مخططٌ إسرائيليٌّ لتفتيت الإقليم

محمد أحمد بنّيس

لم يكن اعتراف الكيان الصهيوني بما تسمّى “أرض الصومال” مفاجئاً، في ضوء ما يشهده الإقليم من متغيّرات متسارعة. فالتداعيات الدراماتيكية لحرب غزّة تنذر بإعادة رسم خرائط أكثر من دولة وكيان، في ظلّ إخفاق الاجتماع السياسي العربي المعاصر في حلّ معضلة الدولة الوطنية على أساس الشراكة السياسية، من دون تغوُّل أيٍّ من مُكوّناتها القبلية والعشائرية والإثنية والدينية والطائفية. وبالوسع القول إن إخفاق دول الإقليم ومجتمعاته في حلّ هذه المعضلة بات فرصةً تاريخيةً قد لا تتكرّر، بالنسبة إلى دولة الاحتلال، لتنفيذ مخطّطها لتفتيت الإقليم الذي تعصف به الانقسامات والصراعات.
ويزداد الأمر خطورةً أمام سعي حركات سياسية ومسلّحة في سورية واليمن والصومال والسودان وليبيا وغيرها إلى إعلان انفصالها، مستثمرةً في ذلك استعداد إسرائيل للاعتراف بها وإقامة علاقات دبلوماسية معها، تكون مقدمةً لاتفاقات أمنية واستخبارية واقتصادية على غرار الاتفاقات الإبراهيمية. ومن نافل القول أن هذه الاتفاقات تقدّم لدولة الاحتلال إطاراً سياسياً ودبلوماسياً “شرعياً” للذهاب بعيداً في مخطّط التفتيت هذا، الذي يستهدف دول الإقليم، في غياب نخبٍ سياسيةٍ عربيةٍ قادرة على إيقافه والتعاطي معه بحزم.
يمثّل القرن الأفريقي وجنوبي البحر الأحمر أهميةً استراتيجية بالنسبة إلى القوى الدولية والإقليمية الكبرى. ولطالما كانا محطّ أطماع إسرائيلية، بالنظر إلى أهميتهما في التوسّع نحو عمق القارّة الأفريقية والهيمنة على ثرواتها ومقدراتها. وقد نجحت دولة الاحتلال، منذ سنوات طويلة، في توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي هناك، من خلال مشاركتها في “الحرب الدولية على الإرهاب”، وتصدّيها للنفوذ الإيراني في اليمن؛ فضلاً عمّا يشكّله وجودها هناك من تهديدٍ للأمن القومي لبلدَين عربيَّيْن مركزيَّيْن بحجم مصر والسعودية.
إضافةً إلى ذلك، أبانت حرب غزّة ثغرةً في الاستراتيجية الإسرائيلية في القرن الأفريقي وجنوب البحر الأحمر؛ فقد واجهت دولة الاحتلال تحدّياتٍ استخباريةً وأمنيةً ولوجستيةً في التعاطي مع العمليات التي شنّتها جماعة الحوثي في اليمن على أهداف إسرائيلية وغربية خلال حرب غزّة. وهو ما يعني، في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، ضرورة وجود نقطة ارتكاز سياسية واستخبارية وأمنية رئيسة في المنطقة، من أجل مجابهة أيّ تهديدات أو مخاطر مستقبلية. إن الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال” يبدو تحصيل حاصل، بعد أن أصبحت النُّخب الإسرائيلية مقتنعةً بالأهمية الاستراتيجية المركزية لهذا الكيان السياسي المصطنع في إدارة موارد النفوذ الإسرائيلي في الإقليم.
في السياق نفسه، يثير هذا الاعتراف مخاوف دول أفريقية في شرق القارّة من أن يكون ذلك مقدّمةً لدفع بعض الأقليات الإثنية والقبلية والدينية إلى إعلان انفصالها، الأمر الذي يُعدّ تهديداً صريحاً لوحدة هذه الدول واستقرار نسيجها الاجتماعي والأهلي. وتُدرِك دولة الاحتلال أهمية هذه الورقة في إعادة رسم خرائط نفوذها، ليس في شرق أفريقيا فقط، بل في معظم أنحائها. ولعلّ ذلك ما يفسّر “الحذر الأميركي” في التعاطي مع اعترافها بـ”أرض الصومال”، على اعتبار أن نجاح الكيان الجديد في حيازة شرعية دولية لانفصاله واستقلاله عن الصومال قد يكون بمثابة بداية تدحرج كرة ثلج دعوات الانفصال في بلدان مهيّأة، أكثر من غيرها، لهذا السيناريو، وبالأخص في ظلّ تقديم دولة الاحتلال مغريات سياسية واقتصادية كبيرة لقادة هذه الدعوات الانفصالية ورموزها.
من ناحية أخرى، يعيد الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال” إلى الواجهة مخطّط تهجير الفلسطينيين إليها، بما يمثّله ذلك من تهديد للقضية الفلسطينية، خصوصاً أن حرب الإبادة الوحشية الإسرائيلية دمّرت مختلف مقوّمات الحياة في قطاع غزّة. ولذلك لا يُستبعد أن يكون الاعتراف جزءاً من صفقة كبرى تسهر دولٌ إقليمية على رعاية حلقاتها في كواليس السياسة الدولية، بما يخدم الأجندة الإسرائيلية التي يتصدّر تفريغُ القطاع من سكّانه وتهجيرهم أولوياتِها.
لا يبدو تزامنُ الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال” مع الطور الجديد الذي انعطفت إليه الأزمة اليمنية مصادفةً، فالكيان الغاصب لا يترك شيئاً للمصادفة، وبالتالي يستدعي تفتيت القرن الأفريقي، بالضرورة، وفق المنظور الإسرائيلي، إشاعة حالة من عدم الاستقرار في الساحل الشرقي لمضيق باب المندب.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى