الأمنان الجماعي والإنساني ومستقبل التنظيم الدولي

حسن نافعة

كثر الحديث أخيراً عن الأخطار التي تواجه الدول والشعوب، وعن أنسب الوسائل لتحقيق الأمن العالمي. وفي هذا السياق، ينبغي أن نميّز بين مفهومَي الأمن الجماعي، الذي يقصر اهتمامه على أمن الدول والحكومات، والأمن الإنساني، الذي يركّز اهتمامه على أمن الإنسان في كل مكان. ورغم ما بين هذين المفهومَيْن من تباين، إلّا أنهما يرتبطان عضوياً، فالشعوب هي المكوّن الأهم في بناء الدول، ومن دونها لا تقوم للدول قائمة. ولأنّ كل شعب يتشكّل من أفراد أو جماعات بشرية ترتبط فيما بينها بروابط ثقافية أو عرقية أو تاريخية، ويقيمون معاً في منطقة جغرافية محدّدة تسري عليها قوانين تصدرها سلطة حاكمة في هذه المنطقة، فمن الطبيعي أن تقع مسؤولية تحقيق أمن الشعب كلّه على عاتق النظام الذي يحكمه، وأن تقع مسؤولية حماية أمن الشعوب مجتمعة، أي أمن البشرية ككل، على عاتق النظام الدولي القائم، وبالتحديد على عاتق المنظّمات المختصّة بتحقيق السلم والأمن الدوليين.
يرى هوبز أنّ الدولة كيان سياسي يجسّد “حالة المجتمع”، أمّا مجتمع الدول فما زال يعيش “حالة الطبيعة”
حين نشأت الدولة القومية في أوروبا في منتصف القرن السابع عشر، ارتبطت هذه النشأة بمفهوم “السيادة”، الذي يعني أن كل دولة مسؤولة عن إدارة شؤونها بنفسها، ولا تخضع لأيّ سلطة أعلى منها، ولها الحقّ في استخدام الوسائل كافّة التي تمكّنها من الدفاع عن أمنها وعن مصالحها، بما فيها القوة المسلّحة. ولفهم ما يميّز الدولة كياناً سياسياً من غيرها من الكيانات، ربّما من المفيد استدعاء الرؤية التي صاغها الفيلسوف البريطاني توماس هوبز (1588- 1679)، حين ميّز بين “حالة الطبيعة” و”حالة المجتمع”. فحين يكون الأفراد في “حالة الطبيعة” لا يخضعون لأيّ قيود أو قواعد تنظّم العلاقة فيما بينهم، ويعتمد كل منهم على قوته الذاتية وحدها في قضاء حوائجه، وبالتالي، يحكمهم “قانون الغاب” الذي تكون الغلبة فيه للأقوى. أمّا حين يكونون في “حالة المجتمع”، فيخضعون لسلطة أعلى تكفل لهم الأمن وتنظّم العلاقات فيما بينهم وفق قواعد يلتزمون بها. لذا يرى هوبز أن الدولة كيان سياسي يجسّد “حالة المجتمع”؛ لأنه يُدار من خلال سلطة يخضع لها جميع الأفراد الذين يعيشون في كنفها، أمّا “مجتمع الدول” فما زال يعيش “حالة الطبيعة” لأنّ الدول تتجاور على الساحة الدولية ولا تقبل الخضوع لسلطة أعلى منها، إذ يعتمد كل منها في تحقيق أمنه والدفاع عن مصالحه على قوته وموارده الذاتية.
وأيّاً كان الأمر، وبصرف النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف مع هذه الرؤية الفلسفية، كان مفهوم “توازن القوى” السائد في العلاقات الدولية طوال ما يقرب من قرنَين، إذ كانت الدول تعتمد، في تحقيق أمنها آنذاك، إمّا على قواها الذاتية وحدها و/ أو من خلال التحالف مع الدول الصديقة، وحين تبيّن أن البحث عن “توازن” يصعب الوصول إليه يفضي عادة إلى “سباق تسلّح” كثيراً ما يتسبّب في اندلاع الحروب، اتجه التفكير نحو البحث عن مفهوم آخر للأمن أُطلق عليه “الأمن الجماعي”. وقد حاولت “عصبة الأمم” وضع هذا المفهوم موضع التطبيق عقب اندلاع الحرب العالمية الأولى، وحين فشلت في الحيلولة دون اندلاع الحرب العالمية الثانية، حلّت محلها “الأمم المتحدة” التي حاول ميثاقها صياغة منظومة أكثر إحكاماً تساعد في وضع هذا المفهوم موضع التطبيق الفعلي، ومع ذلك سرعان ما تبيّن أن بنيته تنطوي على إشكالية غير قابلة للحلّ.
يقوم مفهوم الأمن الجماعي، في صورته الأكثر شفافيةً، على فكرة مفادها أن أمن جميع الدول يشكّل كُلّاً لا يتجزّأ، وأن المساس بأيّ جزء منه يعدّ مساساً بأمن “الكل”. ومن ثم، على “الكل” التضامن معاً لردع المعتدي ومعاقبته. وحين وُضع هذا المفهوم موضع التطبيق في كلتا التجربتَيْن (عصبة الأمم والأمم المتحدة) تبيّن أنه صُمّم خصيصاً لتحقيق أمن القوى العظمى وحدها، لكنّه غير قابل لمنع العدوان على الدول الأخرى، خصوصاً حين يكون المعتدي قوة عظمى أو إحدى حلفائها الأقربين. وتشهد على ذلك حروبٌ عديدةٌ شنّتها الولايات المتحدة على فيتنام في خمسينيّات القرن الماضي وستينياته، وعلى كل من أفغانستان والعراق في مطلع هذا القرن، وحرب الإبادة الجماعية التي شنّتها إسرائيل في قطاع غزّة، واستمرّت أكثر من عامَيْن، كما تشهد على ذلك أيضاً الحرب التي شنّها الاتحاد السوفييتي على أفغانستان في نهاية السبعينيّات، والحرب التي تشنّها روسيا حالياً على أوكرانيا.
ضرورة الانتقال من مفهوم “أمن جماعي” يقصر اهتمامه على أمن الدول والحكومات إلى مفهوم “الأمن الإنساني”
كان ميثاق الأمم المتحدة قد حرّم استخدام القوة في العلاقات الدولية، أو حتّى مجرّد التهديد بها، لكنّه قصد بها القوة العسكرية وحدها، وليس مجمل العناصر التي ينطوي عليها مفهوم القوة، وخوّل مجلس الأمن سلطة اتخاذ إجراءات عقابية ضدّ الدول المعتدية. ولأنّ الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن لها حقّ النقض (فيتو) الذي يتيح لها القدرة على إسقاط أيّ مشروع قرار لا ترضى عنه، لم يكن بمقدور المجلس اتخاذ أيّ إجراءات عقابية ضدّ أيّ من هذه الدول مهما ارتكبت من جرائم. وحتى في الحالات التي كان بمقدور مجلس الأمن أن يتحرّك، وأن يتخذ قراراتٍ ملزمة وفعّالة وفقاً للفصل السابع، فإنه يصبح حينئذ أقرب ما يكون إلى “جهاز بوليسي” يتمتّع بصلاحيات وسلطات مطلقة، وله القدرة على ممارستها من دون أن يخضع لأيّ رقابة من أيّ نوع، سياسية كانت أم قضائية، مثلما يحدث في النظم السياسية داخل الدول.
ولأن الأمم المتحدة أكّدت في تقارير عديدة أصدرتها أن الحروب بين الدول لم تعد تشكّل المصدر الرئيس لتهديد السلم والأمن، وأن ضحايا الحروب الأهلية والجوع والأمراض المعدية وتلوث البيئة والجريمة المنظمة والمواد المخدرة وغيرها يفوقون كثيراً ضحايا الحروب بين الدول، فقد أصبحت الحاجة ماسّة لإعادة صياغة فلسفة وآليات منظومة “الأمن الجماعي” ككل.
وأياً كان الأمر، ورغم كل ما شهدته مسيرة الأمم المتحدة من إخفاقات على مدى الأعوام الثمانين الماضية، إلّا أنها أسهمت في تهيئة المسرح العالمي لتطوّرَيْن غير مسبوقَيْن في تاريخ العلاقات الدولية. الأول: وجود جميع الدول والحكومات، لأول مرّة في تاريخ البشرية، داخل إطار مؤسّسي واحد تجسده حالياً منظمة الأمم المتحدة. والثاني: تحوّل الكرة الأرضية، تحت تأثير ظاهرة العولمة، إلى قرية كونية مترابطة الأجزاء، لا تستطيع أيٌّ من مكوّناتها أن تسيطر كلياً على مواردها البشرية والمادية، أو على فضائها الجوي وإقليمها البحري، أو على ما يدور من تحرّكات داخل حيّزها الجغرافي.
لذا؛ تبدو الحاجة ماسّةً إلى تبنّي مفهوم جديد يهتم بأمن الإنسان، بصرف النظر عن جنسيته أو عرقه أو معتقداته الدينية والفكرية، ما يعني ضرورة الانتقال من مفهوم “أمن جماعي” يقصر اهتمامه على أمن الدول والحكومات إلى مفهوم “الأمن الإنساني”، الذي يتّسع أفقه ليشمل كل ما يساعد على أمن ورفاهية الإنسان في كل مكان. ومن الصعب تحقيق هذا الحلم من خلال مجلس تديره القوى الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، مثلما يحدث حالياً، وإنما من خلال مجلس يعبّر عن موازين القوى الحقيقية في العالم، وتكون له صلاحيات وسلطات تمكّنه من التصدّي لكل مصادر تهديد أمن الإنسان في كل مكان، وليس لمنع الحروب بين الدول فحسب. مجلس لا يكون مطلق السلطات وغير قابل للمساءلة، وإنما مجلس يخضع لرقابة سياسية من جانب برلمان دولي يملك سلطة التشريع وإصدار القوانين الدولية، ولرقابة قانونية من جانب سلطة قضائية تملك صلاحية النظر في دستورية ما يتّخذه من قرارات، أي في مدى اتساق قراراته مع ميثاق ينبغي أن تُعاد صياغة نصوصه بالكامل.
المنظومة الأممية الحالية في حاجة ماسّة إلى عملية إصلاح شاملة وجذرية
لقد باتت المنظومة الأممية الحالية في حاجةٍ ماسّةٍ إلى عملية إصلاح شاملة وجذرية، تؤدّي إلى؛ تحويل الجمعية العامة للأمم المتحدة، بوصفها الجهاز الوحيد الذي يضمّ جميع الدول الأعضاء، إلى برلمان عالمي يملك، ليس سلطة التشريع وسنّ القوانين الدولية الملزمة فحسب، وإنما سلطة الرقابة السياسية على مجلس الأمن أيضاً؛ وتحويل مجلس الأمن إلى جهاز تنفيذي يملك الصلاحيات والسلطات كافّة، التي تمكّنه من مواجهة جميع مصادر تهديد أمن البشرية، وليس التهديدات الناجمة من استخدام القوة العسكرية فحسب، وذلك بعد توسيع نطاق العضوية فيه على نحو يمكّنه من التعبير عن موازين القوى الحالية في النظام الدولي، وأيضاً بعد تغيير الأغلبية اللازمة لاتخاذ القرار بطريقة تحول دون تمكين دولة واحدة أو تكتّل إقليمي من شلّ قدرته على العمل؛ وتحويل محكمة العدل الدولية إلى جهاز قضائي يملك، لا صلاحية الفصل في جميع المنازعات الدولية التي لها بعد قانوني فحسب، ولكن أيضاً صلاحية النظر في مدى دستورية القرارات التي تصدرها جميع الأجهزة الرئيسة في المنظومة الأممية.
قد تبدو هذه الرؤية مثالية إلى درجةٍ تجعلها غير قابلة للتطبيق في ظلّ نظام دولي يتسم بسيولة كاملة ولا يخضع في سلوكه لأيّ قيم أخلاقية أو ضوابط وقواعد قانونية ملزمة. غير أنّ نظاماً منفلِتاً على هذا النحو، يطفو فوق ترسانة نووية قادرة على تدمير العالم مرّات عدة، بات يشكّل خطراً كبيراً على البشرية كلّها، ومن ثم فليس أمامها سوى الاختيار بين طريق يفضي إلى حرب عالمية ثالثة تهلك الأخضر واليابس، أو طريق يسعى إلى تحويل حلم الحكومة العالمية المثالي إلى واقع تفرضه متطلبات العولمة الرشيدة.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى