
يُعدّ التحقيق الاستقصائي الذي نشرته جريدة نيويورك تايمز بعنوان «داخل مؤامرة إخفاء جرائم الأسد» من أبرز التحقيقات التي تناولت سوريا في عام 2025؛ ومن هنا جاءت هذه المادة التي تستند بصورة رئيسية إلى ما ورد فيه، وما يتقاطع معه من معلومات وبيانات لدى الشبكة السورية لحقوق الإنسان. إذ إن التستّر الممنهج على الفظائع الجماعية يُمثّل أحد أخطر المساعي التي يمكن لأجهزة الدولة أن تنخرط فيها، لما ينطوي عليه من تدمير طويل الأمد للمجتمع وإضعاف لمرتكزات العدالة والثقة العامة.
في ظل حكم بشار الأسد، اختفى أكثر من 100 ألف شخص في سوريا وفق الحصيلة التي استند إليها التحقيق، وهي حصيلة قديمة كانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد شاركتها مع الأمم المتحدة، في حين ارتفع العدد حاليا ليقارب 160 ألف مختفٍ قسرًا على يد نظام الأسد وحده. ويضع هذا الحجم الهائل من جريمة الاختفاء القسري سوريا ضمن أكبر موجات الاختفاء القسري التي ارتكبها نظامٌ سياسي في العصر الحديث. غير أن المسؤولية لا تقف عند حدود ارتكاب الجريمة، بل تمتد إلى بُعدٍ موازٍ لا يقل خطورة: الجهد البيروقراطي المنسّق لطمس الأدلة في أثناء ارتكاب الفظائع وفي أعقابها.
فلم يكتفِ نظام الأسد بممارسة قمع واسع النطاق، بل خصّص موارد مؤسسية كبيرة لإخفاء الأدلة، والتلاعب بالمؤشرات الجنائية، وصياغة ذرائع قانونية لحماية كبار المسؤولين من المساءلة القضائية، بما حوّل الإخفاء من فعلٍ إجراميّ منفصل إلى سياسة دولة متكاملة الأركان.
جسّدت عملية إعادة الدفن، التي امتدت قرابة عامين، التزام النظام بتدمير الأدلة، فقد استخدمت فرقٌ حفارات لاستخراج الرفات، ثم حُمّلت على شاحنات قلّابة ونُقلت إلى موقع في صحراء الضمير شمال شرقي دمشق.
من التوثيق الدقيق إلى المسؤولية الاستراتيجية
لم تكن أجهزة الأمن السورية تعمل دائمًا في الخفاء؛ ففي المراحل الأولى من النزاع الذي أعقب الحراك الشعبي عام 2011، احتفظت السلطات بسجلات دقيقة لأنشطتها: دوِّنت الاستجوابات، ووُثّقت حالات الوفاة، وصُوِّرت الجثث. وكان الحلفاء الروس والتونسيون (كان صادما بالنسبة لي أن تورد الوثائق التي اعتمد عليها التحقيق النظام التونسي كمستشار قمعي أساسي لنظام الأسد) قد نصحوا الأسد باتباع هذا النهج، معللين ذلك بأن اعترافات السجناء والإجراءات الموثقة يمكن أن توفر غطاءً قانونياً لأفعال النظام.
تغيرت المعادلة جذريًا في يناير/كانون الثاني 2014، عندما هُرّبت من سوريا صورٌ لأكثر من 6000 جثة من سجون سرية، تحمل كثيرٌ منها آثار تعذيب واضحة، عبر مصور عسكري عُرف بالاسم الرمزي «قيصر». وقد شكّلت هذه الصور أبرز دليل مفصل على التعذيب والإعدامات خارج نطاق القضاء التي ارتكبتها حكومة الأسد منذ بداية النزاع. وعندما قدمت فرنسا هذه الصور إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بعد أشهر، تحولت الوثائق التي كانت تُعدّ سابقًا إجراءً وقائيًا إلى تهديدٍ مباشر لمنظومة الإفلات من العقاب.
استجابت الأجهزة الأمنية بتشكيل دفاع منسّق؛ ففي أغسطس/آب 2014، اجتمع كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين والاستخباراتيين مع قانونيين سوريين لوضع استراتيجية مواجهة. ووفقًا لمذكرة تصف المداولات في مكتب الأمن القومي، تآمر المشاركون على تشويه سمعة الصور المسربة عبر الادعاء بأن عددًا محدودًا منها فقط يُظهر سجناء سياسيين، وأن جزءًا آخر يعود إلى متمردين قُتلوا في المعارك أو لمجرمين. كما أوصت المداولات بـ«تجنب الخوض في التفاصيل وتجنب محاولات إثبات أو نفي أي حقائق»، والتركيز بدلًا من ذلك على «تقويض مصداقية» قيصر، بعدما كانوا قد تحققوا من هويته الفعلية.
التلاعب البيروقراطي والوثائق المزورة
بحلول عام 2018، انقلبت موازين النزاع لصالح قوات الأسد التي استعادت السيطرة على المدن الرئيسية؛ وفي ظل ضغط الحلفاء الروس لإعادة سوريا إلى المشهد الدولي بعد سنوات من العزلة، ظل مسؤولو نظام الأسد يتوجسون من أن يؤدي الانفتاح الدبلوماسي إلى وصول محققين دوليين قادرين على كشف أدلة الفظائع. وفي الوقت ذاته، واصلت منظمات حقوق الإنسان نشر تقارير تكشف تفاصيل جسيمة عن عنف الدولة، ما زاد ضغط عائلات الضحايا الساعية لمعرفة مصير أقاربها المختفين.
في خريف عام 2018، وصل رؤساء الأجهزة الأمنية إلى القصر الرئاسي لمناقشة التسريبات المتزايدة حول المقابر الجماعية ومراكز التعذيب. وخلال الاجتماع، اقترح كمال حسن، الذي كان يدير فرع فلسطين سيئ السمعة في جهاز الأمن، محو هويات السوريين الذين لقوا حتفهم في السجون السرية من السجلات الرسمية، بما يزيل أي أثر ورقي يمكن تتبعه. ووافق علي مملوك، كبير مسؤولي الأمن، على دراسة الاقتراح.
شهدت الأشهر اللاحقة تدخّلًا ممنهجًا في سجلات الأدلة؛ فقد عمد بعض المسؤولين الأمنيين إلى تزوير الأوراق لمنع إسناد الوفيات إلى فروع أمنية بعينها، في حين حذف آخرون بيانات تعريفية مثل أرقام الفروع أو رموز تعريف المحتجزين. وقبل عام 2019، كانت الجثث المنقولة من الأجهزة الأمنية في دمشق إلى المستشفيات العسكرية تحمل عادة رقمين مكتوبين على الجبهة: رقمًا يحدد الجهاز الأمني، ورقم تعريف السجين. ابتداءً من عام 2019، بدأ جهازان على الأقل، الفرع 248 وفرع فلسطين، بإغفال بعض هذه المعلومات أو كلها.
ولعل أكثر عناصر استراتيجية التستر جرأة تمثلت في تزوير الوثائق القانونية على نطاق واسع؛ فقد أمر مملوك الأجهزة الأمنية بتزوير اعترافات لأفراد توفوا في أثناء احتجازهم، مع اصطناع تواريخ لتلك الاعترافات بهدف إضفاء مظهر من الشرعية القضائية. وتضمنت بعض هذه الاعترافات المزورة إقرارات بالانتماء إلى منظمات إرهابية دولية، بما يُنتج تبريرًا قانونيًا شكليًا لوفيات وقعت نتيجة التعذيب أو الإعدام بإجراءات موجزة.
أما الإشكال التقني المتعلق بالتوقيعات، فقد عولج بأسلوب يكشف مقدار البرودة البيروقراطية في إدارة الجريمة: إذ وُقّعت الاعترافات الأصلية ببصمات أصابع بحبر شديد الخفة، ثم صُوّرت نسخ بالكاد تُرى فيها العلامات، وأُتلفت النسخ الأصلية، وحُفظت النسخ المصورة وحدها في الأرشيف.
وتظهر المداولات الداخلية حسابات النظام بوضوح؛ فعندما اقترح ضباط في مديرية استخبارات القوات الجوية تسجيل وفيات المعتقلين لدى السجل المدني بهدف تهدئة عائلاتهم وتخفيف الضغط الشعبي، رُفض الاقتراح. وردّ رئيس دائرة القضاء العسكري بأن مشاركة هذه التفاصيل «قد تكون غير آمنة»، في حين عبّر مسؤولون في وزارة الدفاع عن خشيتهم من احتمال تسريب قوائم بالأسماء واستخدامها أداةً للضغط الدولي.
لا يزال إرث التستر قائمًا؛ فالتشويش المتعمد للأدلة الجنائية وتزوير الوثائق يعقّدان مسارات محاسبة كبار المسؤولين، ولا سيما عن الجرائم المرتكبة في السنوات الأخيرة من النزاع.
عمليات المقابر الجماعية وإخفاؤها
إلى جانب التلاعب بالوثائق، بذل النظام جهودًا مادية لإخفاء أدلة الفظائع الجماعية. ففي دمشق، أشرف العقيد مازن إسماعيل على عمليات دفن الجثث في مقابر جماعية، ونظّم فرقًا لجمع الجثث من المستشفيات العسكرية ودفنها في مواقع متفرقة حول العاصمة. وعندما حصل ناشطون معارضون وصحفيون على معلومات عن وجود مقبرة جماعية في القطيفة شمالي دمشق مطلع عام 2019، تلقى إسماعيل أوامر بنقل الجثث إلى موقع جديد.
جسّدت عملية إعادة الدفن، التي امتدت قرابة عامين، التزام النظام بتدمير الأدلة، فقد استخدمت فرقٌ حفارات لاستخراج الرفات، ثم حُمّلت على شاحنات قلّابة ونُقلت إلى موقع في صحراء الضمير شمال شرقي دمشق. ودُفعت المخاوف من الشهود المدنيين إلى اتخاذ تدابير إخفاء إضافية، شملت تغطية أحواض الشاحنات ووضع طبقات من التراب فوق الرفات لإخفاء وجودها في أثناء النقل. وبحسب شهود عيان، ضمّت الرفات مدنيين وأفرادًا يرتدون لباسًا عسكريًا وكبار سن وجثثًا عارية، بما يعكس طابعًا واسعًا وعشوائيًا لعنف الدولة.
مفارقة العقوبات والمسار نحو المساءلة
اعتُبر إقرار الولايات المتحدة لقانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا أواخر عام 2019 خطوة مهمة باتجاه المساءلة، إذ استهدف أفرادًا وكيانات متورطة في فظائع نظام الأسد؛ غير أن المعطيات الواردة تشير إلى أثر رادع محدود على أرض الواقع. فقد أفاد محققون في عدة أجهزة أمنية بأنهم وزملاءهم ازدادوا قسوة مع السجناء بعد فرض العقوبات، مدفوعين جزئيًا بالاستياء من تدهور الأجور مع انهيار الاقتصاد. ولم يشر أي من المسؤولين الأمنيين الذين أُجريت معهم مقابلات إلى تلقيهم تعليمات بوقف التعذيب أو الحد منه استجابة للعقوبات.
والأشد إثارة للقلق أن نظام العقوبات ولّد حوافز سلبية تتعلق بالإفراج عن المحتجزين؛ إذ عبّر مسؤولون عن مخاوف من أن يدلي المفرج عنهم بشهادات لاحقة حول ما تعرضوا له، بما قد يفضي إلى إجراءات دولية أشد صرامة. ونقل التحقيق عن أحد المحققين الذين عملوا في الفرع 248 حتى عام 2020 أن بعض مسؤولي السجن كانوا يفضلون الاحتجاز غير المحدد حتى وفاة السجناء بدلًا من المخاطرة بالإفراج عن شهود محتملين.
وبحلول عام 2023، بدأت الإجراءات القانونية الدولية تضيق الخناق على شخصيات بارزة في النظام؛ فقد أصدر قضاة التحقيق الجنائي الفرنسيون مذكرات توقيف بحق ثلاثة مسؤولين كبار، من بينهم علي مملوك، بتهم التعذيب والاختفاء القسري وقتل مواطنين سوريين فرنسيين. واستهدفت مذكرات لاحقة بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد ومسؤولين آخرين على خلفية استخدام الأسلحة
الكيميائية ضد المدنيين عام 2013. كما أقرت وثائق داخلية صدرت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 بأن النهج التقليدي القائم على نعت هذه الاتهامات بأنها «ذات دوافع سياسية» لم يعد كافيًا ولا مقنعًا.
خاتمة
لم تنجح أجهزة التستر التي اعتمدها نظام الأسد في منع سقوطه في نهاية المطاف؛ ففي ديسمبر/كانون الأول 2024، اجتاح تحالف من الثوار دمشق، ما أدى إلى نفي الأسد ومملوك وحسن وغيرهم من كبار المسؤولين إلى روسيا. وفرّ العقيد مازن إسماعيل ليلة دخول الثوار، ويُقال إنه وزّع بطاقات هوية لأشخاص متوفين على رجاله في محاولة يائسة لتسهيل هروبهم.
ومع ذلك، لا يزال إرث التستر قائمًا؛ فالتشويش المتعمد للأدلة الجنائية وتزوير الوثائق يعقّدان مسارات محاسبة كبار المسؤولين، ولا سيما عن الجرائم المرتكبة في السنوات الأخيرة من النزاع. كما أسهم تدمير المعلومات التعريفية على الجثث، وتلفيق الاعترافات، ونقل المقابر الجماعية، في خلق بيئة أدلة تُعيق الإجراءات القضائية وتُحبط الحاجة الإنسانية الأساسية إلى الحقيقة.
وبالنسبة لعائلات المختفين قسرًا، يمثل التستر جرحًا ثانيًا: ليس فقط فقدان الأحبة، بل محو متعمد لوسائل معرفة المصير واستعادة الكرامة عبر كشف الحقيقة. وتظل الأسئلة التي عبّر عنها سوري اختفى شقيقه عام 2013 تطاردهم: «أين أُخذ؟ كيف قُتل؟». لقد صُممت آلية التستر تحديدًا لضمان بقاء هذه الأسئلة بلا إجابة، بما يحوّل الاختفاء القسري من فعل عنف إلى حالة دائمة من عدم اليقين تؤلم ذوي المختفين طوال حياتهم.






