الصين في لبنان.. هل يمتلك “شي جين بينغ” حلا لبيروت؟

ميرفت عوف

قبل أن تُنهي سحب الدخان تصاعدها جراء انفجار مرفأ بيروت يوم الرابع من أغسطس/آب الحالي، وفي الساعات الأولى للحدث، رأى المفجوعون اللبنانيون حولهم وجوهًا ذات ملامح آسيوية تجتهد لتطبيبهم بمهارة عالية، حاول هؤلاء تقطيب الجروح النازفة وجبر الكسور ومعالجة الحروق عاجلًا، إذ إنهم فريق طوارئ طبي شكّلته الدفعة الثامنة عشرة من قوات حفظ السلام الصينية الموجودة في لبنان ضمن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل).

لقد عجل الأطباء الصينيون في مجالات الجراحة والطب الباطني والحروق والتخدير ضمن هذا الفريق بالتوجه إلى بيروت حاملين إمدادات طبية ومعدات واقية في محاولة سريعة من بلادهم لمساعدة لبنان في أزمة الانفجار، قبل أن تمضي بكين نحو المزيد من المساعدات للبنان، كأن تتبرع خلال اجتماع المانحين الدوليين بمساعدة نقدية عاجلة قدرها مليون دولار أميركي، خُصصت لدعم علاج الجرحى ومساعدة المتضررين في حادث الانفجار، وهي الهمة ذاتها التي تعاملت بها بكين حين وصل الفيروس التاجي إلى لبنان، فقد عجلت بإدخال هذا البلد ضمن إطار “الدبلوماسية الناعمة” التي انتهجتها في ظل الجائحة، فلم يكن غريبًا أن يلجأ الأطباء اللبنانيون إلى التواصل مع نظرائهم الصينيين لرفع مستوى الوعي بمخاطر الفيروس بين العاملين في المجال الطبي في لبنان، فيما حطّت الطائرات الصينية بدفعات متتالية محملة بالكمامات الطبية والبدل الواقية وأدوات الفحص، بل إن جيش التحرير الشعبي قدّم -مباشرةً- إلى الجيش اللبناني مستلزمات طبية لمواجهة الجائحة.

بيد أنه كان من الممكن النظر للتحركات الصينية السابقة في إطار إستراتيجية بكين الدبلوماسية، لكن التحركات تجاه لبنان -الذي يعد ملعبًا سياسيًّا للقوى الكبرى، ويعاني من أزمة خانقة جعلت 75٪ من اللبنانيين تحت خط الفقر- قُرئت في إطار محاولات فرض نفوذ صيني في بلد لم يكن -تاريخيًّا- ضمن الاهتمامات الصينية، يعزز ذلك الآن الترويج الكبير من قبل “حزب الله اللبناني” بأن الصين “قاب قوسين أو أدنى” من إنقاذ لبنان من أزمته الاقتصادية والسياسية، وبأن استثماراتها قد “أنجزت واكتملت”، ما يعني قرب الاستغناء عن حزمة الإنقاذ التي يقدمها صندوق النقد الدولي.

في الخامس من فبراير/شباط 2020، اختار حشد من اللبنانيين دَعْم الصين في معركتها ضد فيروس كورونا بالوقوف رافعين الشعارات والأعلام الصينية أمام تمثال برونزي أهداه الصينيون لبلدة “حمانا” الواقعة بجبل لبنان عام 2003، لم يكن هذا الاختيار عبثيًّا؛ إذ يعود التمثال الذي اُلتُفّ حوله للطبيب اللبناني جورج حاتم، ابن مهاجرين لبنانين من قرية حمانا، سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية قبل ميلاده بحثًا عن حياة أفضل، وفي الولايات المتحدة ترعرع حاتم وأنهى دراسة الطب، ثم قرر السفر إلى شنغهاي (شرق الصين) عام 1933، وانخرط في العمل الطبي من عيادته داخل هذه المدينة، ورفع قدر حاتم لدي الصينيين الذي أطلقوا عليه اسم “ما هايدي”؛ لمساهمته في إنقاذ آلاف الصينيين من مرض البرص، أما قادة الثورة الصينية الشيوعية التي أصبح حاتم طبيبًا شخصيًّا لقائدها “ماو تسي تونغ” فقد خلدوا موقفه كأبرز من مدّ يد العون لجنود الثورة الصينية.

برغم ما سبق، بقيت العلاقات الصينية اللبنانية في إطار هامشي، فالعلاقات التجارية بين البلدين التي يؤرخ لبدايتها في الخمسينيات، حين جاء أول وفد صيني إلى لبنان عام 1955، وأنشأ مكاتب تجارية في عام 1956، ظلت دون تفاعل كبير. وسياسيًّا تأخر لبنان في منح الاعتراف الدبلوماسي بجمهورية الصين الشعبية التي يقودها الشيوعيون حتى عام 1971، بيد أنه بعد عام 2003 احتفظ البلدان بعلاقات سياسية رسمية فقط، حتى انضمت الصين إلى قوات حفظ السلام بلبنان في 9 أبريل/نيسان 2006، في إطار قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) التي تم إنشاؤها عام 1978، وهي قوة تؤدي واجبات تشغيلية؛ كالتخلص من المتفجرات، وإنسانية تشمل الخدمات الطبية وإعادة تأهيل المدارس ورياض الأطفال في المناطق الحدودية.

وبرغم أن بكين احتفظت خلال الحرب اللبنانية الإسرائيلية (حرب تموز ) 2006 بموقفها تجاه النزاعات الإقليمية الداعي إلى تسوية سلمية للصراع من قبل الأطراف المعنية، فإن اسمها أُقحم بهذه الحرب في قضية تدمير سفينة إسرائيلية من نوع “ساعر” بصاروخ مضاد للسفن، إذ اكتشف الإسرائيليون أن الصاروخ المخصص لإغراق السفن البحرية الكبيرة “صيني الصنع”، وفي وقت أصرت فيه الصين على أنها لم تزود الحزب بالصاروخ أو أيٍّ من الأسلحة، رجحت مصادر استخباراتية أن الصاروخ وصل إلى الحزب عن طريق إيران التي حصلت عليه منتصف التسعينيات وطورته وأطلقت عليه اسم “نور”.

حدثت طفرة إيجابية في تلك العلاقات حين انضم لبنان إلى “مبادرة الحزام والطريق” الصينية عام 2017، فقد انساق البلدان نحو توقيع عدة مذكرات تفاهم لتعزيز فرص التعاون الثنائي على كافة الصعد الاقتصادية، لتميل كفة الميزان التجاري اللبناني لصالح الصين، وهي التي اعتيد أن تميل لصالح الغرب وأميركا، فيسجل العام 2018 استيراد لبنان من الأجهزة الكهربائية والمعدات الصناعية والمواد الغذائية الصينية ما قيمته 2.05 مليار دولار من الصين، فيما لم تتجاوز قيمة التجارة مع الولايات المتحدة أو ألمانيا أو إيطاليا أو فرنسا 1.5 مليار دولار .

وكانت القفزة الأكبر للتعاون التجاري بين البلدين عام 2019، حين أنشأ المركز الصيني لتنمية التجارة الدولية (CCPIT) مكتب تمثيل له في لبنان من أجل زيادة العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين، فالصين التي يزورها آلاف التجار اللبنانيين استعدت في هذا العام للمشاركة في مشاريع البنية التحتية، بما في ذلك توسعة ميناء طرابلس ومطار القليعات بالإضافة إلى إنشاء السكك الحديدية والطرق والجسور، وكذلك ينعم الشباب اللبناني بالامتيازات الثقافية التي وفرتها بكين كجزء من إسقاط “القوة الناعمة”، فقد استفادوا من مجموع المؤسسات الأكاديمية الصينية التي علمتهم اللغة الصينية في معهد “كونفوشيوس” بجامعة سانت جوزيف في بيروت، ومركز اللغات في الجامعة اللبنانية، كما استمتعوا ببرامج أكبر مركز موسيقي في لبنان الذي أنشئ بمبلغ 66 مليون دولار من أموال الصين.

في 11 من نوفمبر/تشرين الثاني عام ٢٠١٩، خرج زعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله في خطاب متلفز يُلقي بحلوله لإنقاذ بلاده من أزمتها الاقتصادية الكارثية، فقال في الخطاب الموجه لأنصاره الذين حضروا مهرجان “يوم الشهيد” إن المخرج يكمن في التوجه نحو القوة الآسيوية، وبالتحديد نحو بكين، داعيًا الحكومة اللبنانية لـ”فتح الباب أمام الشركات الصينية للاستثمار في لبنان”.

أعاد نصر الله الكَرّة، فأكد في خطاب متلفز آخر بُث في يونيو/حزيران الماضي أنه ما يزال يرى في التوجه نحو الصين بديلًا مناسبًا عن دعم صندوق النقد الدولي الذي تعثرت معه المحادثات الرسمية اللبنانية، ففي هذا اليوم قال زعيم الحزب بوضوح : “أن لبنان يتعين عليه أن ييمم وجهه شرقًا”، مباركًا الخطوات الصينية للاستثمار في مشاريع البنية التحتية، وملمحًا إلى أن بكين يمكنها بسهولة أن تقدم ثقل ميزان حيويًّا في لبنان.

لقد كان نصر الله المعني -لأقصى حد- بإفلات بلاده من قبضة النفوذ الغربي، واحدًا من جملة من السياسيين اللبنانيين الذين يرون خلاصهم في الدوران في فلك الصين اقتصاديًّا وسياسيًّا، خاصة مع انبعاث رسائل صينية متلاحقة رُوّج لها كـ”طوق نجاة” للحكومة التي يقودها الحزب ويُحَمّلها الشارع اللبناني مسؤولية المشكلات الاقتصادية والسياسية، فقد رحبت وسائل الإعلام اللبنانية المحسوبة على “حزب الله” بالمشاريع الصينية بشكل كبير، فبسطت صفحاتها الإعلامية للحديث عن قيام عشر شركات صينية، بقيادة الشركة العملاقة “ساينو هيدرو” (SINOHYDRO) وهي هيئة رسمية تمنح الموافقات للشركات الصينية للعمل في الخارج، بإعلان استعدادها في يوليو/تموز الماضي للاستثمار في البنى التحتية في لبنان بقيمة 12 مليار دولار في الموانئ والسكك الحديدية والكهرباء وإدارة النفايات، حسب ما جاء في صحيفة “الأخبار” المحسوبة على حزب الله.

ويعتقد نصر الله الذي أُرهِق لبنان بالعقوبات الدولية بسبب مواقفه السياسية، يعتقد أن الصينيين بإمكانهم تقديم حلول عملية وسريعة للمشكلات الملحّة، مثل: توليد الطاقة وإدارة النفايات والبنية التحتية للنقل في لبنان. وسياسيًّا يضمن نصر الله أن بكين تقدم له ميزة التغاضي عن فساد السياسيين، فكما يوضح تقرير موقع “ميدل إيست آي” أن الأهم لنصر الله أن الصينيين لا يشترطون “تنظيف المنزل في لبنان نفسه، فالأوليغارشيون (حكم الأقلية) الذين نهبوا الثروة العامة لفترة طويلة لن يتحملوا تكاليف الخسارة المالية، ناهيك بمواجهة العدالة على جرائمهم، بدون هذه الإجراءات التصحيحية من المحتمل أن تتحول الاستثمارات الصينية أو غيرها من الاستثمارات الأجنبية إلى تقسيم غنائم العقوبات، ما يعزز الهياكل القائمة للقمع والمحسوبية وعدم المساواة”، ويضيف التقرير أن اللجوء للصين: “من شأنه أن يعزز العلاقات مع النظام السوري دون مساءلة الأخير عن دوره في القتل والتشريد والتدمير في سوريا، أو الحد من القبضة الخانقة للأقلية اليمينية المرتبطة بالنظام على المستقبل الاقتصادي للبلاد”.

“في حين أن طهران لا تزال تسيطر على القرار السياسي، فإن بكين تدور وتتطلع إلى أصول البنية التحتية مثل الموانئ والمطارات، وكذلك تبني نفوذ القوة الناعمة من خلال الجامعات اللبنانية، بينما لبنان ينهار كدولة”، حاولت نائبة الرئيس الأولى للسياسة الخارجية والدفاعية في معهد “أمريكان إنتربرايز” دانييل بليتكا بقولها السابق تلخيص الموقف الأميركي من تقارب لبنان مع الصين، لكن الحدث الأهم كان في تصريح مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الشرق الأدنى “ديفيد شينكر” الذي انتقد بشدة هذا التقارب، ووصف دعوة نصر الله باللجوء إلى الشرق بأنها “خدعة”، فقد أحدث هذا التصريح أزمة بين البلدين، دفعت السفارة الصينية في لبنان للخروج ببيان شديد اللهجة يستنكر ما قاله شينكر، وفيه نصحت بكين الإدارة الأميركية بتركيز اهتمامها نحو الشأن الداخلي المتأزم، كما رفض البيان اتهام الحزب الشيوعي بالتجسس على اللبنانيين، فذكر البيان: “الجانب الأميركي يستخدم سلطة الدولة لقمع الشركات الصينية من دون تقديم أي إثبات، هذا التصرف مشين وغير أخلاقي”، وتابع البيان: “الجميع يعرف من قام بأكبر عملية تنصت ومراقبة وتجسّس وتغلغل ضد الدول الأخرى ومحاولات بسط وإبقاء النفوذ بأي وسيلة”.

في الواقع، توحي التحركات الصينية آنفة الذكر بإمكانية انجذاب بكين إلى لبنان أكثر، وبتمديد مصالحها فيه بشكل أكبر، ويمكننا قراءة المبادرات الصينية الأخيرة المتناغمة مع تصورات حزب الله وحلفائه كممارسة عملية نحو تحقق طموحات الصين الجيوسياسية في لبنان والشرق الأوسط، وهي تتماشى مع رغبات الرئيس الصيني شي جين بينغ الذي يعمل بجد من أجل تغيير مسار السياسة الخارجية للصين وتوسيعه والسير في ركب التقارب مع دول الشرق الأوسط لخدمة مبادرة الحزام والطريق الصينية، فلبنان الذي يقع على مفترق طرق إستراتيجي على البحر الأبيض المتوسط ​​بين آسيا وأوروبا مهم في خارطة إحياء الطرق والسكك الحديدية بين بيروت وطرابلس على ساحل البحر المتوسط ومدينتي حمص ودمشق السوريتين، وهو يتوسط اثنتين (العراق وسوريا) من أكبر المناطق التي ستشهد مشاريع إعادة الإعمار في العالم.

وبرغم ما سبق، لا يمكن تجاوز حقيقة وجود جملة من عوائق ستصادف الرغبة الصينية بالتغلغل في لبنان الذي تخلف عن سداد ديونه السيادية (عبء الديون بلغ 170% من الناتج المحلي الإجمالي) يخص ذلك أهداف الاستثمارات الصينية التي ستظهر عائداتها بعد خمس سنوات على الأقل، فالصين التي لا تقدم دعمًا مجانيًّا دومًا تجعل المشاريع التنموية مشروطة، ما يعني أن لبنان سيقع في فخ الديون الصينية ذات أسعار الفائدة الكبيرة، كذلك لا يشكل لبنان الآن سوقًا مهمًّا للصين؛ إذ أدت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة إلى تراجع القوة الشرائية للمواطن اللبناني.

وفي المحصلة، تدرك بكين أهمية تغير الظروف، وأهمها إصلاح الأفق السياسي، ليصبح لبنان قابلًا لمشاريع الاستثمار الصينية، وهو أمر يتضح من تصريح السفير الصيني في لبنان حين سُئل عن استعداد بلاده لمساعدة لبنان، فقال: “الصين جاهزة للاستثمار في مشاريع لبنانية، شريطة توافر قواعد ملائمة للاستثمارات، أي الاستقرار الداخلي والتوافق الدولي، على أن تكون المشاريع الاستثمارية وفق آليات BOT أو مشاريع سيادية الطابع، أو اتفاقات من دولة إلى دولة”.

المصدر: الجزيرة نت

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى