من التجربة الاستعمارية إلى الحالة الإماراتية في اليمن

مصطفى ناجي

بالنظر إلى التجربة الاستعمارية، يتيح لنا التاريخ السياسي والعسكري إدراك أن الاستخدام المفرط للقوة في تنفيذ السياسات الخارجية، خصوصاً في نزوعٍ توسّعي خارج الحدود الوطنية، قد يؤدّي إلى نتائج عكسية، عندما يبلغ ذروته من دون تحقيق الأهداف المرجوة في الزمن الملائم. فمع مرور الوقت، يتحوّل هذا التدخّل من أداة لتحقيق المصالح إلى عبء استراتيجي ثقيل على الدولة المتدخّلة، سيّما إذا افتقر إلى القبول الإقليمي، أو عجز عن تسويق نفسه ضمن منظومة قيم أساسية تحكم العلاقات الدولية المعاصرة. فمع الوقت، والإفراط في استخدام القوة القهرية أو تعمّد تفكيك المجتمعات والنيْل من نسيجها الاجتماعي، وبروز حركة تحرّر أو رفض، تنتج، بطبيعة الحال، جملة تداعيات تقود إلى تآكل شرعية التدخّل وارتفاع الكلفة وإثارة الأسئلة حول جدوى التدخّل.
ولا تقف تداعيات هذا الإخفاق عند حدود السياسة الخارجية بما تولده من خصومات جانبية وزيادة التنافس الدولي وإثارة مخاوف القوى الأخرى، بل تمتدّ ارتداداتُه إلى الداخل، ليس فقط على المستوى السياسي، وإنما داخل بنية المؤسّسة العسكرية نفسها، بما قد يهدّد تماسكها ووظيفتها الاحترافية وينزع مشروعية المهمّة.
نزعت الإمارات إلى صنع كيانات موازية للدولة اليمنية ودعم كيانات انفصالية وتمكينها عسكرياً
تحثّنا التطوّرات أخيراً في اليمن على عقد مقارنة تاريخية لفهم المنحى العام الذي يسري على التجارب التاريخية. وهناك تجارب عديدة، منها الحرب الفرنسية في الجزائر، وبالطبع الحرب الأميركية في فيتنام، وأيضاً الحرب الاستعمارية البرتغالية في بلدان أفريقيا. … يمكن النظر إلى الحرب الفرنسية الجزائرية قبيل الاستقلال مثالاً تقليديّاً على هذه الإشكالية، فقد أدّى التشبّث الفرنسي بالجزائر في النصف الأول من القرن المنصرم، باعتبار هذا البلد العربي الشمال أفريقي جزءاً من التراب الفرنسي، إلى اعتماد استخدام واسع ومنهجي لأقصى أشكال القوة القهرية. ومع تصاعد حرب التحرير الجزائرية ارتفعت الكلفة البشرية والمادية والسياسية، وبدأت تقيم انقساماً ثقافياً وفكرياً وسياسياً عميقاً داخل المجتمع الفرنسي.
أمام هذا الواقع، الذي كانت فيه أزمة الحرب الفرنسية في الجزائر تضرب في عمق المجتمع الفرنسي، ومع تصاعد الضغوط نتيجة الفعل الثوري التحرّري المتضافر مع مناخ تحرّري دولي، ومع عودة ديغول إلى الحكم، غيّر هذا الزعيم الفرنسي موقفه على عكس ما كانت بعض النُّخب تتوقّع منه. ففي سبتمبر/ أيلول 1959 أُعلن مبدأ حقّ الجزائريين في تقرير المصير، في تحوّل استراتيجي كبير. ولكن هذا الإعلان فسّرته قطاعاتٌ داخل الجيش الفرنسي، خصوصاً القيادات الميدانية في الجزائر، تخلّياً عن تضحيات الجيش الفرنسي ومناصريه داخل الجزائر، وعن مفهوم “الجزائر الفرنسية”.
لم يُحصر هذا الخلاف في الإطار السياسي، بل انتقل إلى داخل المؤسّسة العسكرية، فيما عُرف لاحقاً بـ”انقلاب الجنرالات” عام 1961. فقد أوشكت فرنسا، وهي إحدى الديمقراطيات الغربية الراسخة، أن تواجه شكلاً من الانقلاب العسكري. لتكشف لنا هذه الحالة الاستثنائية في تاريخ الجيش الفرنسي عن خطورة تسييس المؤسّسة العسكرية نتيجة سياسات خارجية وصلت إلى مسار مغلق. لم يتأخّر ديغول في الحسم؛ إذ أعلن حالة الطوارئ، ونزع الشرعية عن الجنرالات المتمرّدين، وكلّف وحدات عسكرية موالية للدولة المركزية بلجم أيّ تمرّد صادر عن بعض القادة والقواعد الفرنسية في الجزائر الذين أصرّوا على الاحتفاظ بها بالقوة. وأثبتت هذه الحالة حجم التصدّعات التي يمكن أن يحدثها فشل التدخّل الخارجي داخل بنية الدولة نفسها.
في تجربة أكثر دلالة، نجد نهاية الحرب الاستعمارية البرتغالية في بلدان أفريقيا مثل أنغولا وغينيا بيساو وموزمبيق لم تفضِ في سبعينيّات القرن المنصرم إلى مجرّد تصدّع سياسي داخل البلاد، بل نتج منها انقلاب عسكري، عُرف باسم “ثورة القرنفل”، أطاح النظام الاستبدادي البرتغالي المتمسّك بالمستعمرات، وسرّع حصول المستعمرات على استقلالها؛ أي أن بنية النظام الاستعماري برمتها تغيّرت. وليست تجربة الحرب الأميركية في فيتنام بعيدة عن هذا المعنى؛ إذ أدّت، في نهاية المطاف، إلى تآكل ثقة المجتمع بالعملية العسكرية، وانقسام سياسي واجتماعي عميق. ويمكن أيضاً قياس نهاية الحرب السوفيتية في أفغانستان، وكيف آلت إلى نتيجة كارثية سرّعت من انهيار الاتحاد السوفييتي لاحقاً. وأوجد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، عندما تحوّل إلى حضور عسكري طويل الأمد وبكلفة باهظة، انقساماً سياسياً حوله، وانتهى بانسحاب من طرف واحد عام 2000.
وبعد هذه الأمثلة التاريخية، تحاول هذه المقالة إسقاطاً تحليلياً على الحالة الإماراتية في اليمن؛ إذ يمكن قراءة بعض أبعاد الانخراط الإماراتي في هذا البلد، خصوصاً مع وصول تدخّل التحالف العربي إلى ذروة مأزومة انتهت بإعلان انسحاب الإمارات عقب طلب من الرئيس اليمني (المدعوم سعودياً) منها أن تخرج من البلاد في مهلة ساعات.
علينا أن نضع قدراً كافياً من الوضوح بشأن هذا الإسقاط التحليلي، على اعتبار أن الغرض منه ليس الشماتة أو الجزم بالحتمية التاريخية أو التهويل، بل إنه ينطلق من باب القياس التحليلي بين التجارب، فالأزمة اليمنية التي تعاظمت مع مرور سنوات التدخّل العسكري العربي في اليمن، والسياسات التي نزعت نحوها الإمارات في إيجاد كيانات موازية للدولة ودعم كيانات انفصالية وتمكينها عسكرياً مع الهيمنة على المنافذ البحرية والجزر، لم تكن أزمة ثنائية بين اليمن والإمارات فحسب، بل تحوّلت، عندما توسّع وكلاء الإمارات شرقاً إلى تخوم الحدود اليمنية السعودية، إلى واحدة من أعقد الأزمات التي تصطدم فيها حسابات ومصالح كل من السعودية والإمارات.
الأخطر احتمالات انتقال الانقسام من المجال السياسي إلى داخل المؤسّسات السيادية، وفي مقدّمتها المؤسّسة العسكرية لدولة التدخّل
ولا يخفى على أحد أن هذا التصادم يكتسب حساسيةً مضاعفةً نظراً إلى طبيعة البنية الاتحادية للإمارات، القائمة على توازنات دقيقة بين مكوّناتها المختلفة. كما يصعب افتراض أن جميع هذه المكوّنات في الإمارات تقف على المسافة نفسها من السياسات التدخّلية الخارجية للدولة، المتمثلة بإمارة أبوظبي، أو أنها مستعدّة لتحمّل كلفة توتّر عميق ومستدام في العلاقات الإماراتية السعودية، لما لذلك من انعكاسات استراتيجية وأمنية واقتصادية بعيدة المدى.
تقودنا المقارنة بين التجربة الفرنسية في الجزائر، أو البرتغالية، أو الأميركية، أو حتى السوفييتية (وبالطبع الإسرائيلية) والحالة الإماراتية في اليمن إلى استنتاج أن الإفراط في استخدام القوة العسكرية خارج الحدود وتبنّي سياسة تدخّلية توسعية، أو تعمل على تفكيك المجتمع وتلاحمه، عندما يقترن بإخفاق سياسي وفقدان أفق واضح للخروج ويصطدم بقوى إقليمية أخرى ويثير قلق الجوار، قد يتحوّل من أداة نفوذ إلى عامل إنهاك داخلي. كما أن أخطر ما في هذه التحوّلات لا يكمن فقط في الخسائر الخارجية، بل في احتمالات انتقال الانقسام من المجال السياسي إلى داخل المؤسّسات السيادية، وفي مقدّمتها المؤسّسة العسكرية لدولة التدخّل.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى