السلطة الفلسطينية الغائبة تعوّل على إسرائيل

عز الدين أعرج

عقب حرب حزيران (1967)، وبعد احتلال إسرائيل كامل مدينة القدس وما تبقّى من الأرض الفلسطينية، رفع جنود إسرائيليون، في حادثة معروفة، العلم الإسرائيلي فوق قبة الصخرة إعلاناً للسيطرة والانتصار. غير أن موشيه دايان (وزير الأمن وقتها)، طالب فوراً بإزالته. دايان، الذي يُنظَر إليه، على نطاق واسع، أنه أحد أبرز مهندسي الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية، اعتبر، منذ وقت مبكّر، أن استدامة الاحتلال أهم من التعبير عنه بشكل مباشر وفجّ. وهي فكرة ستتكرّر لاحقاً في تصريحات مسؤولين إسرائيليين وفي مؤتمرات أمنية رفيعة. كانت هذه الفكرة مدفوعةً بإدراك أن احتلال فلسطينيين كثيرين يتطلّب استراتيجيةً براغماتيةً، وتشترط إدارةً دقيقةً للعنف ضدّ الفلسطينيين. ومنذ وقت مبكّر، دأبت النُّخب الأمنية في إسرائيل طوال عقود على التأكيد أن هامشاً من الحياة المشروط لا بد أن يُمنح للفلسطينيين حتى لا تنفجر الأوضاع. شمل ذلك تاريخياً مجموعةً من الإجراءات التي تعاملت معها إسرائيل بوصفها امتيازاتٍ تمنحها للفلسطينيين؛ مثل تصاريح العمل والحركة وتنمية اقتصادية ضئيلة ومشروطة، إضافة إلى الحدّ الأدنى من الخدمات والرعاية، وبناء مؤسّساتٍ تدير التوسّع والسيطرة على مزيد من الأرض، والعنف ضدّ السكّان المحلّيين بشكل عام.
تصاعد اليمين والصهيونية الدينية ترافق مع تصاعد شعبوية من نوع خاص
كان توقيع اتفاقية أوسلو (1993) وتأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، بطريقة غير مباشرة، خطوةً رئيسةً في هذا المسار. وبدا أن الدور الوظيفي للسلطة الفلسطينية، بشكلٍ ما، إدارة هذا الهامش المشروط، الذي صار الريع الدولي جزءاً أساسياً منه في العقود الثلاثة الماضية. كان ذلك واضحاً إلى درجة نشأ فيها اتفاق ضمني بين النُّخب الأمنية الإسرائيلية والسلطة يربط دور الأخيرة واستقرارها بضبط الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية وعدم السماح لها بالانفجار. وفي لحظات التوتّر، دأب مسؤولون في السلطة على تأكيد أهمية هذا الدور، عبر القول، صراحةً أو تلميحاً، إن التضييق على السلطة سيؤدّي إلى اختلال في الوضع الأمني القائم. كما ارتبطت النقاشات الدولية بشأن السلطة الفلسطينية بهذا الافتراض، وحذّر مسؤولون أوروبيون وأميركيون إسرائيل عقوداً من مغبّة تهديد السلطة الفلسطينية، وكان تمويل استقرار السلطة يُنظر إليه أنه جزء من جهود منع التوتّر في الأراضي المحتلّة. فهمت السلطة الفلسطينية هذا الدور جيّداً، وتأقلمت معه، ونسجت علاقات مع النُّخب الإسرائيلية التي آمنت به. لكن هذا حدث بالتوازي مع تغيرات في هذه النُّخب، وتغيّر أوسع في العلاقة بين إسرائيل والأراضي المحتلّة.
يتصدّر المستوطنون مثل بن غفير وسموتريتش النزعة الشعبوية، مطالبين بعنف وتوسّع غير ممأسسَيْن
ليس النقاش الإسرائيلي اليوم عن دور السلطة الفلسطينية، والأزمة التي تواجه وجود الأخيرة، منفصلاً عن هذه التحوّلات. فتصاعد اليمين والصهيونية الدينية ترافق مع تصاعد شعبوية من نوع خاص في إسرائيل. تتشابه هذه الشعبوية الإسرائيلية مع أشكال شعبوية أخرى في العالم من ناحية نزعتها المعادية للمؤسّسات غير المُنتخَبة (مثل المحكمة العليا)، ورفضها صور الوساطة والتوسّط كلّها. لكن خصوصيتها تتأتّى من الطبيعة الاستعمارية الاستيطانية للدولة؛ إذ يرتبط الصراع على طبيعة الدولة بشكل مباشر بإدارة العلاقة مع السكّان الفلسطينيين والعنف ضدهم. يتصدّر المستوطنون مثل بن غفير وسموتريتش هذه النزعة الشعبوية، مطالبين بعنف وتوسّع غير ممأسسَيْن، ورافضين كل المؤسّسات التي تتوسّط وتدير هذا العنف، بل يدفعون باتجاه تغيير نهائي للوضع القائم. يحدث ذلك إلى درجة أن تقويض المحكمة العليا، التي شرّعت تاريخياً المعظم الأعم من حالات السيطرة على الأرض الفلسطينية ورفضت تقريباً كل قضايا الاستئناف، أصبح منذ سنوات في مقدّمة أجندات اليمين. لا ترفض هذه النُّخب دور السلطة الفلسطينية فقط، بل ترفض أيضاً أدوار التوسّط التي تقوم بها الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية. وتدفع هذه النُّخب الجديدة إلى نوع من العنف المباشر والفجّ الذي لا تديره أيّ مؤسّسات، وتقوم به مجموعات من الغوغاء المتطرّفين.
عندما يجيب نتنياهو عن سؤال صحافي بخصوص تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، بأنهم مجرّد حفنة أطفال قادمين من عائلات ممزّقة، لا يصدّقه أحد حتى في إسرائيل. يعرف الجميع، بما في ذلك قطاع واسع من الإسرائيليين، أن هذا زمن جديد لا تديره الدولة وحساباتها الاستراتيجية، بل مجموعة من المتطرّفين الذين لا يؤمنون بالدولة نفسها. أمّا السلطة الفلسطينية، فلا يبدو أنها فهمت هذه التحوّلات، أو ربّما قرّرت ببساطة دفن رأسها في رمل الحسابات القديمة، ولا تزال مُصرّة على أن تخاطب زمناً إسرائيلياً انقضى، وتتحدّث مع نخب لم تعد موجودة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى