا يتحقق عبر القسر، بل عبر السياسة، فغيابها يعيد إنتاج العنف، فمن دون مجال سياسي مفتوح..
تعيش سوريا اليوم في مأزق حقيقي، والخروج منه يبدأ بإعادة السياسة إلى مكانها الطبيعي: ساحة للنقاش، والاعتراف بالمشكلات، والبحث عن حلول وسط، وبناء عقد اجتماعي جديد يتجاوز الهويات المغلقة من دون إنكارها، ويتعامل مع السوريين بصفتهم مواطنين من دون أي تمييز، فعادة بناء الدولة في سوريا لا تبدأ بإعادة احتكار القوة فقط، بل بإعادة تعريف مشروع الدولة نفسه بوصفه إطاراً وحدوياً للمواطنين، لا أداة لهيمنة فئة أو جماعة أو أيديولوجيا.
تُظهر التجربة السورية أن تحويل السياسة إلى قضية أمنية لا يحمي الدولة، بل يقوّضها، فالأمن الحقيقي لا يتحقق عبر القسر، بل عبر السياسة، فغيابها يعيد إنتاج العنف، فمن دون مجال سياسي مفتوح، تتحول الخلافات تلقائياً إلى صراعات مسلحة، كما أن الدول لا تُبنى عبر إدارة الخوف، بل عبر إنتاج الشرعية. فمن دون إعادة الاعتبار للسياسة بوصفها أداة إدارة سلمية للاختلاف، ستبقى سورية أسيرة حلقة التفكك، مهما تغيّرت موازين القوى.
يسهم هذا المسعى في تعرية التيارات الانفصالية، سواء القائمة على أساس إثني أو طائفي، وكشفها لا أمام “جماعاتها” فحسب، بل أمام السوريين بوصفها قوى تعيق مشروع بناء الدولة والانتقال إلى إعادة الإعمار.
وفي هذا السياق، يصبح استخدام القوة أمرًا مشروعًا لبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، كما هو الحال اليوم في التعامل مع ميليشيا “قسد”، التي تمثّل إحدى تجليات أمننة السياسة في سوريا.

المصدر: تلفزيون سورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى