سقط الأسد ولم يتوقّف القتل في سورية

عمر الشيخ

“أوقفوا القتل… نريد أن نبني وطناً لكلّ السوريين”… كانت هذه الجملة في الأشهر الأولى من الثورة السورية تعريفاً مختصراً لما أراده السوريون، وهو وقف ماكينة القتل، كي يبدأ الحديث عن دولةٍ طبيعية، وعن سياسةٍ ممكنة، وعن حياةٍ لا تُدار بالاستعباد. ثم جاءت السنوات التي صادرت فيها السلطة السياسة وأغلقت المجال العام، فتقدّم السلاح على اللغة، وضاقت إمكانات المشاركة تحت ضغط منطق القوة. استُدعي العنف تحت عناوين كثيرة؛ دفاعاً عن النفس، ورفضاً لما لا يُحتمل، وحيناً بوصفه المنفذ الوحيد في ساحةٍ مسدودة. ومع الزمن اتسعت الفجوة بين النيّة الأولى والوقائع، وصار مطلب “أوقفوا القتل” أسير مواجهةٍ طويلة مع القتل نفسه، ومع منظومةٍ جعلت الدم أداة إدارة وترهيب.
المشكلة أنّ المنظومة التي حكمت سورية لم تُعامِل العنف استثناءً طارئاً كان جزءاً من طريقة الحكم نفسها. صار العنف خطاباً وقراراً ومؤسّسةً وعادةً تتسرّب إلى المجتمع، وتمتدّ من الثكنة إلى المدرسة، ومن الدائرة الرسمية إلى أدقّ تفاصيل العلاقة بين المواطن والدولة. وحتى الفضاءات التي كان يُفترض أن تحمي معنى المدنيّة (منظّمات غير ربحية وجمعيات ونخب محلّية) انزلقت إلى صمتٍ طويل؛ صمتٌ فرضه الخوف أحياناً، وصمتٌ صاغته القناعة أحياناً، ثم تحوّل الصمت إلى شكلٍ من الطاعة العامة التي تربّت عليها أجيال؛ التنفيذ أولاً، والاعتراض لاحقاً، إن سُمح له أن يُولد.
سقط الأسد وتراجعت الذريعة التي تستخدم لتبرير القمع والعسكرة واحتكار الحقيقة وتخوين المجتمع
لهذا تبدو كلفة استمرار العنف بعد سقوط الأسد أعلى ممّا يتخيّل كثيرون. ما سقط هو رأس النظام، أمّا ثقافة الطغيان فقد تركت أثرها في اللغة والمؤسّسات والسلوك اليومي، وتركَت أدواتها مبعثرة في المجتمع. في مرحلة كهذه يصبح العنف قابلاً للاستخدام سلاحاً لتفكيك السلم الأهلي، وفرصةً تُدار في الظلّ لصالح قوى غير وطنية لا ترى في سورية أكثر من ساحة اختبارٍ دائمة لمصالحها ونفوذها.
تغيّر المشهد اليوم جذرياً؛ سقط الأسد منذ عام، وتراجعت الذريعة الكبرى التي ظلّت تُستخدم لتبرير القمع والعسكرة واحتكار الحقيقة وتخوين المجتمع. هنا يبدأ امتحانٌ مختلف؛ ماذا يفعل العنف حين يفقد راعيه المركزي؟ وكيف يُقرأ استمرار الدم في زمنٍ يُفترض أنه زمن انتقالٍ وبناء؟ ولأن الإجابة لا تُكتب بالاستنتاجات وحدها، بل بما تتركه الوقائع على الأرض، تكفي حادثتان حديثتان لالتقاط معنى هذه اللحظة. في الجمعة 26 ديسمبر/ كانون الأول 2025، ضرب انفجار مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حمص في أثناء صلاة الجمعة، قُتل ثمانية وأُصيب 18، ورجّحت روايات رسمية أن التفجير ناجم من عبوات ناسفة مزروعة داخل المسجد. في مثل هذه الساعات، يرتفع الخوف أسرع من المعلومة، وتسبق الإشاعة التحقيق، ويُدفَع الناس نحو تفسيرٍ طائفيٍّ جاهز. ما تحتاج إليه البلاد هنا تحقيق مهني واضح، وخطاب منضبط، وطمأنة لا تُشبه الدعاية. وقبل ذلك بنحو ستة أشهر، في 22 يونيو/ حزيران 2025، اهتزّت دمشق على تفجير كنيسة مار إلياس في الدويلعة. مهاجم أطلق النار ثم فجّر سترةً ناسفةً داخل الكنيسة وهي ممتلئة بالمصلّين، فسقط نحو 25 قتيلاً وعشرات الجرحى. قالت السلطات بعد الهجوم إنه من تدبير خلية مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتحدّثت عن أنها كانت تخطّط أيضاً لاستهداف مزار شيعي. وفي الخلفية، ظلّت ادّعاءات متداولة خارج الرواية الرسمية تزيد الالتباس، وتُعمّق شعوراً عاماً بأن الأمن يلاحق الحوادث أكثر مما يسبقها. تقول هاتان الضربتان شيئاً واحداً: العنف بعد الأسد صار سؤال الدولة نفسه.
بين حمص ودمشق، وبين مسجدٍ وكنيسة، تبرز أسئلةُ الدولة الانتقالية بحدّة: أين تقف منظومة الإنذار المبكّر؟ ما الذي تغيّر فعلاً في عمل الأجهزة بعد زوال “العدو القديم” الذي ابتلع البلد طويلاً وشرعن القمع باسم الخطر الدائم؟ وكيف يمكن الحديث عن انتقالٍ سياسيّ فيما تُترك الثغراتُ مفتوحةً أمام استهدافٍ يضرب السلم الأهلي مباشرة؟ ليست العدالة الانتقالية غائبة فحسب؛ غيابها يُضعف المعنى الأمني نفسه. وعندما تُستبدل العدالة بحساباتٍ شخصية، أو يتّسع الاقتصاد الأسود والفلتان على حساب القانون، يصبح المجتمع أكثر قابليةً للاشتعال، وتصبح الجريمة أكثر قدرةً على المبادرة من الدولة. هذه الضربات تجرّح الثقة وتضغط على الأعصاب المشتركة بين الناس، وتختبر قدرة الدولة الناشئة على حماية المدنيين وضبط الفضاء العام. لذلك لا يجوز التعامل معها ملفاً أمنياً معزولاً. السياسة هنا معناها العملي؛ حماية المدنيين، تحقيق مهني شفّاف، خطاب مسؤول يمنع الانزلاق إلى شيطنةٍ جماعية، ثم محاسبة تظلّ داخل القانون ولا تتحوّل إلى ثأرٍ أهلي، لأن الثأر الأهلي بابٌ يصعب إغلاقه.
تعرف البلاد جيّداً كيف تبدأ الدوامة؛ جريمةٌ تُقرأ طائفياً، غضبٌ يتقدّم قبل العقل، مجموعات تتقدّم لتبيع “الحماية”، ثم تتكاثر الحواجز في الوعي قبل أن تظهر في الأرض. وفي سورية التي أُديرت طويلاً بالظلّ والولاء، يلتقط العنف سريعاً من أطرافٍ لا علاقة لها بمشروع دولة، بل بمشاريع نفوذٍ صغيرة تتغذّى من الفراغ وضعف الثقة. هنا تعمل قوى سرّية على دفع الانتقال نحو فوضى مستدامة؛ بقايا شبكات قديمة تنتظر لحظة ارتباك، متشدّدون يرون في الانقسام طريقاً، ومصالح إقليمية تعرف كيف تضغط على الشقوق كي تتسع. ويبقى المجتمع أمام امتحانٍ قاسٍ: كيف يسحب منهم مادّة الاشتعال، وكيف يمنع لحظة الانفجار التي يتغذّون عليها من أن تتحوّل إلى عادة؟ هنا تستعيد الجملة الأولى معناها كاملاً. “أوقفوا القتل” لم تعد خطاباً موجّهاً إلى نظام بعينه؛ صارت معياراً يحكم سلوكنا جميعاً في زمن ما بعد الأسد. العنف في هذه المرحلة يضعف السياسة، يغري الأكثر تطرّفاً، يجرّ الخلاف إلى خصومة، ويحوّل الخصومة إلى ثأر. وحين يعتاد الناس هذا الإيقاع، يصبح التعايش إنجازاً هشاً، وتصبح الدولة مجرّد اسمٍ فوق واقعٍ تتنازعه القوى.
المأساة أن السوريين يدفعون الفاتورة نفسها مرّةً أخرى؛ من جيوبهم وعرقهم وخوفهم وأرواح أولادهم. والإنهاك العام يجعل الانفعال أسهل من الفعل، فتعلو الشتائم وتنتشر اليقينيات الرخيصة، بينما يتراجع الحديث عن التنظيم والعمل السياسي. تقول التجربة شيئاً واضحاً: الانفعال وحده لا يحمي مدينة، ولا يمنع تفجيراً، ولا يوقف تحريضاً. ما يغيّر هو السياسة بمعناها العملي: قوى مدنية قادرة على الضغط، إعلام مهني لا يتحوّل إلى بوق، مجتمع محلّي يعرف كيف يطفئ الشرارة، ومؤسّسات تُبنى على القانون لا على العصبية. وفي قلب هذا المعنى تأتي الذاكرة بوصفها جزءاً من شروط السياسة، لا هامشاً لها. ما ينبغي أن يُتداول عن الأسد وعائلته، مثلاً، ليس اليوميات ولا التفاهات التي تُستهلك ترفيهاً، بل الجرائم نفسها: توثيقها، أسماء الضحايا، المقابر الجماعية، ومسارات المحاسبة الممكنة. بلدٌ يخفّف من ثقل ذاكرته سريعاً يسهّل على الجريمة أن تغيّر جلدها وتعود، وبلدٌ يخلط بين المحاسبة وبين الانتقام يفتح باباً جديداً للقتل، هذه المرّة باسم الضحايا أنفسهم.
يجعل الانهاكُ العامُّ الانفعالَ أسهل من الفعل، فيتراجع الحديث عن التنظيم والعمل السياسي
حتى التربية تدخل هنا، لأنها تُصنع في زمن القمع وتظهر نتائجها في زمن الانتقال. العنف الذي تربّى عليه السوريون في البيت والمدرسة والمؤسّسة يورّث خوفاً مزمناً، ويُضعف الثقة، ويُطبّع الإهانة. الصرامة يمكن أن تكون تربيةً ومسؤوليةً وحدوداً واضحة، أمّا العنف فيصنع شخصاً إمّا مكسوراً وإمّا قابلاً للانفجار. وفي بلدٍ يحاول الخروج من الاستبداد، لا تُبنى الدولة بإنسانٍ مُهان، ولا يُحمى المجتمع بثقافةٍ تبرّر الإذلال. الخيط الذي يجمع ما سبق بسيط؛ سقوط الأسد أنهى ذريعةً كاملة، وترك السوريين أمام مسؤوليةٍ كبيرة. هذه المسؤولية تبدأ بإيقاف العنف منطقاً لإدارة الخلاف، وبإعادة الصراع إلى السياسة؛ إلى قانونٍ يعلو، ومؤسّساتٍ تُحاسب، ومجالٍ عامّ يُدار بالعقل والوعي لا بالتحريض والكراهية. حينها فقط يمكن أن تُغلق الثغرات التي تعيش منها القوى الغامضة مثل “أنصار السُّنة”، وتُحرم من تحويل البلاد إلى ملعبٍ دائم للانفجار.
“أوقفوا القتل… نريد أن نبني وطناً لكل السوريين”… من حق السوري أن يحلم وأن يغضب وأن يطالب بالعدالة حقيقية. وما يتبقّى عليه، كي لا يضيع المعنى، أن يحرس فكرة العيش المشترك من الابتزاز، وأن يختار السياسة طريقاً وحيداً؛ لأن سورية التي خرجت من طاغية لا تحتمل عودة الدم لغة حكم، ولا تحتمل أن يُستعاد الاستبداد بأسماءٍ جديدة.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى