
تشبه عقلية بعض المثقفين عقلية مدرس للمرحلة الابتدائية أمضى ثلاثين عامًا مع طلاب الصف الأول والثاني، فهم لا يتسع تفكيرهم لأي مراجعة أو نقد ذاتي، فحتى لو ظهرت أمامهم الحقيقة كشمس الصيف في رابعة النهار فذلك ليس كافيًا لتغيير آرائهم.
من ذلك جدلهم العقيم في أن النظام البائد ليس طائفيًا، مع كون الاعتراف بطائفيته لا يعني بالضرورة اتهام الطائفة بل اتهام النظام السياسي، وضمن جدالهم العقيم يسوقون ذات الحجة الرهيبة دائما: أن الجيش يحوي الكثير من السنة وكذلك رجال الدولة، بل إن من قاموا بانقلاب 1970 من كبار الضباط كثير منهم من السنة.
ينسى أولئك المثقفون حقيقة بسيطة أن السلطة كانت تتمركز في النهاية ضمن العصبية الطائفية، وأن ضباط الجيش من السنة تمت إزاحتهم من المراكز الحساسة بالتدريج منذ 8 آذار 1963 , فالسلطة ليست عددا، وقد احتلت العصبية الطائفية مركز القرار، ولم تترك لضباط السنة سوى أن يكونوا أدوات رخيصة معدة للتنفيذ وليس للقرار، وحين يتخطون ذلك الدور تتم ازاحتهم بسهولة والاتيان بغيرهم.
وفي التاريخ نجد الكثير من الحالات المشابهة، فالحملة الانكليزية المصرية على بلاد الشام التي انتهت عام 1918 بهزيمة الجيش العثماني في سهل مجيدو قرب نابلس كانت في معظمها من الجنود المصريين والهنود، والحملة الانكليزية على العراق والتي عرفت بحملة بلاد الرافدين واستمرت منذ 1914-1918 كانت في غالبيتها الساحقة من الهنود بقيادة انكليزية، مع ذلك فسوف يكون محل سخرية من يقول إنه لا يصح القول بكون الحملة انكليزية وضمن أهداف السياسة البريطانية لماذا لأن معظمها كان من الجنود وبعض الضباط الهنود. وجيش الجنرال غورو الذي خاض به معركة ميسلون واحتل دمشق كان معظمه من شمال أفريقيا والسنغال، والقوة الرئيسية التي حافظت على سلطة الاحتلال الفرنسي في سورية لم تكن في معظمها فرنسية بل قوة مختلطة كما سبق إضافة لمجندين وضباط سوريين.
يكاد يكون معروفا لجميع من خدم بالجيش، أو من استدعي للمخابرات أن الغالبية الساحقة من الضباط خاصة في الأسلحة الأساسية كالدبابات والمدفعية والطيران وكذلك داخل فروع المخابرات هم من الطائفة العلوية.
تلك حقيقية لا يمكن حجبها كما لا يمكن حجب الشمس بغربال.
لكن المسألة ليست هنا، المسألة في من المسؤول عن تطييف الجيش والدولة؟ هل هم العلويون الفقراء؟ أم النظام السياسي الذي استخدم العصبية الطائفية لتأبيد حكمه وفي سبيل ذلك قام بأفظع مذبحة في تاريخ سورية في حماة لخلق بحر من الدماء بين السنة والعلويين ولقطع الطريق على العلويين وتخويفهم وبالتالي إلحاقهم بنظامه كحرس وجنود لحمايته.
طائفية النظام لا تعني مسؤولية الطائفة كطائفة ومن يشك بذلك فليذهب إلى قرى الساحل ويشاهد الفقر الذي يعيشون فيه.
طائفية النظام وصمة عار على النظام الذي كان ضحيته العلويون كما السنة. فلا داعي لإثبات ما لا يمكن اثباته واللجوء للإنكار.
إذا لم يكن نظام الأسدين طائفيًا فلا يوجد نظام سياسي طائفي في العالم.






