بلطجة القوة الأميركية تضرب كل الأعراف والقوانين الدولية

محمد علي صايغ

فنزويلا وما جرى فيها بما يسمى “العملية النوعية ” كما روجت لها وسائل الإعلام الأمريكية ، أو كما أطلق عليها الرئيس الأمريكي ترامب ” بالعملية الاستثنائية ” ، تشكل مثالاً صارخا للتحول الذي يجري دولياً والذي كان يقوم أساساً على القوة واستخدام القوة لفرض الشروط مع مراعاة بعض المظاهر المتعلقة بسيادة الدول وأحياناً الالتفاف على مفهوم السيادة بطرق مختلفة لتبرير استخدام القوة ، لكن عام ٢٠٢٦ كما يبدو سيدخل في العلاقات الدولية من باب ” بلطجة القوة ” دون أي اعتبار للدبلوماسية الدولية أو القانون الدولي أو أي شكل من أشكال الاحترام الشكلي للدول وأنظمة الحكم فيها .. ما جرى في ” فنزويلا ” هو تجسيد حي للتحول إلى البلطجة الأمريكية وفرضها على من لا يزعن للمصالح الأمريكية وشروطها ، فكان الغزو الأمريكي لفنزويلا واعتقال رئيسها ” مادورو ” وزوجته بعد تدمير منشٱت تحتية وعسكرية حيوية ، تجاوزاً ولو من حيث الشكل للدول الكبرى وللأمم المتحدة ومنظومتها الدولية ، وكأننا اليوم في القرن الواحد والعشرين أمام ” كابوي جديد ” يتجاوز كل الأعراف والتقاليد والقوانين الدولية نحو تغيير أنظمة الحكم بالقوة لفرض المصالح الأمريكية فرضاً .
وأهمية فنزويلا تكمن في موقعها الجيوسياسي لقربها من السواحل والممرات البحرية الأمريكية الحيوية وفي موقع استراتيجي في حوض الكاريبي ،  وتمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم يقدر بنحو 303 مليار برميل أي ما يعادل تقريباً 20% من الاحتياطي العالمي كما تملك احتياطي غاز طبيعي يتجاوز 200 ترليون قدم مكعب إضافة إلى الموارد المعدنية والغذائية الأخرى . ولذلك أكد الرئيس ترامب بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي بأن ” كبرى الشركات البترولية الأمريكية  ستنزرع في فنزويلا وستقوم باستغلال البترول والصناعات البترولية وستثتسمر بمليارات الدولارات ” .
هذا الثقل الاقتصادي وضع فنزويلا أمام عدسات القوى الطامعة فيها سابقاً ( بريطانيا ، المانيا ، إيطاليا ) ومع انحسار الدور الأوربي دخل الأمريكي بديلا عن تلك الدول بشركاته الكبرى متعددة الجنسيات لفرض نفوذه وبسط سيطرته عليها .
قبل استلام الرئيس هوغو شافييز السلطة في تسعينيات القرن الماضي كان قطاع النفط مؤمماً جزئياً مع وجود شركات النفط الأمريكية العملاقة واستثماراتها الضخمة، لكن ” شافيز ” عمل على تقليص نفوذ هذه الشركات وتعزيز دور الدولة في إدارة شركة النفط الوطنية لصالح سياسات حكومته وعلى أن يكون قرار بيعه واستثماره بيد الدولة .. ثم أدار ظهره للإدارة الأمريكية مع توسيع علاقته مع الصين وروسيا وكوباً وبقية دول أمريكا الجنوبية .
جاء نيكولاس ” مادورو ” ليواصل نهج الرئيس ” شافيز “، لكن في وقت بدأت أسعار النفط العالمية تتراجع وتهبط بشكل كبير، ما أدى إلى انخفاض ميزانية الدولة ، لتأتي العقوبات الأمريكية القاسية على الاقتصاد الفينزولي لتشمل عمليات التصدير والاستيراد والتمويل وبالتالي  الى انخفاض الواردات مما انعكس على الطبقة الواسعة الفقيرة والمتوسطة من الشعب الفينزولي وعلى معيشته ، وظهور أشكال من المافيات الاقتصادية من المخدرات إلى التلاعب بالعملة الوطنية … لتتحول العقوبات الأمريكية إلى أداة حصار خانق .. وهذه لعبة السياسة الأمريكية  المفضلة في حصار من يحاول الابتعاد عنها من الدول تمهيدا لانهيارها ، عندها تتحرك أمريكا لإسقاط الأنظمة المعادية لها أو التي لا تستجيب لكامل شروطها إما بفعل الغزو المباشر أو بدفع الشعوب – بطرق متعددة – للانقلاب على حكامها …
هذا الضغط الأمريكي على فنزويلا ومحاصرتها وإنهاكها وشل قدراتها الإنتاجية دفع الرئيس  ” مادورو ” إلى الالتفاف على تلك العقوبات والتوجه باتجاه الصين وروسيا وهذا ما أغضب الولايات المتحدة الأمريكية باعتبار هذا التحول تجاوزاً للخط الأحمر المعادي لسياساتها .. لذلك يعتبر ماجرى في فنزويلا واعتقال رئيسها هو جزء من سياسة التأديب وإرهاب الدول التي خرجت أو يمكن أن تخرج عن السيطرة الأمريكية ونفوذها ، وهذا ما أكده الرئيس ترامب بقوله : ” على أمثال مادورو أن يعلموا أن ماحدث له قد يحدث لهم ” .
لا شك أن عملية القرصنة واعتقال  ” مادورو ” تعتبر مقدمة لفرض الوصاية  بالقوة على فنزويلا وإدارة الحكم شبه المباشر فيها وقد صرح الرئيس ترامب بوضوح” نتحدث مع عدة أشخاص بشأن إدارة فنزويلا ونعين أشخاصاً لإدارتها ، وأكد أيضا أن :وزراء الخارجية والحرب سيعملان مع شخصيات لإدارة فنزويلا ” .
وإذا كانت العملية الأمريكية لم تنكشف نتائجها حتى الٱن، وفيما إذا كان هذا الاعتقال سيؤدي إلى إسقاط النظام الفينزولي، حيث أن حيثيات الاعتقال جاءت عبر استخدام الرئيس الأمريكي ترامب هاتفه بالاتصال بالرئيس الفينزولي ، وعلى أساس هذا الاتصال تم تحديد موقع الرئيس بالضبط عن طريق تقنيات المخابرات الأمريكية ( مع ملاحظة أن هواتف الرؤساء واتصالاتهم مع رؤساء الدول تبقى محاطة بتدابير أمنية مغلقة ، ولا يجوز استخدام هذه المكالمات في عمليات اغتيال أو اعتقال أو غير ذلك ) وعلى إثر ذلك الاتصال كانت الحوامات الأمريكية مع كافة القوات الجوية والبحرية جاهزة لعملية الإنزال والقبض على ” مادورو ”  وزوجته ، وبالتوازي ضرب المراكز العسكرية الحيوية في فنزويلا .
والسؤال الذي يطرح نفسه هل نجح الرئيس ترامب في إسقاط النظام الفنزويلي بعد عملية القرصنة التي حركت الرأي العام العالمي ، وخلطت أوراق رؤساء دول كثيرة في العالم .
إن نجاح أوعدم نجاح تلك العملية رغم استعجال الرئيس ترامب بالاعلان عن نجاح إسقاط النظام الفنزويلي مرهون بعاملين :
الاول : هو أن العملية استهدفت الرئيس لوحده ، بينما وزير الدفاع والداخلية والقوى الأمنية لا زالت موجودة وأصدرت بياناتها بالتنديد ، وفرضت منع التجوال في أنحاء البلاد ، وهذا قد يؤشر في حال صمود تلك الوزارات العسكرية والأمنية بالرغم من التدمير الكبير في منشٱت عسكرية بالتوازي مع عملية الاعتقال ، فإن صمود هذه المؤسسات قد يحبط المخطط الأمريكي في إسقاط نظام الحكم الفنزويلي
الثاني : مدى تماسك الجبهة الداخلية في فنزويلا ، ذلك أن تماسك الجبهة الداخلية وقدرتها على مقاومة التهديدات وخروج الشعب للدفاع عن وطنيته وكرامته وعن شرعية الحكم كأساس أي شرعية والحصن الحصين لأي نظام في مواجهة القوى الخارجية مهما بلغت قوتها وعنجهيتها وتسلطها ..
إن القرصنة الأخيرة على رئيس دولة واعتقاله وإعلان إسقاط سلطته بالقوة علناً ، ليست وصمة عار على القيادة الأمريكية والشعب الأمريكي فقط ، وإنما وصمة عار على جميع دول المجتمع الدولي برمته ، وأمريكا في هذه السياسة القائمة على البلطجة تهدد دول العالم وتضعهم أمام خيارين لا ثالث لهما ، إما الخضوع لإرادة أمريكا ونفوذها ومصالحها ، أو الإطاحة بأي نظام يخرج عن الطوق الأمريكي أو يسلك مساراً  وطنياً لا ينسجم مع سياساتها ومصالحها … وقد هدد الرئيس ترامب كل من كوبا وكولومبيا بعد عملية فنزويلا  بقوله :” النظام الكوبي ليس جيداً ، وكوبا أمة فاشلة حالياً ، وسنساعد الشعب الكوبي ” ، كما أن ” رئيس كولومبيا لديه مصانع لإنتاج الكوكائين يتم إرساله للولايات المتحدة ، وعليه أن يكون حذرا للغاية ” ….
وتبقى للشعوب كلمتها الفصل ، ويبقى للأنظمة خيار الالتحام بشعوبها وأن تكون تعبيراً أصيلاً عنها ، أو أن تكون في حالة من التبعية والتسليم للعربدة الأمريكية والرضوخ لشروطها وإملاءاتها … ولكن هذا النوع من الأنظمة سيأتي دورها لاحقاً بالتخلي عنها واستبدالها عند انتهاء دورها الوظيفي المرسوم لها .

تعليق واحد

  1. إن العملية العسكرية “القرصنة” الأخيرة التي قامت بها قوات أميركية على فنزويلا وإعتقال رئيس الدولة وإعلان إسقاط سلطته بالقوة علناً، إنها وصمة عار على القيادة الأمريكية والشعب الأمريكي وجميع دول المجتمع الدولي برمته ، لأن هذه البلطجة وضعت دول العالم أمام خيارين إما الخضوع لإرادة أمريكا ونفوذها ومصالحها ، أو الإطاحة بالنظام .

اترك رداً على khatib yehya إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى