جمهور السلطة.. ليس في الجيب إلى الأبد

عدنان علي

من غير كبير جهد، يمكن للمراقب المحايد أن يلاحظ أن قسماً كبيراً من الجمهور المحسوب على السلطة في دمشق غير راضٍ تماماً عن أدائها، ويعبّر في كثير من الأحيان عن خيبة أمل واضحة تجاهها. هذا الجمهور يرى أن السلطة تتهاون في حقوقه، وتتعامل معه على أساس أنه “في الجيب”، أي إنه جمهور مضمون الولاء، ولا يشكّل مصدر قلق حقيقي، بخلاف الأطراف الأخرى التي تبدي السلطة تجاهها حرصاً أكبر وحساسية أعلى، وتعمل جاهدة لإرضائها، خصوصاً حين يكون للحدث الداخلي امتدادات خارجية.
ويُعدّ ملف العدالة الانتقالية من أبرز أسباب هذا السخط. فبعد أكثر من عام على اندحار نظام بشار الأسد، لم يصدر أي حكم قضائي بحق أي من رموز النظام السابق، ولم تُسجَّل حتى الآن محاكمات جدية بحق المسؤولين المباشرين عن القصف أو القتل تحت التعذيب. بل إن أي شخصية وازنة شاركت في إصدار أو تنفيذ أوامر القتل والتدمير لم تُعتقل حتى اللحظة، في حين اعتبره بعضهم أنه يندرج في إطار سياسة ممنهجة تغلب فيها السلطة اعتبارات تثبيت حكمها سياسياً وأمنياً على حساب إحقاق العدالة.
يبرز هنا مثال الجزيرة السورية، حيث يسود شعور واسع بأن الحكومة تخلّت عن السكان وتركت مناطقهم تحت سيطرة قوات “قسد”، من دون تقديم أي توضيحات حول مسار المفاوضات، أو أسباب تعثّرها، أو طرح رؤية واضحة لمعالجة هذا الملف المعقّد.
وقد تُرجمت هذه المقاربة عملياً بسياسة متساهلة مع “فلول” النظام السابق، بدأت فعلياً مع الشعار الشهير: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، ما أتاح لآلاف المتورطين في جرائم جسيمة الفرار، قبل أن يعود بعضهم لاحقاً لممارسة أدوار تخريبية، وصلت حد التآمر على السلطة نفسها.
الملف الثاني الذي يفاقم غضب جمهور السلطة يتمثل في الإهمال الخدمي الواضح لمناطقهم، ولا سيما تلك التي تعرّضت للتدمير بفعل قصف النظام السابق. فحتى اليوم، لم تُبذل جهود كافية لإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية، أو حتى لرفع الأنقاض في بعض المناطق المهدمة بدرجة كبيرة، وتأمين الحد الأدنى من الخدمات التي تمكّن السكان من العودة إلى حياتهم الطبيعية. في المقابل، يشعر هذا الجمهور بأن السلطة أبدت سخاءً أكبر في دعم مناطق لم تشارك أصلاً في الثورة ولم تتعرض تالياً للتدمير، ما عزّز الإحساس بالتمييز وغياب العدالة في توزيع الموارد.
أما السبب الثالث، فيتعلق بإهمال مطالب ومخاوف سكان المناطق الواقعة على تماس مع قوى محلية أو خارجية مناهضة للسلطة. ويبرز هنا مثال الجزيرة السورية، حيث يسود شعور واسع بأن الحكومة تخلّت عن السكان وتركت مناطقهم تحت سيطرة قوات “قسد”، من دون تقديم أي توضيحات حول مسار المفاوضات، أو أسباب تعثّرها، أو طرح رؤية واضحة لمعالجة هذا الملف المعقّد.
ويرى مراقبون أن الدعم الظاهري الذي ما يزال هذا الجمهور يقدّمه للسلطة يعود بالأساس إلى وجود تهديدات حقيقية لها، سواء من قوى داخلية أم أطراف خارجية.
ولا يختلف الوضع كثيراً في القنيطرة والجنوب السوري، حيث يشعر الأهالي بأنهم تُركوا في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة من دون أي دعم يُذكر، لا خدمياً ولا حتى معنوياً. فلم يقم أي مسؤول حكومي رفيع بزيارة هذه المناطق، كما لم تبادر السلطة إلى شرح موقفها للأهالي، أو توضيح ما إذا كانت تبذل فعلياً ما يلزم لحماية السكان وممتلكاتهم.
ويرى مراقبون أن الدعم الظاهري الذي ما يزال هذا الجمهور يقدّمه للسلطة يعود بالأساس إلى وجود تهديدات حقيقية لها، سواء من قوى داخلية أم أطراف خارجية. غير أن هؤلاء يعتقدون أيضاً أن هذا الدعم قابل للتآكل سريعاً حالما تنحسر هذه التهديدات، ويتم التوصل إلى تفاهمات داخلية، سواء في السويداء أم الساحل أم مع “قسد”، إضافة إلى تراجع مستوى الخطر الإسرائيلي. عندها، يُرجَّح أن ترتفع أصوات المعارضة من داخل جمهور السلطة نفسه، لا سيما في ظل خيبة الآمال الكبيرة التي أعقبت سقوط النظام، مقابل ما يراه كثيرون استئثاراً للمقرّبين والمنظّمين بالوظائف والامتيازات.
وبصورة عامة، لا يزال دعم “جمهور السنة” للسلطة مشدوداً، إلى حدّ ما، بعصب طائفي يؤجّل بروز التباينات السياسية الحقيقية. لكن هذه التباينات ستظهر عاجلاً أم آجلاً مع تنفيس الاحتقانات الداخلية، وفتح المجال العام أمام العمل السياسي المنظّم، عبر تشكيل الأحزاب وظهور إعلام حرّ ومستقل. عندها فقط، يمكن أن ينتقل النقاش العام من مداره الطائفي الضيق إلى فضاء تنافسي صحي، قائم على البرامج والمشاريع السياسية، وبعيداً عن الحسابات الطائفية والمناطقية، في طريق بناء دولة جامعة لكل مواطنيها.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى