حلب بين الجغرافيا والهوية.. كيف تصوغ الحرب ملامح الذاكرة الجمعية؟ 

حمدان العكله

عندما تمتدُّ الحروب لسنوات طويلة، يتجاوز الخراب حدود الأبنية والشوارع ليصل إلى البنية العميقة للذاكرة الجمعية، في تلك المساحة الصامتة التي تتشكَّل فيها معاني الانتماء وصيغ العيش المشترك، يبدأ الشرخ الأعمق، فحين يتفكَّك التوافق الضمني حول ما يجمع سكان المدينة تصاب في جوهرها، ويبدأ أفرادها بتعريف ذواتهم ومحيطهم وحدود علاقتهم بالآخرين، عندها تفقد الأمكنة ألفتها، وتتآكل الروابط، ويتحوُّل التعايش من ممارسة يومية طبيعية إلى تجربة مثقلة بالهشاشة والقلق.
في معظم المدن السورية تزعزعت الذاكرة الجمعية المشتركة لأفرادها، وتقدَّمت حلب إلى الواجهة بوصفها واحدة من أقدم حواضر التاريخ الإنساني، في هذه المدينة التي غيَّرت الحرب ملامحها العمرانية وأعادت تشكيل وعيها على مستوى أعمق، تبدَّلت علاقة السكان بالمكان، وتحوَّلت الشوارع والأحياء إلى حوامل لتجارب الفقد والانكسار.
وفي المرحلة الأخيرة، كشفت التحوّلات التي شهدتها حلب عن مدينة تحاول إعادة تعريف ذاتها وسط تراكم الخسارات، فهي مدينة عالقة بين إرث قريب مثقل بالألم، ومحاولات غير مستقرة لإعادة بناء الانتماء داخلها.
أولاً- حلب قبل الحرب.. هوية تشكَّلت من التعايش:
قبل الحرب، لم تكن حلب مجرد مدينة مكتظة بالسكان أو تجمعاً عمرانياً واسعاً، بل كانت حالة وجود اجتماعية متكاملة، تشكَّلت عبر قرون من التفاعل الإنساني المتواصل، فقد نسجت المدينة نسيجها الخاص من تداخل طويل الأمد بين جماعات مختلفة إثنياً وثقافياً ودينياً، تشاركت تفاصيل الحياة اليومية في الأسواق والأحياء وأماكن العبادة، وفي إيقاع العمل والعلاقات الاجتماعية، وكان هذا التعايش جزءاً من البنية الطبيعية للمدينة، لا استثناءً فيها، كما كان هذا الاختلاف عنصراً مألوفاً ينأى عن منطق الصراع أو الإقصاء.
تكوَّنت هذه الهوية نتيجة تراكم طويل من التفاعل الإنساني، لعب فيه المكان نفسه دوراً حاسماً، فالأحياء القديمة، بما تحمله من ذاكرة جماعية، والأسواق التي شكَّلت فضاءات لقاء يومي، والعلاقات العائلية الممتدة..
فالهوية الحلبية لم تكن يوماً هوية مغلقة أو أحادية، فهي هوية مرنة قادرة على استيعاب التنوع وتحويله إلى مصدر غنى اجتماعي، فقد تعلَّم الناس، بحكم العيش المشترك وطول التجربة، أنَّ الاختلاف لا ينفي الانتماء، وأن المدينة تتَّسع للجميع من دون أن تطلب من سكانها التخلِّي عن خصوصياتهم، ممَّا منح سكانها شعوراً بأنهم جزء من كيان أوسع يتجاوز الانقسامات الظاهرة.
فقد تكوَّنت هذه الهوية نتيجة تراكم طويل من التفاعل الإنساني، لعب فيه المكان نفسه دوراً حاسماً، فالأحياء القديمة، بما تحمله من ذاكرة جماعية، والأسواق التي شكَّلت فضاءات لقاء يومي، والعلاقات العائلية الممتدة، إضافة إلى النخب الثقافية والاقتصادية، جميعها أسهمت في ترسيخ شعور جمعي بأنَّ المدينة بيت واحد لسكَّانها، بيت لا يعترف بالتصنيف الهوياتي، وهو ما منحها تماسكها الداخلي وقدرتها على احتواء تناقضاتها.
ثانياً- الحرب بوصفها أداة لإعادة تشكيل الهوية:
مع امتداد الحرب وتحولها إلى واقع يومي طويل الأمد، بدأت الصورة المتماسكة للمدينة بالتصدُّع تدريجياً، إذ لم تعد الجغرافيا حيزاً طبيعياً للعيش المشترك، فقد تحوَّلت شيئاً فشيئاً إلى مساحة مشحونة بالدلالات والانقسامات، حيث تغيَّرت طريقة إدراك السكان لأحيائهم، ولم يعد المكان محايداً في الوعي الجمعي، بل بات محمَّلاً بمعانٍ متناقضة تتعلَّق بالأمان والخطر، والانتماء والتهديد، والحضور والغياب.
وبذلك تحوَّلت الأحياء من امتدادات عمرانية متجاورة إلى وحدات نفسية واجتماعية منفصلة، لكل منها سرديتها الخاصة وتجربتها المختلفة مع الحرب، فالمكان الذي كان يُعرَّف بذاكرته المشتركة، أصبح يُعرَّف بدرجة المخاطرة المرتبطة به، وبالحدود غير المرئية التي تفصل بين الناس داخل المدينة الواحدة، وهكذا، تحوَّلت الجغرافيا من إطار جامع إلى عنصر فاعل في إنتاج الانقسام داخل الوعي الاجتماعي.
لقد أعادت الحرب تشكيل بنية العلاقات الاجتماعية ذاتها. فغيَّرت مفاهيم الجوار، حين أصبح الحذر جزءاً من التعامل اليومي بدل الثقة، وتراجعت الروابط التي كانت تقوم على الاعتياد والمشاركة لصالح علاقات أكثر انكفاءً.
وبذلك لم تعد المدينة فضاءً للاندماج، حيث تحوَّلت الأحياء من أماكن للعيش المشترك إلى علامات على اختلاف المصير، تحمل كل منها ثقل تجربة خاصة، وتعيد إنتاج صورة المدينة بوصفها مجموع مساحات متجاورة، هذا التحوُّل العميق في الوعي بالمكان كان من أخطر ما أنتجته الحرب، لأنَّه أصاب الأساس غير المرئي الذي كانت تقوم عليه فكرة المدينة ذاتها.
ثالثاً- الأشرفية والشيخ مقصود.. الذاكرة في مواجهة التحوّل:
في هذا المشهد، لا تبدو التحوّلات التي تشهدها الأشرفية والشيخ مقصود مجرَّد تغيرات في السيطرة أو في شكل الإدارة، بقدر ما تعكس صراعاً أعمق في الذاكرة الجمعية، فالسردية المحلية التي تبلورت في هذين الحيَّين عبر سنوات من العزلة النسبية لم تنشأ كخطاب سياسي فقط، وإنما كخبرة معيشة تراكمت في تفاصيل الحياة اليومية، وفي أساليب التنظيم الذاتي، وفي أنماط التضامن التي فرضتها الضرورة، هذه السردية صاغت فهماً خاصاً للمدينة وللعلاقة معها.
تغدو إعادة بناء حلب مساراً يتخطَّى إصلاح العمران وعودة المؤسسات إلى وظائفها السابقة، ليمتد إلى إعادة ترميم ما تصدَّع في وعي المدينة وسكانها، فالتسوية العميقة تنطلق من الإقرار بتعدُّد الخبرات التي عاشها أهلها..
في المقابل، تتقدَّم سردية أوسع تسعى إلى احتواء هذه الخبرة ضمن إطار جامع يعيد ترتيب المدينة وفق تصور واحد وهوية واحدة، ما يولِّد توتراً مستمراً بين ذاكرة نابعة من التجربة المباشرة، وذاكرة يعاد إنتاجها.
وبين هاتين السرديتين، تقف الذاكرة الجمعية لسكان حلب بوصفها الساحة الحقيقية لهذا التفاعل، حيث يكمن التحدي في إعادة وصل ما انقطع بين الناس والمكان.
ومن هنا، تغدو إعادة بناء حلب مساراً يتخطَّى إصلاح العمران وعودة المؤسسات إلى وظائفها السابقة، ليمتد إلى إعادة ترميم ما تصدَّع في وعي المدينة وسكانها، فالتسوية العميقة تنطلق من الإقرار بتعدُّد الخبرات التي عاشها أهلها، ومن القدرة على جمعها داخل ذاكرة جامعة لا تتجاهل الألم ولا تعيد تدويره، وإنما تتعامل معه بوصفه أساساً للفهم والتجاوز.
هذه العملية شديدة التعقيد وطويلة الأمد، لا تتحقَّق عبر قرارات إدارية أو سياسية، وإنما عبر الزمن، وفتح مساحات للحوار، وتشكُّل سرديات جديدة قادرة على استعادة تماسك المدينة من الداخل.
ختاماً، تقف حلب اليوم عند مسافة فاصلة بينها وبين صورتها السابقة في وعي سكانها، من دون أن تستنفد قدرتها على الاستمرار، فحلب مدينة في طور إعادة تكوين سرديتها على إيقاع التحوُّلات العميقة التي فرضتها سنوات الحرب، وما رافقها من انكسارات في التجربة اليومية وتبدُّل في أنماط العيش والعلاقات، فالمدن الكبرى لا تُمحى بانهيار عمرانها، ويظل احتمال النهوض قائماً فيها؛ إذ ما تزال الأحياء التي أرهقتها الحرب تختزن في طبقاتها العميقة آثار الحياة السابقة، وحتى الذاكرة الجمعية، مهما أصابها التشقق، تحتفظ بطاقة كامنة على إعادة التشكل، شريطة توافر إرادة واعية لفهم التجارب المتعددة وفتح أفق لتعايش جديد داخل المدينة الواحدة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى