إلى أين تتّجه حركة فتح؟

معين الطاهر

منذ التحاقي بحركة فتح، بعد هزيمة حزيران 1967، دأبتُ على المشاركة في احتفالها السنوي بذكرى انطلاقتها؛ سرتُ في مسيرات تحمل المشاعل ليلة رأس السنة الميلادية، وشاركتُ في عروض عسكرية وندوات فكرية ونشاطات ثقافية ودعوية. وعندما بدأتُ الكتابة في الصحافة، داومتُ على كتابة مقالٍ سنوي يستعرض مسار “فتح” المُتعرِّج ما بين إطلاق الكفاح المسلح والدعوة إلى تحرير كامل التراب الفلسطيني، وتبنّيها للبرنامج المرحلي القاضي بتأسيس سلطة فلسطينية (وُصفت حينئذٍ بالمقاتلة) في الضفة الغربية وقطاع غزّة، وسعيها إلى الالتحاق بمسار التسوية وصولاً إلى الانخراط فيه، وتتويج ذلك باتفاق أوسلو (1993). ثم جاءت محاولة ياسر عرفات، في الانتفاضة الثانية، التمرّد على المعادلة التي أضحت أمراً واقعاً ومحاولة تغييرها، تلا ذلك تراجعُ شعبيتها، واختلاف بنيتها، وذوبانها (هي ومنظمة التحرير الفلسطينية) في السلطة الفلسطينية وأجهزتها.
التحوّل الأخطر في موقف قيادة “فتح” جاء حين امتثلت للرواية الأميركية التي زعمت أنّه بعد القضاء على المقاومة ستكون الطريق ممهّدةً للسلطة الفلسطينية للعودة إلى غزّة
وهي في مجملها تحوّلات متلاحقة، جمعت في فتراتها الأولى بين التمسّك ببندقيتها في الوقت الذي كانت تحاول فيه العثور على مقعدٍ لها في عملية التسوية. فامتزجت الحروب والمعارك مع التنازلات التدريجية، التي انتهت في سنواتها الماضية إلى التخلّي الكلّي عن مرحلة الثورة، تحت ادّعاء التحوّل إلى دولة. وهو ما حاولتُ تدوينه قبل أكثر من عشرة أعوام في مقال حمل عنوان “فتح في عيدها الخمسين… بقيت الفكرة” (“العربي الجديد”، 11/1/2015)، استهللته بسؤال: “ماذا تغيّر في فتح؟ بل ماذا بقي منها بعد خمسين عاماً من انطلاقتها، يوم أطلقت الكفاح المسلح الفلسطيني في الأول من يناير/ كانون الثاني 1965؟”. واختتمت المقال بالإجابة: “من العبث أن تبحث عن “فتح” الأولى في صفوفها المتقدّمة… هناك انتهت مرحلة الثورة… لكن بقي منها أهم ما فيها؛ بقي منها الفكرة، ومن الفكرة تولد ثورة”.
في عيدها الواحد والستين، ثمّة شيء لافت اختلف عن السنوات السابقة؛ لم تحتفل “فتح” (على عادتها) بذكراها السنوية، وللمرّة الأولى في تاريخها، أعلنت هيئات فتحاوية وازنة، مثل قيادة الشبيبة الفتحاوية وأقاليم حركة فتح التنظيمية في الضفة الغربية، مقاطعتها أيّ احتفالات تُقام في ذكرى الانطلاقة، إذ “لا انطلاقة دون كرامة من قاتلوا وضحّوا من أجلها”، في احتجاج صارخ على تخليها عن أبنائها الذين صنعوا لها مجدها، إثر قرار الرئيس محمود عبّاس تحويل مخصّصات الشهداء والأسرى والجرحى إلى هيئة للمعونة الاجتماعية شكّلها بمرسوم، حوّلهم فيه من حالات نضالية إلى حالات اجتماعية، استجابة للاشتراطات الإسرائيلية والغربية. وهو ما يتناقض مع أول نظام داخلي لحركة فتح، الذي نصّ على تخصيص نصف ميزانية الحركة، مهما بلغت، لأُسر الشهداء والأسرى (معين الطاهر ومنى عوض الله، “مسارات صعبة… الحركة الوطنية الفلسطينية في سيرة صلاح خلف (1933-1971) المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2025، ص 167).
وهكذا اقتصرت احتفالات هذا العام على كلمة تقليدية للرئيس محمود عبّاس، وزّعتها وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، بعد إعلان قواعد الحركة عدم مشاركتها في أيّ احتفالات لذكرى فقدت معناها واختفى بريقها نتيجة مواقف قياداتها. ويُسجَّل للرئيس محمود عبّاس عام 2020 معارضته صفقة “ترامب – نتنياهو” التي أُعلنت خلال ولاية ترامب الأولى، لكن هذا الموقف توقّف عند حدود لقاء قيادات الفصائل عبر اجتماع إلكتروني يتيم عُقد عن بُعد، ولم يُطوَّر باتجاه تأسيس قيادة موحّدة، أو إحياء منظمة التحرير الفلسطينية، أو الاتفاق على برامجَ نضاليةٍ في مواجهة الاحتلال. سمعنا ضجيجاً ولم نرَ فعلاً، تمثّل في مقرّرات المجلس المركزي بسحب الاعتراف بـ”إسرائيل”، وإلغاء التنسيق الأمني، وتجميد اتفاق أوسلو، لكنها حُفظت كلّها في الأدراج، ونُكث عنها وكأنها لم تكن، من دون الرجوع إلى أيّ هيئة لمراجعتها أو تعديلها أو تأكيدها.
منذ ذلك الوقت، جرت مياه كثيرة في النهر، لكن القيادة الفلسطينية استمرّت في الجلوس مكتوفة الأيدي في ضفافه؛ لم تحاول عبوره أو السباحة ضدّ تيار الاستيطان الجارف، والضمّ الزاحف، وتقليص الاحتلال لصلاحياتها، واستباحة ما تبقّى من أراضيها، كما أنها ألغت الانتخابات بذريعة واهية، وتلاعبت بعضوية المجلسَين الوطني والمركزي، واستبدلت بالمؤسّسات الدستورية مراسيم تصدر عن الرئيس وتكتسب صفة القوانين، ما أدخل النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة الحكم الفردي المطلق، من دون رقيب أو حسيب.
بعد 61 عاماً يبدو أن قيادة “فتح” تتجه نحو مسار آخر يناقض ما انطلقت لأجله وما سعت إليه
والتحوّل الأخطر في موقف قيادة “فتح” جاء مع بدء حرب الإبادة الجماعية التي شنّها الاحتلال على قطاع غزّة، حين امتثلت للرواية الأميركية التي زعمت أنّ القضاء على المقاومة لن يستغرق سوى أسابيع معدودة، تكون بعدها الطريق ممهّدةً للسلطة الفلسطينية للعودة إلى غزّة، زاعمة إنها بهذا الموقف تحمي الضفة الغربية من إبادة تماثل ما يحدث في القطاع؛ غير مدركة أبعاد معركة كبرى أخرى تجري في الضفة لاستكمال ضمّها وتهجير سكّانها، بل لإنهاء السلطة ذاتها، وتحويل الضفة إلى مجموعة من الجزر المنفصلة، ولا لحجم التنازلات المجانية المطلوبة منها. وبلغت ذروة ذلك في تعهدات الرئيس التي قدّمها للمجتمع الغربي، والمتمثّلة بتعديل قانون الانتخابات، إذ لن يُسمح بالترشّح للانتخابات، بمختلف أشكالها، للمجلس الوطني أو حتى للبلديات المحلية، إلا لمن يلتزم باتفاقيات القيادة الحالية وتعهداتها وبرامجها. وهو ما يتنافى مع أبسط أشكال الديمقراطية والحرية، ويخالف المبدأ الأساس في منظمة التحرير الفلسطينية بأنّ كل فلسطيني عضو طبيعي فيها، كما يجعل الانتخابات محصورةً في فريق سياسي واحد يعترف بحق إسرائيل في الوجود، ويوافق على ما عُقد معها من اتفاقات، ويمنع أيَّ محاولة لتغييرها أو المساس بها. وهو ما لم نشهده حتى في الدول التي وقّعت اتفاقات ومعاهدات سلام مع إسرائيل، إذ لا يفرض القانون الأردني أو المصري على أيّ مرشّح أن يعلن تأييده لهذه المعاهدات، أو أن يمتنع عن نقدها أو محاولة تغييرها. ويُضاف إلى ذلك تعهدات أخرى بتحويل الأسرى والشهداء إلى حالات اجتماعية، والموافقة على تعديل المناهج الدراسية، وما يتضمّنه ذلك من نكران لروايتنا وسرديتنا وحقوقنا التاريخية.
بعد 61 عاماً من انطلاقتها، يبدو أن قيادة الحركة الرائدة (فتح) تتجه نحو مسار آخر يناقض ما انطلقت لأجله وما سعت إليه عبر مسيرتها الطويلة. وما يحدث الآن أكثر خطورةً من إعلان نهاية مرحلة وإجهاض ثورة؛ فهو يمسّ الفكرة ذاتها، حتّى لا تولّد ثورة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى