إعادة التفكير في العدالة الانتقالية

مالك الحافظ

يشكّل ملف العدالة الانتقالية أحد الملفات المطروحة عند البحث في كيفية التعامل مع الانتهاكات التي رافقت السنوات الماضية في سوريا. فطرح هذا الملف يفتح أسئلة تتعلق بالمحاسبة، وبحدود دور الدولة، وبالإجراءات الممكنة لمعالجة آثار هذه الانتهاكات ضمن واقع سياسي واجتماعي معقّد.
تُظهر تجربة التعامل مع العدالة الانتقالية أهمية تحديد موقعها بوضوح داخل تصور الدولة وأطر عملها، فغياب هذا التحديد يترك الملف مفتوحاً على تأويلات متعددة، ويُضعف قدرته على التحول إلى ممارسة مستقرة ذات معنى عام. التعامل مع العدالة باعتبارها إجراءً مرحلياً، من دون ربطها ببنية الحكم وبموقع القانون داخلها، يحمل مخاطر تتعلق بالتجزئة والتأجيل وتفاوت التطبيق. فيكون إدراج العدالة الانتقالية ضمن إطار مؤسسي واضح يشكل شرطاً أساسياً لضمان استمراريتها، ولحمايتها من الاستخدام الانتقائي أو التآكل مع تغيّر الأولويات السياسية.
ربما تظهر صعوبة هذا الملف في تداخل الوقائع المرتبطة به، وفي اختلاف القراءات حول نطاقه وحدوده، فبعض القضايا تتصل بانتهاكات محددة، وأخرى تتصل بممارسات مؤسسية، وأخرى تتعلق بقرارات اتُّخذت خارج أطر قانونية واضحة. هذا التداخل يفرض تحديات على أي مقاربة مطروحة، ويجعل من الضروري التعامل مع الملف بدرجة عالية من الدقة، سواء على مستوى التعريف أو على مستوى التطبيق. لذلك، يتطلب التفكير في العدالة الانتقالية مقاربة أوسع تأخذ في الاعتبار أثر العنف على البنية الاجتماعية، وعلى علاقة الأفراد بالدولة، وعلى تصور المسؤولية الفردية والجماعية.
التجارب المقارنة تُظهر أن إدخال الطائفة في مسار العدالة يؤدي غالباً إلى تحويلها إلى أداة صراع، وإلى إعادة إنتاج منطق الغلبة داخل مؤسسات الدولة.
تُعرَّف العدالة الانتقالية عادةً من خلال عناصر معروفة، تشمل كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات. لذا فإن المطلوب هو إعادة تنظيم العلاقة مع الماضي، ومع مفهوم العنف، ومع دور الفرد في المجتمع. وفي سوريا، كان قد تمدد العنف إلى الفضاء الاجتماعي، وأثّر في أنماط التفكير والسلوك، وفي طريقة تفسير الأحداث وتحديد المسؤوليات. بذلك؛ تصبح العدالة الانتقالية مطالبة بمعالجة الشروط التي سمحت باستمرار العنف، بما في ذلك البنى الطائفية، وشبكات المصالح، والخطابات التي شرعنت الإقصاء أو التغاضي عن الانتهاكات.
نجد في مراحل ما بعد النزاع، أن الانتقام يظهر بأشكال متعددة، لا تقتصر على الثأر المباشر. قد يأخذ شكل محاسبة انتقائية، أو روايات عامة تحمل جماعات بأكملها مسؤولية ما جرى. في هذه الحالات، من الطبيعي أن تفقد العدالة وظيفتها الأساسية، وتتحول إلى عامل إضافي في استمرار الانقسام.
لذا فإن المطلوب في هذا السياق مقاربة تميّز بين المسؤولية الفردية والانتماء الجماعي. المحاسبة ترتبط بأفعال محددة وأشخاص محددين، ولا يمكن توسيعها لتشمل جماعات أو مناطق أو هويات اجتماعية. العدالة الانتقالية، في هذا الإطار، تُبنى على تحديد دقيق للانتهاكات، وعلى إجراءات قانونية واضحة، وعلى خطاب عام يوضح أن المساءلة تستهدف تثبيت مبدأ المسؤولية.
نظرياً، فإن مسار العدالة الانتقالية يرتبط ارتباطاً مباشراً بحالة المجال العام، فالمجتمع الذي لا يملك فضاءً آمناً للنقاش حول ماضيه، يعجز عن تحويل العدالة إلى ممارسة جماعية مفهومة ومقبولة. إذ إن بعد فترات طويلة من العنف، يكون المجال العام مثقلاً بالخوف، وبالرقابة الاجتماعية، وبحدود غير معلنة لما يمكن قوله أو مساءلته.
قد تكون إحدى الإشكاليات الأساسية متعلقة بتداخل العدالة الانتقالية مع البنية الطائفية للمجتمعات، فالتجارب المقارنة تُظهر أن إدخال الطائفة في مسار العدالة يؤدي غالباً إلى تحويلها إلى أداة صراع، وإلى إعادة إنتاج منطق الغلبة داخل مؤسسات الدولة.
لذا فإنه لا يكفي الحديث عن إدارة التنوع أو تحقيق توازن شكلي في التمثيل، إذ تكون المسألة أعمق، وتتعلق بكيفية فك الارتباط بين الانتماء الطائفي والوصول إلى الحقوق أو تحمل المسؤوليات. العدالة الانتقالية، في هذا السياق، تتطلب مقاربة قانونية وسياسية ترى في الطائفة إطاراً اجتماعياً، وليس أساساً للحقوق أو للعقاب.
كذلك فإن المصالحة الاجتماعية تُطرح غالباً بوصفها هدفاً نهائياً للمرحلة الانتقالية. غير أن المصالحة التي لا تستند إلى اعتراف واضح بالانتهاكات، وإلى مسار جدي لكشف الحقيقة، تتحول إلى صيغة إدارية لتجاوز الصراع من دون معالجته. إذ يعتبر هذا النوع من التسويات ينتج استقراراً مؤقتاً، ويؤجل عودة التوتر.
لا تقتصر إشكالية العدالة الانتقالية على نقص الأدوات أو الخبرات، ولكنها تتصل بوضوح الرؤية وحدودها، فالخروج من العنف هو عبارة عن مسار طويل، يتطلب قرارات سياسية ومؤسساتية.
إن المصالحة في الحالة السورية تتطلب مساراً طويل الأمد، يبدأ بالاعتراف بمعاناة الضحايا، ويشمل تحميل المسؤوليات، ويتضمن دوراً واضحاً للدولة في مواجهة إرثها المؤسسي. كما تتطلب سياسات تعليمية وثقافية تساعد على إدماج سرديات متعددة ضمن ذاكرة عامة مشتركة، من دون طمس أو انتقاء.
في المقابل، غالباً ما نرى أن العدالة الانتقالية في مسارات دولية سابقة أنها قد قُدَّمت كمسألة مؤجلة، تُطرح بعد تحقيق الاستقرار أو اكتمال الترتيبات السياسية. ما يجعل العدالة وفق هذا التصور الزمني وعداً مؤجلاً، ويُبقي آثار العنف فاعلة في الحاضر من دون معالجة واضحة.
قد تكون من أبرز المخاطر المطروحة في التجارب المقارنة أيضاً أن تُختزل العدالة الانتقالية في كونها مرحلة مؤقتة تنتهي بانتهاء الترتيبات السياسية. من البديهي أن يترك هذا الفهم العدالة عرضة للتسييس، ويجعلها قابلة للتراجع عند تغير موازين القوى. في المقابل، يتطلب السياق السوري التعامل مع العدالة كمكون دائم من مكونات الدولة، مرتبطاً بسيادة القانون واستقلال القضاء وضمان المساواة.
العدالة التي تتجاوز الانتقام والإقصاء الجماعي تقوم على قواعد واضحة، وعلى مؤسسات مستقلة، وعلى إدارة مسؤولة للذاكرة العامة، كما ترتبط بفهم أن الاستقرار الاجتماعي يتحقق عبر تنظيم التعامل مع الماضي ضمن إطار قانوني ومجتمعي جامع.
لذلك فإنه لا تقتصر إشكالية العدالة الانتقالية على نقص الأدوات أو الخبرات، ولكنها تتصل بوضوح الرؤية وحدودها، فالخروج من العنف هو عبارة عن مسار طويل، يتطلب قرارات سياسية ومؤسساتية، ويتطلب أيضاً تحولاً في طريقة التفكير في المسؤولية والحقوق ودور الدولة. ضمن هذا الإطار، تصبح العدالة شرطاً أساسياً لإعادة بناء الدولة، وليست ملفاً جانبياً مرتبطاً بمرحلة محددة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى