العرب والثورات العلمية: بين الفرجة والاستهلاك واللعب

نبيل عبد الفتاح

ثورة الذكاء الاصطناعى التوليدى، والرقمنة ووسائل التواصل الاجتماعى تشكل نقطة تحول فى التاريخ البشرى كله، وعالم الحداثة والعقلانية، والحريات، وما بعد الحداثة، والمابعديات. كل المواريث الفكرية والفلسفية في مجال العلوم الاجتماعية، تبدو في بعضها غير قادرة على الوصف الدقيق للظواهر الجديدة والمتغيرة فى سرعات فائقة والذي لايزال جزئيا، ومن ثم بعض الصعوبة حول ما ينبثق عنها من الأسئلة والإشكاليات التى تنطلق من سياقاتها المتغيرة في سرعاتها المتلاحقة، وومن ثم عسر القدرة على التنبوء بمسارات التحول، على تعدد سيناريوهاتها على العقل والوجود الانسانى العام والفلسفي والسوسيولوجي ، في عالم يبدو غائمًا فى تحولاته الحاملة لثورات هادئة، وناعمة فى شكلها وصورها لكنها زلزالية، وتسانومية فيما وراءها، بل ربما أكبر وأخطر من إمكانياتنا اللغوية، فى إيجاد مفردات وأوصاف، ومجازات للتعبير عن نوعية هذه التحولات الجذرية التى تحدث حولنا، وبنا، ونتحول معها إلى محضُ أدوات، واشياء في أسواق استهلاكية ، وذلك بغير إرادة منا .
لم يعد عالم ما بعد الإنسانية، سردية تخيلية روائية كما تنبأ الدوس هاكسلي – فى روايته “عالم جديد شجاع “Brave New World” التى تخيلت عالما يتم التحكم فيه بيولوجيا واجتماعيا عبر التلاعب الجيني ، والتحكم فى عقول البشر على نحو يغير من الطبيعة الإنسانية ووجودها وشرطها الإنساني .
ثمة أيضا سردية جورج أورويل الروائية ذائعة الصيت ( 1984) ، حيث السيطرة السلطوية الكلية علي الإنسان ، وذلك عبر التكنولوجيا ونظم المراقبة – والأخ الكبير الذي يراقب كل شيء ويفرض سلطته علي الجميع -، وتغيير الطبيعة الفردية، فى ظل التطور التقنى، وهى وغيرها من الأعمال السردية التخيلية، حاولت استشراف الصراع بين الآلة/ التكنولوجيا، وبين الإنسان، وشرطه الوجودى، والقدرة على امتلاك مصيره، والاهم ذكاءه، مع تنامى قدرات التكنولوجيا وتطورها المتلاحق الموجات لاسيما مع الثورة الصناعية الثالثة، والرابعة والخامسة التي تتلاحق بشائرها وعلاماتها .
ثورة الذكاء الاصطناعى التوليدى، ووسائل التواصل الاجتماعى تعيد تشكيل، وإنتاج الوجود الإنساني ، والتحول من مركزية الإنسان فى الوجود الى مركزية الذكاء الاصطناعى، وعالم الروبوتات، وقلة قليلة من أمراء وأباطرة الرقمنة والذكاء الاصطناعي عند قمة عالمنا مسيطرين، من خلال الشركات الرأسمالية الرقمية النيوليبرالية فوق عالمنا كله، دول ومجتمعات، وثقافات، واديان ومذاهب ومعتقدات وطقوس، وسلوكيات، ووعى.. إلخ!
مع تخلف المجتمعات العربية الميسورة والمعسورة، ومعنا دول عديدة فى جنوب العالم، تبدو الكتابة عن عالمنا المتحول، وكأنها سرديات تخيلية عن عالم مختلف يدور فى مخيلة الكتاب، ومنفصلة عن واقع موضوعي مؤلم كنتاج للتخلف التاريخي المركب، والذى وصفة فوزى منصور فى كتابه “خروج العرب من التاريخ”، فى طبعته العربية 1993، قبل التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والانتفاضات الشعبية، والحروب الأهلية، وتفكك المنطقة ونهاية العروبة، والاستقلال الوطنى، ثم الانتفاضات الثورية للطبقات الوسطى، وفشل مراحل الانتقال السياسى، وعودة الشعبويات السلطوية، وموت السياسة، وهيمنة العقل النقلى الدينى، والتشوش والاضطراب والتوهان التاريخي للعقل الجمعى، وتشظى السرديات التاريخية والصراعات حول التاريخ، والوطنيات الهشة والهويات المتشظية ونزاعاتها.
يبدو العالم العربى وقادته السلطويين والطغيانيين التابعين للمركز الأمريكي النيوامبريالي ومعهم انظمتهم وسلطاتهم ، ومجتمعاتهم ، وكلهم جالسون سكني فى موقع المتفرج اللحظى، امام بعض مظاهر التحول، وكأنهم يشاهدون موجات التغيرات العلمية والتقنية الهادرة فى أحد طقوس الفرجه فى قاعات السينما، فى نمط من التلقى البصرى، الحكائى عن عالم غادر قاعات السينما، والتلفازات، إلى ما بعد المواقع الرقمية، وبدت وسائل التواصل فضاءات للعب الرقمي، عبر المنشورات، والتغريدات، و”الثريدات”، والصور، والفيديوهات الطلقة… إلخ.
استغراق مئات الملايين فى طقوس الفرجة، والكتابات المرسلة ، والانطباعات السطحية والعابرة ، والأخبار الكاذبة، والحكايات عن الأشخاص، والرموز، والزواج والطلاق، والمخادنات، وصور النساء وأجسادهن ، واللغة البذيئة النابية، والتعري الجسدى، وانفجارات مشاعر محمولة على الكراهية والتعصب، والتنمر! حالة من العبث الرقمي، لم تدر قط على أخيلة الروائيين، وكتابات المثقفين، ولغة الصحفيين والإعلاميين ! حيث يثور السؤال التاريخي والمستمر عبر الزمن والأنظمة والقادة الاستبداديين والتسلطيين لماذا لم يشارك العرب فى انتاج الحداثة، وما بعدها ومابعد بعدها ؟! . غياب العرب عن المشاركة في انتاج المعرفة والتقنيات مرجعه الاستبداد وقمع الحريات ومعتقلات العقل النقدي والروح ، والخضوع للتسلطيات الدينية التابعة للحاكم المتغلب في مقابل بعض من التحديث المادي السلطوي الجزئى، والتعليم الردئ، والثقافة النقلية الدينية، والإيديولوجيات المستوردة محمولة على العقلية النقلية السياسية فى واقع موضوعى مختلف، لم يسلم من هذه الدوائر النقلية إلا قلة القلة من المفكرين العرب.
بدي عالمنا العربي ومجتمعاته الانقساميّة مفتتا ، وسلطاته الحاكمة مستبدة وتسلطية وشعبوية منذ الاستقلال، كانت النخب السياسية الحاكمة ومعارضاتها الأسيرة خارج التاريخ، بعد غروب وموت حركات التحرر الوطنى. ماتت الروح العربية وعقولها الجمعية من خلال العجز عن الفعل والإبداع، وعدم استيعاب وتمثل الثورات التكنولوجية المتعاقبة ، فهمًا وإدراكا، وابداعا، وما وراء هذه الثوراتدالعلمية من عقل علمي خلاق، وفكر نقدى حر، وعقلانية ورشادة، والأهم سيادة القانون والحريات العامة والفردية، ونظم ديمقراطية تمثيلية، تحترم الفرد الحر المسؤول، وإرادته الفاعلة فى المجالين العام والخاص. من ثم لم نشارك فى الإبداع العالمى التكنولوجى، ولا فى الفكر الانسانى، الا بعض ممن غادرونا من القلة القليلة من النبهاء الى أوروبا وأمريكا الشمالية، وتوافرت لهم شروط الإبداع الفكرى، والتقنى في دول المهجر .
استوردنا بعض نفايات التكنولوجيا قبل وبعد الاستقلال، التي لا تعدو سوى زبالة تكنولوجيا تم تجاوزها منذ زمن فى بلادها، وتغيرت تكنولوجيات الغرب والشمال بأخرى متعددة الأجيال، لكى نستوردها ونستهلكها، ونعيد معها تخلفنا التاريخى المركب.
نظرنا نحن العرب إلى التحديث، والتكنولوجيا كا
كأداة استهلاك وليس كمعرفة، وإبداع مؤسس على الحرية، والعقل النقدى الحر، كامن فيها ، وفيما وراءها، وداخلها وفى عمق أعماقها!
فى كل قفزات التقنية، وثوراتها الخمس، كنا نلعب ولانزال دور المشاهد، والمستهلك لبقاياها القديمة، أو تطوراتها، ودور المتفرج المستمد من عالم الصور الفوتوغرافية فى الصحف والمجلات، ومن السينما، والتلفاز، ثم المواقع والمنصات الرقمية.
دور المتفرج، والمشاهد السلبى، الذي نمارسه مستمر منذ ماقبل وبعد الاستقلال حتى التسونامي الرقمى، والذكاء الاصطناعي التوليدى، ولا نجد ظلاً لمحاولات وسياسات سلطوية لمواكبة موجات التطور التقني والعلمي من خلال مراكز البحث العلمي المستقلة والتعليم المتطور ! لم نري إلا انفاق تريليونات الدولارات فى صفقات من بعض دول اليسر الريعى النفطى، بحثا عن استمرارية أنظمة الحكم العائلية، والأهم استقرارها، من خلال دعم علاقاتها بالولايات المتحدة، وإسرائيل، إزاء تهديدات إيران!
تريليونات الدولارات تم التوافق مع الولايات المتحدة علي دفعها في شراء صفقات السلاح ، وبعض التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي التوليدي ، سعيا من هؤلاء الأمراء والملوك والمشايخ وراء مواجهة تحديات عالم ما بعد النفط ، وتوظيف أنظمة من الذكاء الاصطناعي التوليدي، والحوكمة الرقمية كجزء من سياسة بناء أدوار إقليمية جديدة بديلا عن أدوار مصر والعراق وسوريا ! بينما واقع هذه البلدان لايزال مسيطرا عليها أنماط الاستهلاك الرقمية، التي لا تزال فى حدود أدوار الفرجة والتلقى، والاستهلاك الجمعي لها من الجموع الغفيرة في منطقة الريع النفطي ومجتمعاتها .
لايزال العالم العربي ساكنا في وضعية استهلاك الرقمنة، والذكاء الاصطناعى التوليدى، مع ثورة استهلاكية فائقة الاستثنائية فى دول اليسر، وامتدادها إلى دول العسر العربية، في مجالات السلع والخدمات بما فيها الاستهلاك المادي والافتراضي، عبر تخيلُ بعضهم وإمكانية استهلاك السيارات الخاصة، والفيلات، والشقق الفاخرة، والحياة فى المجتمعات الخاصة المحمية، أو امتلاك الأثاث المنزلي الأنيق، والأجهزة المنزلية الغالية الثمن. هذا الخيال الافتراضي الذي يسيطر على مخيلات بعضهم من المعسورين والطبقات الوسطى، هو جزء من ثورة الاستهلاك المكثف كونيا، وعربياً! بقطع النظر عن مدى قدرة الفرد على تحقيقه واقعيًا. من ثم تتحول عدم القدرة على الإنجاز والتحقق الواقعى، إلى أخيلة تراود بعض المعسورين!
تحول العقل والسلوك الاستهلاكى الجمعى عربيا للتكنولوجيا من موقع العجز الفعلى إلى موقع الاستهلاك الرقمي والذكاء التوليدى على وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال ما سبق أن أطلقنا عليه بسلطة الصور الومضات، والفيديوهات الطلقة الوجيزة، واستغراق الأوقات اليومية فى استهلاك المنشورات، والتغريدات، والتقاط الصور الذاتية – السلفي- فى المنزل، والشارع، ومواقع العمل، والمركبات العامة، والخاصة، وفى المتنزهات أن وجدت للفقراء، وأبناء الطبقة الوسطى الصغيرة.
تهيمن عربيا نزعة استهلاك الرقمنة من موقع المشاهدة من الجموع الرقمية الغفيرة ، من خلال المشاركات ، والتفضيلات، وأيضا استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدى فى إنتاج الصور وتجميل الوجوه والأجساد وترويجها، وفى كتابة المقالات والبحوث، وفى فيديوهات سريعة ووجيزة ومتخيلة عن المدن، ورموز تاريخية، سياسية، وفكرية، وفنية رحلت من زمن مضى.
إدوار استهلاكية سادت وسيطرت عربيا بعد نهايتها فى الغرب على عقلنا النقلى المستهلك للإيديولوجيات، والفلسفات السياسية وغيرها من النظريات، والمفاهيم والمصطلحات ، ومناهج البحث فى العلوم الاجتماعية، واستمرارية توظيفها فى واقع موضوعي مفارق لها علي تعدد مجتمعاتنا الانقسامية ، ومع الشراهة الاستهلاكية لانزال عربيا فى موقع الاستيراد المشوش، والمبتسر، والاستخدامات الإنشائية للعلوم الاجتماعية الغربية ، بينما الواقع الموضوعي فى كل بلد عربي مفارق لها! لم نتغير عربيا ، ولا نزال نلعب أدوار الاستهلاك العلمي والتقني، وأيضا نمارس دور المشاهدة لبعض من تفاصيل ما يجري حولنا، وبنا، وبالإنسان، ونحن “خارج التاريخ”، ولا نزال نخضع للعب بنا من النيو إمبريالية الأمريكية والنيو رأسمالية وشركاتها الكونية الكبرى ومن إسرائيل ، وبمن حولنا، ولاحركة مضادة لهذا من الطبقات الحاكمة وقادتنا السياسيين .
ثمة سياسة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للإقليم العربي واحتمالات تغيير في الجغرافيا السياسية، لمنطقة مفككة ، والتي لاتزال تشاهد ما يحدث لها ، وحولها دونما رد فعل مواكب ومساوٍ للسياسات والأفعال السياسىية الساعية لإعادة تشكيله، وتفكيكه وتحويله إلى دمى سياسية يحركها الغرب وإسرائيل، ودول الجوار الجغرافي العربي، لكي يكون عالمنا العربي مستقرأ فى موقعه خارج التاريخ، والعالم.
نلعب ونشاهد، ونستهلك، ونتفرج على التحول إلى ما بعد الإنسانية، وربما موت الإنسان، أو نهاية الإنسان -،كما ذهب فوكوياما -، وعواقب الثورة البيوتكنولوجية على الوجود الإنساني، لأننا خارج التاريخ ونعيش في معتقلات الروح والعقل.
المصدر: الأهرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى