
ما قامت به الولايات المتحدة من اعتقال الرئيس الفنزويلي يشكّل جريمة مكتملة الأوصاف وبلطجة سياسية صريحة، تمثل انتهاكاً فاضحاً لسيادة دولة مستقلة، واستخفافاً سافراً بالقانون الدولي، وتكريساً لمنطق القوة والغلبة بدل احترام إرادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها. إن هذه الحادثة والسلوك المستخف بالقانون الدولي حلقة جديدة في سجل طويل من التدخلات التي تتحرك بميزان المصالح لا بميزان العدالة.
وهو في الوقت ذاته دليل صارخ على ازدواجية المعايير الأمريكية في تعاملها مع الشعوب، إذ تصمت حين يتعلّق الأمر بإسرائيل، وتكتفي بالجعجعة الكلامية في سوريا أيام بشار الأسد من دون أي خطوات عملية، رغم المقتلة التي استمرت 14 عاماً، والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من البشر، في مشهد فاضح يفضح انتقائية المواقف والانحياز الواضح في السياسة الأمريكية. كلام كثير عن حقوق الإنسان، ولا شيء يتجاوز حدود البيانات والخطابات حين لا تكون المصالح مهددة.
لقد كان بإمكان الولايات المتحدة، لو أرادت فعلاً نصرة الشعوب، أن تُخضع عشرات الطغاة الذين حكموا بلدانهم بالحديد والنار. كان بوسعها أن تتحرك ضد حافظ الأسد ثم ابنه بشار، وضد معمر القذافي قبل أن يصبح عبئاً على شعبه، وضد أوغستو بينوشيه في تشيلي، وموبوتو سيسي سيكو في زائير، وسوهارتو في إندونيسيا، وفرديناند ماركوس في الفلبين، وعلي عبد الله صالح في اليمن، وعمر البشير في السودان، وروبرت موغابي في زيمبابوي. جميعهم حكموا لعقود، وبعضهم ارتكب مجازر موثقة، وتسببوا في تدمير بلادهم، ومع ذلك لم يكن “القلق الأمريكي” يتجاوز حدود التصريحات، لأن هؤلاء كانوا جزءًا من منظومة مصالح أو أدوات استقرار مطلوب في لحظته.
كان بإمكان الولايات المتحدة أن تسهم في وقف قتل الملايين، لكنها اختارت نهجاً مغايراً: إشعال الحروب حين يفيدها الاشتعال، والصمت المريب حين يخدم الصمت استمرار النفوذ،وأحياناً الجعجعة وترك الطغاة يعيثون فساداً ما داموا لا يهددون خطوط الطاقة أو خرائط النفوذ أو أسواق السلاح. فالصناعة العسكرية، التي تحتاج دائماً إلى بؤر توتر، لم تكن يوماً بعيدة عن القرار السياسي.
وحين شعرت واشنطن بأن مصالحها مهددة بشكل مباشر، لم تتردد في التدخل العسكري الصريح، كما فعلت في بنما عام 1989، حين غزت البلاد وخطفت الرئيس مانويل نورييغا بذريعة محاربة المخدرات، في عملية كشفت بوضوح أن السيادة والقانون الدولي مجرد عناوين تُستخدم أو تُهمل وفق الحاجة. المشهد ذاته يتكرر اليوم مع فنزويلا، وإن اختلفت الذرائع والأسماء.
إن ما جرى، يجب أن يكون درساً لنا كعرب، حكاماً وشعوباً. الولايات المتحدة لا تقف لجانب الشعوب، بل تحركها مصالحها، فلا قيم تحركها، ولا مطالبات الشعوب المسحوقة، وهنا على الحكومات إعادة النظر في تعاملها مع شعوبها، لأنها الضمانة الوحيدة والحقيقية، في عالم لا تحكمه الأخلاق ولا القيم، ويتم ضرب القانون الدولي بعرض الحائط متى تهددت مصالح الدول الكبرى.






