
مع بداية عام 2026، ومرور عام على تحرير سورية من نظام الأسد البائد، يبدو السوريون أقل انشغالًا بالشعارات الكبرى التي هيمنت على خطابهم طوال خمسة عشر عامًا من الثورة، وأكثر تركيزًا على أسئلة الحياة اليومية: كيف نعيش بأمان؟ كيف نحافظ على كرامتنا؟ وكيف نضمن مستقبلًا لا يُعاد فيه تدوير العنف والظلم؟
لم تُلغِ سنوات الحرب الطويلة مطالب السوريين، لكنها أعادت ترتيب أولوياتها. فقد علّمتهم التجربة القاسية أن غياب الحوكمة والعدالة، والعيش الكريم، لا يؤدي فقط إلى الفقر، بل يسهم أيضًا في إعادة إنتاج الحرب ذاته. ومن هنا، يمكن فهم تطلعات السوريين لعام 2026 بوصفها سعيًا إلى استقرار عادل، لا إلى استقرار هشّ مفروض بالقوة.
الأمن أولًا… ولكن الأمن الشامل
لم يعد الأمن في المخيال السوري مجرد سيطرة عسكرية أو حضور أمني كثيف، بل أصبح مفهومًا متعدد الأبعاد يشمل السلامة الجسدية، والحماية القانونية، والأمن الغذائي، والأمان النفسي والاجتماعي. وفي مجتمع أنهكته الحرب والاعتقالات والانتهاكات والنزوح، لا يمكن لأي تعافٍ حقيقي أن يبدأ دون إنهاء العنف المنظّم، وضمان عدم عودة الممارسات القمعية التي مارسها النظام البائد، فضلًا عن ضمان حق اللاجئين والنازحين في العودة الطوعية الآمنة.
إن استمرار هشاشة الأمن لا يعيق فقط جهود إعادة الإعمار، بل يقوّض إمكانية استعادة الثقة الاجتماعية والمؤسساتية، ويحوّل مشاريع التعافي إلى مدخل لدورة صراع جديدة، مما يبرز أن الأمن الشامل والمتعدد الأبعاد شرط أساسي لأي عملية تعافٍ مستدامة.
الكرامة المعيشية حجر الزاوية لأي تعافٍ مستدام
أدى الانهيار الاقتصادي الحاد في سورية، وتفكك منظومة الإنتاج، وتراجع القدرة الشرائية، إلى بروز فقر بنيوي واسع يحوّل الحاجات الأساسية إلى أدوات للضبط الاجتماعي، ويحوّل الأزمة المعيشية من ظرف طارئ إلى واقع يومي يهدد القدرة على الاستمرار. لذلك، لا يطالب السوريون في 2026 بطفرة اقتصادية سريعة، بل بحد أدنى من الكفاية: فرص عمل مستقرة، ودخل يحفظ الكرامة، وخدمات أساسية موثوقة.
وتشير تجارب ما بعد النزاعات إلى أن إعادة الإعمار، في غياب حوكمة شفافة وتمثيل عادل، تتحوّل إلى أداة لإعادة توزيع الثروة لصالح نخب اقتصادية جديدة، ما يزيد اللامساواة ويغذّي شعور الظلم. ومن هنا، تتضح العلاقة المباشرة بين الكرامة المعيشية وإصلاح بنية الحكم، لتصبح الكرامة، وليس السياسات الاقتصادية وحدها، حجر الزاوية لأي تعافٍ مستدام.
العدالة الانتقالية ضرورة وطنية
لا يكفي الحفاظ على الاستقرار الأمني لبناء سوريا ما بعد التحرير، فالتحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من إدارة مرحلة مؤقتة إلى تأسيس عقد اجتماعي جامع. وفي هذا السياق، تبرز العدالة الانتقالية كمدخل أساسي لترسيخ السلم الأهلي ومعالجة إرث الانتهاكات، لا كخيار انتقامي، بل كضرورة وطنية.
فالعدالة الانتقالية تقوم على كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار، بما يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. أما القفز فوق هذا المسار، أو الاكتفاء بتسويات شكلية، فيُبقي الحرب حاضرًا في الذاكرة الجمعية ويُضعف أي عقد اجتماعي جديد. ومن دون عدالة، يبقى الاستقرار هشًا، وتظل الدولة عاجزة عن التحول إلى إطار جامع يطمئن السوريين ويحصّن البلاد من الانقسام.
جبر الضرر… ليس منّة، بل حق قانوني
لا تكتمل العدالة الانتقالية دون سياسات واضحة لجبر الضرر، تعترف بما لحق بالضحايا من أذى مادي ومعنوي، وتسعى إلى تعويضهم، ولو بالحد الأدنى الممكن. ويشمل ذلك المعتقلين السياسيين والرأي في عهد النظام البائد، وضحايا التعذيب، وعائلات الشهداء، الذين تحمّلوا العبء الأكبر من كلفة الحرب.
يتطلع السوريون إلى برامج تعويض مادي مباشرة، تشمل الدعم الصحي، وتأمين الدخل أو السكن، وتوفير فرص العمل، إلى جانب تعويض معنوي يتمثل في الاعتراف الرسمي بالضحايا، وردّ الاعتبار لهم، وإلغاء الأحكام والإجراءات التعسفية التي طالتهم. فالتعويض ليس منّة، بل حق قانوني يسهم في إعادة الإدماج الاجتماعي، ويمنع انتقال مشاعر الظلم إلى الأجيال القادمة، وهو عنصر أساسي لكسر دورة الحرب.
ملف المفقودين… التزام أخلاقي وإنساني
يُعد ملف المفقودين والمختفين قسرًا من أكثر الملفات إيلامًا وتعقيدًا في الحالة السورية، لما يحمله من أبعاد إنسانية ونفسية وقانونية. إذ لا تزال آلاف العائلات تعيش في حالة «تعليق وجودي» بين الأمل والفقدان، محرومة من حقها الأساسي في معرفة مصير أبنائها.
وعليه، يتمثل أحد المطالب الجوهرية للسوريين في عام 2026 في إنشاء آلية وطنية مستقلة وشفافة لمعالجة هذا الملف، تضمن الكشف عن مصير المفقودين، وتحديد أماكن الدفن، وتسليم الرفات حيث أمكن، وإصدار وثائق قانونية تتيح للأسر تسوية أوضاعها المدنية والاقتصادية. فالتعامل مع هذا الملف ليس مسألة سياسية قابلة للتأجيل، بل التزام أخلاقي وإنساني لا غنى عنه.
مجتمع مثقل بالصدمات… وضرورة التعافي النفسي والاجتماعي
أدت سنوات العنف الممتد إلى ارتفاع ملحوظ في الاضطرابات النفسية، والتفكك الأسري، وتآكل الثقة الاجتماعية، ما يمكن توصيفه بـ«الصدمة الجمعية». وتشير دراسات ما بعد النزاعات إلى أن تجاهل برامج التعافي النفسي والاجتماعي يعمّق الهشاشة المجتمعية ويؤجل فرص الاستقرار طويل الأمد.
في هذا السياق، يطمح السوريون إلى أن يكون عام 2026 بداية لمسار جاد لمعالجة آثار الحرب النفسية والاجتماعية، عبر سياسات عامة شاملة ومبادرات مجتمعية تعيد بناء الثقة، وتعزز رأس المال الاجتماعي، وتحدّ من أنماط العنف المكتسبة التي تهدد بإعادة إنتاج الحرب بأشكال جديدة.
الأجيال الجديدة… مستقبل على المحك
يشكّل الأطفال والشباب إحدى أكثر الفئات تضررًا من الحرب، سواء من حيث الانقطاع التعليمي، أو التهجير القسري، أو تشوّه الهوية والانتماء. ومن منظور تنموي، يرتبط مستقبل سورية بشكل مباشر بقدرتها على إعادة دمج هذه الأجيال ضمن منظومة تعليمية وتربوية مستقرة.
وعليه، يتمثل أحد أهم تطلعات السوريين في عام 2026 في توفير بيئة تعليمية آمنة وشاملة، تسهم في بناء رأس مال بشري قادر على تجاوز آثار الحرب، والمشاركة في إعادة بناء الدولة والمجتمع، بعيدًا عن التلقين والإقصاء.
السياسة: من القمة إلى الجذور
رغم الإرهاق العام الذي خلّفته سنوات الحرب الطويلة، يدرك السوريون أن تحقيق الأمن، والكرامة المعيشية، والعدالة، والتعافي المجتمعي، يبقى رهينًا بحل سياسي حقيقي وشامل يعالج جذور الأزمة، لا مظاهرها فقط. فالمطلوب ليس تسوية مؤقتة أو إعادة إنتاج توازنات القوة القديمة، بل مسار سياسي يؤسس لعقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات. الدولة التي يتطلعون إليها في عام 2026 ليست دولة شعارات أو ولاءات، بل دولة مؤسسات تخضع فيها السلطة للمساءلة، وتُصان فيها الحقوق والحريات، وتُدار عملية إعادة الإعمار باعتبارها أداة للإنصاف وإعادة الاندماج الوطني، لا وسيلة لإعادة إنتاج الإقصاء أو الهيمنة.
ما يريده السوريون من عام 2026 ليس معجزة استثنائية ولا وعودًا كبرى، بل استعادة حقهم في حياة طبيعية تأخرت طويلًا: أمن بلا خوف، وكرامة بلا إذلال، وعدالة تعترف بالضحايا وتنصفهم، ومستقبل لا يُعاد فيه تدوير المأساة بأشكال جديدة. هذه المطالب، في جوهرها، ليست طموحات قصوى، بل شروط الحد الأدنى لبناء مجتمع قابل للحياة بعد سنوات من العنف والانقسام.
المصدر: تلفزيون سوريا


