
دخلت سوريا عام 2026 مرحلة سياسية جديدة، لا يمكن قراءتها كقطيعة نهائية مع الماضي ولا كاستمرارية مقنّعة له، بل كمسار انتقالي معقّد بين نظام انتهى وبنية دولة لم تكتمل بعد.
هذه المرحلة بحكم طبيعتها، تختبر قدرة الفاعلين السياسيين على تحقيق توازن دقيق بين مطلب التغيير وضرورة الاستقرار، وبين الطموح السياسي والقيود الواقعية، ما يجعل توصيفها شرطاً أولياً لفهم مساراتها.
وفي هذا الإطار يمكن توصيف المرحلة بثلاث سمات أساسية: انتقالية بطبيعتها، عالية الحساسية، وتتطلب إدارة واعية للتوازن بين القطيعة والاستمرارية.
إن إدارة الانتقال تتطلب التركيز على ثلاث أولويات مترابطة: تثبيت الاستقرار، منع الفوضى السياسية، وتنظيم وتيرة التغيير.
وتشير التجارب المقارنة في الدول الخارجة من نزاعات ممتدة إلى أن إخفاق المراحل الانتقالية لا يرتبط غالباً بغياب الإرادة السياسية، بل بسوء تقدير حدود الممكن السياسي، فالدولة المُنهكة لا تحتمل قرارات كبرى متسارعة، ولا تغييرات تتجاوز قدرة مؤسساتها ومجتمعها على الاستيعاب، ما يجعل الواقعية السياسية شرطاً للنجاح، لا تناقضاً مع فكرة الإصلاح.
من هنا يصبح استحضار التجارب المقارنة ضرورياً لفهم ثلاث مسائل مترابطة: خطورة تجاهل الممكن، مركزية الواقعية، وأهمية التدرج في التغيير.
في الحالة السورية يتضاعف هذا التحدي بفعل تداخل العوامل الداخلية والإقليمية والدولية، حيث ما تزال المؤسسات بحاجة إلى إعادة بناء وظيفي ومعنوي، كما أن الثقة بين الدولة والمجتمع تعرضت لتآكل عميق خلال سنوات الصراع، وعليه فإن إعادة الاعتبار لفكرة الدولة كإطار جامع لا يمكن أن تتحقق عبر الخطاب وحده، بل عبر سياسات عامة تعالج أسباب الانقسام لا مظاهره.
وهنا تبرز ثلاثة تحديات بنيوية لا يمكن تجاوزها بالخطاب: هشاشة المؤسسات، أزمة الثقة العامة، والحاجة إلى إعادة تعريف دور الدولة.
وانطلاقاً من ذلك، لا ينبغي قياس نجاح المرحلة الانتقالية بسرعة القرارات أو كثافة المبادرات، بل بقدرتها على منع الانتكاس وإعادة إنتاج الاستقرار التدريجي، فالتغيير غير المنضبط، حتى عندما يُطرح تحت عناوين إصلاحية، قد يتحول إلى مصدر توتر جديد، ما يجعل ضبط الإيقاع السياسي مهمة مركزية في هذه المرحلة.
وعليه، فإن إدارة الانتقال تتطلب التركيز على ثلاث أولويات مترابطة: تثبيت الاستقرار، منع الفوضى السياسية، وتنظيم وتيرة التغيير.
ويُعد ملف العدالة الانتقالية مثالاً بالغ الحساسية على هذا التوازن المطلوب، إذ لا يمكن التعامل معه بوصفه مطلباً أخلاقياً مجرداً ولا أداة سياسية آنية، فالعدالة، لكي تكون عامل استقرار، يجب أن تُبنى ضمن إطار قانوني ومجتمعي يوازن بين حق الضحايا في الإنصاف وحق المجتمع في السلم الأهلي، بعيداً عن منطق الانتقام أو النسيان.
وفي هذا السياق، تتحدد العدالة الانتقالية بثلاثة أبعاد متلازمة: كشف الحقيقة، جبر الضرر، وضمان عدم التكرار.
ولا يختلف الإصلاح السياسي والدستوري في طبيعته عن هذا المنطق، فالدساتير في المراحل الانتقالية ليست نصوصاً تقنية معزولة عن الواقع، بل تعبيراً عن توازنات اجتماعية وسياسية يجب أن تكون قابلة للحياة، والتجربة تؤكد أن فرض نصوص متقدمة من دون توافق كافٍ قد يؤدي إلى تعطيلها أو فقدانها للشرعية، ما يجعل التدرج والحوار الواسع خيارين عقلانيين.
ومن هنا يرتكز الإصلاح الدستوري الناجح على ثلاث ركائز أساسية: التوافق المجتمعي، القابلية للتطبيق، والتدرج في التنفيذ.
اقتصادياً، يفرض الممكن السياسي الانتقال من منطق اقتصاد الأزمة إلى منطق اقتصاد الدولة، حيث تصبح السياسات المعيشية والخدمية جزءاً لا يتجزأ من عملية الانتقال نفسها، فاستعادة ثقة المجتمع لا تتحقق بالخطاب السياسي وحده، بل بقدرة الدولة على تقديم مؤشرات ملموسة على تحسن حياة المواطنين.
تمثل المرحلة الانتقالية في سوريا اختباراً لإدارة التعقيد لا لإطلاق الوعود، فالنجاح فيها مرهون بفهم دقيق لحدود الممكن السياسي، وبالعمل المنهجي على توسيع هذه الحدود تدريجياً عبر بناء مؤسسات فاعلة، وتعزيز الثقة المجتمعية، وصياغة سياسات قابلة للاستمرار.
وعليه تتحدد أولويات المرحلة الاقتصادية بثلاثة مسارات واضحة: الاستقرار المعيشي، تحريك الإنتاج، وتحسين الخدمات الأساسية.
أما في السياسة الخارجية، فإن المرحلة الانتقالية تفرض خطاباً متوازناً وممارسة واقعية، فاستعادة القرار الوطني لا تعني القطيعة مع الخارج ولا الارتهان له، بل بناء علاقات قائمة على المصالح المتبادلة، والانتقال من موقع الساحة إلى موقع الشريك يتطلب وقتاً وإدارة دقيقة للعلاقات الإقليمية والدولية.
وفي هذا الإطار، تقوم السياسة الخارجية المتوازنة على ثلاث قواعد: الندية، تنويع الشراكات، وتغليب المصلحة الوطنية.
وفي المقابل لا يجوز استخدام مفهوم حدود الممكن السياسي لتبرير الجمود أو إعادة إنتاج أنماط حكم تجاوزها الزمن، فالواقعية السياسية لا تعني الاستسلام، بل إدارة التغيير بوعي ومسؤولية، وفي كثير من الأحيان، تكمن الشجاعة السياسية في تأجيل بعض الملفات الخلافية إلى حين نضوج شروطها، لا في فرضها قسراً.
وهنا يصبح التمييز ضرورياً بين ثلاثة مفاهيم: الواقعية، التدرج، والتباطؤ المتعمّد.
في المحصلة، تمثل المرحلة الانتقالية في سوريا اختباراً لإدارة التعقيد لا لإطلاق الوعود، فالنجاح فيها مرهون بفهم دقيق لحدود الممكن السياسي، وبالعمل المنهجي على توسيع هذه الحدود تدريجياً عبر بناء مؤسسات فاعلة، وتعزيز الثقة المجتمعية، وصياغة سياسات قابلة للاستمرار.
وعليه، يمكن تلخيص شروط الانتقال الناجح بثلاثة عناصر مترابطة: دولة فاعلة، مجتمع متماسك، وسياسة واقعية قابلة للاستدامة.
المصدر: تلفزيون سوريا






