مناعة القطيع ليست استراتيجية.. ما يعنيه المصطلح في الواقع، وما لا يعنيه

جيمس هامبلين*   ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ثمة واحدة من أكثر حالات سوء الفهم الخادعة لوباء فيروس كورونا، التي تقترب من أن تصبح سياسة وطنية صريحة. قبل أيام، ذكرت صحيفة الـ”واشنطن بوست” أن كبير المستشارين الطبيين للرئيس ترامب، سكوت أتلاس، كان “يحث البيت الأبيض على تبني استراتيجية مثيرة للجدل هي ‘مناعة القطيع’”. وفي وقت لاحق، نفى أتلاس ما ورد في التقرير، على الرغم من أنه كان قد جادل باستمرار خلال فترة عمله كمعلق في قناة “فوكس نيوز”، لصالح اعتناق مقاربات هامشية تتماشى مع الفكرة: بالتحديد أن إغلاق المدينة والولاية سيكون أكثر فتكًا من فيروس كورونا نفسه.

وكانت فكرة التخلي عن التدابير الوقائية والسماح للفيروس بإصابة الناس بالعدوى، قد كسبت جاذبية مسبقاً في الإدارة. في الأسبوع الماضي فقط، تحرك أتلاس نحو التخفيف من تطبيق أهم استراتيجية لمكافحة الفيروس -إجراء الفحوصات واسعة النطاق للكشف عن الإصابة- حين طلب من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها تغيير إرشاداتها بحيث تنصح ضد إجراء فحوصات للأشخاص الذين لا تظهر عليهم أعراض المرض. وبعد ذلك، أشار الرئيس إلى المفهوم صراحة خلال ظهوره على شاشة قناة “فوكس نيوز”، حين قال موضحاً: “بمجرد أن تصل إلى رقم معين -يجب أن نستخدم كلمة قطيع بمجرد أن تصل إلى رقم معين- فسوف يذهب (الفيروس) ويختفي”.

لكن “استراتيجية مناعة القطيع” هي عبارة تنطوي بحد ذاتها على تناقض في المصطلحات؛ حيث إن مناعة القطيع تعني غياب الاستراتيجية. إن مناعة القطيع هي مفهوم مهم للصحة العامة، الذي تم تطويره واستخدامه لتوجيه سياسة التطعيم. وهو يتضمن حساب النسبة المئوية للأشخاص في المجتمع الذين يحتاجون إلى الحصول على مناعة من أجل منع تفشي المرض. ولا يقدم المفهوم نفسه الكثير من الإرشاد أثناء وجود جائحة مستمرة من دون وجود لقاح. ولو أنه كان استراتيجية عسكرية، فإنه سيعني السماح للعدو بتمزيقك إلى أن يتوقف لأنه لا يكون قد تبقى لديك أحد ليهاجمه.

بل إننا قد نسمع المزيد من الحديث عن مناعة القطيع مع اقتراب الانتخابات، لأن لدى ترامب حافزًا للادعاء بأن الوباء قد انتهى تقريبًا، حتى لو أنه لم يفعل. ولذلك، حان الوقت الآن لإعادة النظر في ما تعنيه بالضبط مناعة القطيع، وربما الأهم من ذلك، ما لا تعنيه. وقد تحدثت مع هوارد فورمان Howard Forman، أستاذ السياسة الصحية في جامعة ييل الذي تابع البيانات المتعلقة بكيفية تطبيق استراتيجيات “مناعة القطيع” في بلدان مختلفة. وشاركت في الحوار كاثرين ويلز، مضيفة برنامج “التباعد الاجتماعي” في الأتلانتيك. وفي ما يلي نص الحوار الذي دار بيننا، مع بعض التحرير من أجل الطول والوضوح.

* *

جيمس هامبلين: ما رأيك في الأخبار التي تتحدث عن “استراتيجية مناعة القطيع” التي يُقال إنها تناقَش الآن في البيت الأبيض؟

هوارد فورمان: هذا أحد تلك المواضيع التي لا يفهمها سوى قلة قليلة من الناس. (الناس) يستخدمون مصطلح مناعة القطيع باستخفاف. البعض يتحدثون عنها وكأنها وصفة طبية من دون أن يعرفوا حتى ما تعنيه. وأعتقد أن هناك الكثير من الفروق الدقيقة هنا. في مثل هذا الموقف الذي نحن فيه، حيث فقدنا مسبقاً 180 ألف روح، لا ينبغي أن ننظر إلى الأمور باستخفاف. ينبغي أن نفكر في كيفية تجنب أكبر قدر ممكن من الوفيات، واستئناف الحياة قدر الإمكان.

عندما يتحدث الناس عن مناعة القطيع، وكلما تحدثوا عن اختصار الوقت، ولو مع الألم، أو أي من هذه الأشياء، فإن ذلك يكون أفكاراً خطيرة للغاية. الآن، أعتقد أن هناك دروسًا يمكن تعلمها من السويد، ولا ينبغي لأحد أن يقول ببساطة إن تجربة السويد كانت مروعة أو أسوأ شيء يمكن أن يحدث. لكن السويد في النهاية لم تنتهج السياسة التي يبدو أننا نتبعها الآن.

كاثرين ويلز: اعتقدت أنهم فعلوا؟

هامبلين: لقد أصبحت السويد بمثابة تلك الحالة التي يُقال إنها كتاب إرشادي لاستخدام نهج مناعة القطيع، أو الذي قالوا في البداية على الأقل أنهم ذاهبون إليه.

فورمان: بدأ الأمر عندما تحدثت السويد والمملكة المتحدة عن سعيهما إلى انتهاج مناعة القطيع. ثم ترددت إنجلترا ومن المفترض أن تكون السويد قد مضت قدُماً في ذلك، لكنهم لم يفعلوا. لقد فعلت السويد الكثير من الأشياء للحد من انتشار المرض. ويبدو أن ما لا يفهمه الناس هو أننا نقوم بأشياء في بلدنا، حتى في بعض المناطق “التي ما تزال مغلقة” التي ما كان ليتم التسامح مع مثلها في السويد. ما يزال لديهم حظر على التجمعات التي تضم 50 شخصًا أو أكثر.

ويلز: أوه! أشعر أن صورة السويد التي في ذهني هي أن الجميع يتجولون في الخارج من دون أقنعة وجوه، يستمتعون بالصيف، كلهم معًا.

فورمان: في الجزء الأكبر، هم من دون أقنعة. لكن لديهم مع ذلك حظر كامل على زيارة دور المسنين. وما يزال لديهم حظر على التجمعات العامة لـ50 شخصًا. والتجمعات للممارسة الدينية؟ محظورة. العروض المسرحية والسينمائية؟ محظورة. الحفلات؟ محظورة. وهذا ما يزعجني. لقد نظم رئيسنا حشداً انتخابياً في تولسا. كان ذلك ليُحظر في السويد.

هامبلين: وهكذا، إذا كان ثمة شيء، فإننا ربما نكون البلد الأقرب إلى استخدام مقاربة مناعة القطيع؟ حتى أنني لا أريد استخدام هذا المصطلح لأننا نقوم بالكثير غير ذلك أيضاً. ولكن، بصراحة، لا أحد يدع عن هذا الشيء يصبح جامحاً، كما قد توحي الفكرة.

فورمان: هذا صحيح تمامًا. إذا كان لديك فهم جيد لمناعة القطيع، فإنك ستعرف عندئذٍ أنها تعني ما يلي: إذا حققنا نسبة معينة من المناعة لدى السكان، فلن يكون لديك تفشٍ للوباء في ذلك المجتمع. سيظل بالإمكان أن يحدث لديك انتقال للمرض. سيظل من الممكن أن يأتي إلى بلدنا شخص مصاب بالحصبة ويذهب إلى فصل دراسي، وسيصاب شخص ما بالحصبة بسبب التقاط العدوى من هذا الشخص، ولكن لن يكون لديك تفشٍ لمرض الحصبة لأن هناك عددًا كافيًا من الأشخاص المحصنين ضد الحصبة بحيث أن الفيروس أثناء هذه العملية من محاولة الانتشار، سوف يطفئ نفسه. قد يُصاب شخصان أو ثلاثة، لكن المرض لن يُقلع مرة أخرى. هذه هي مناعة القطيع. ويتطلب ذلك أن يكون الأفراد محصنين حقًا ضد الفيروس، ما يعني أن الأمر لن يقتصر على أن الفيروس لن يؤثر عليك ويسبب لك المرض فقط، وإنما يعني أنك في الواقع لا يمكن أن تصاب بالعدوى. ولا يمكن أن تنشر الفيروس إذا اقترب منك شخص ما أيضاً.

ويلز: ويجب أن نذكر أنه، مع الأخذ في الاعتبار دائمًا أن مناعة القطيع، على الرغم من أنها ربما تكون مصدر ارتياح الآن، فإنها كانت ستأتي بتكلفة فقدان الكثير من الأرواح.

فورمان: بكلفة فقدان الكثير من الأرواح، وربما موجات من المرض والوفيات التي لا نعرف عنها حتى الآن. وأنا أقول هذا بحذر شديد، ولكن ليس لدينا أي فكرة عما إذا كانت الإصابة بهذه العدوى ستعني أن يكون لديك، بعد 10 سنوات من الآن، خطر مرتفع للإصابة بسرطان الغدد الليمفاوية. ليس هناك ما يشير إلى أن الأمر سيكون كذلك، لكننا لا نعرف. إننا نعلم أن التهاب الكبد الوبائي (ج) يؤدي إلى الإصابة بسرطان الكبد. ونحن نعلم أن فيروس الورم الحليمي البشري يؤدي إلى سرطان عنق الرحم. ونحن نعلم أن فيروس نقص المناعة البشرية يؤدي إلى بعض أنواع السرطان. لا أريد أن ينزعج الناس من هذا الاحتمال، لأنني أعتقد أن هذا غير ضروري، لكنني أقوله فقط لتوضح فكرة أننا لا نعرف ما قد يحصل فيما بعد. وهكذا، حتى لو كنت تعتقد أن بإمكانك الحصول على مناعة مكافئة للمناعة المكتسبة من التطعيم من خلال إصابتك بالعدوى، فإنك ستظل معرضاً لمخاطر قد تتجاوز الوفيات الفورية والمرض الفوري.

هامبلين: صحيح -هناك أشياء لا نراها الآن والتي نحتاج إلى أخذها في الاعتبار. وهكذا، من دون اقتراح أن هذا الفيروس يسبب السرطان على وجه التحديد، ليس لدينا أي فكرة عما ستكون عليه الآثار طويلة المدى للإصابة بالمرض، وبالتالي لا نريد العبث بالسماح بإصابة أي شخص لا يحتاج إلى الإصابة.

فورمان: صحيح. وبالمناسبة، لم تكن هناك أي حالة حقيقية لتحقق مناعة القطيع من خلال الإصابة بالعدوى.

ويلز: ولا من أي مرض على الإطلاق؟

فورمان: صحيح. في واقع الأمر، لم يظهر المصطلح نفسه إلا قبل عقود قليلة فقط، عندما كانت لدينا برامج للتطعيم. هناك حالات يكون لديك فيها، بينما تنتشر موجات كبيرة من العدوى عبر المجتمعات، مستويات أقل من التفشي في معظم السنوات، ثم تكون لديك تفشيات للأوبئة في سنوات أخرى. ربما يكون هذا هو أقرب شيء إلى المفهوم، لكنه ليس مناعة القطيع. إنك تظل تواجه تفشيات للوباء كل الوقت. إنك تواجه موجات أكبر وموجات أصغر فحسب.

ويلز: أصبح مصطلح “استراتيجية مناعة القطيع” الآن أقل منطقية بالنسبة لي مما كان من قبل.

فورمان: نحن نعلم مقدار المساعدة التي يمكن أن تقدمها لنا فحوصات الكشف عن العدوى وحدها هنا. اجمع فقط بين الاختبارات المكثفة وأشياء مثل ارتداء أقنعة الوجه والتباعد الاجتماعي، ثم سيكون عليك أن تسأل نفسك: لماذا يمكن أن تسمح بأن يموت الناس بأعداد كبيرة عندما تكون لديك مثل هذه البدائل المتاحة لنا بسهولة؟ وهذا، بصراحة تامة، قد يسمح لنا بالاقتراب من الحياة الطبيعية أكثر مما نحن عليه الآن.

ويلز: حسنًا، ما الجواب؟

فورمان: بكل صدق، أنا في حيرة. إنني آمل، بحلول نهاية شهر تشرين الثاني (نوفمبر)، أن يسمَح لنا رواد الأعمال العاكفون على تطوير هذه الاختبارات رخيصة الكلفة بأن تجري الفحوصات على نطاق ضخم بتكلفة منخفضة بحيث نتمكن من التأثير بشكل كبير على هذا بالطريقة التي لم نفعلها حتى الآن. لكنني مقتنع أيضًا بنسبة 100 في المائة بأنه لو كانت حكومتنا الفيدرالية قد فكرت في هذا الأمر في شباط (فبراير) وآذار (مارس) وقررت أنها ستخصص حتى عُشر المبلغ الذي خصصته للقاح لدعم مبادرة لإجراء فحوص كشف رخيصة، لكنا قد تمكنا من إنقاد عشرات الآلاف من الأرواح، ولأمكننا بالتأكيد إنقاذ عشرات الآلاف من الأشخاص في المستقبل.

كنتُ قد شاركت في كتابة مقال رأي قبل شهرين، حيث قلنا إن الاختبارات هي اللقاح في الوقت الحالي. وفي ذلك الوقت، كنت أتشاجر حول ما إذا كان ينبغي أن نقول إن 10 دولارات أو 20 دولارًا لكل فحص هو شيء يمكن تحقيقه. ونحن نتحدث الآن عن 1 إلى 5 دولارات كتكلفه لهذه الاختبارات. هذا هو المخرج المتاح إلى أن نحصل على لقاح.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Herd Immunity Is Not a Strategy: What the term actually means, and what it doesn’t

*دكتور في الطب، وكاتب في مجلة “الأتلانتيك”. وهو أيضًا محاضر في كلية ييل للصحة العامة، ومضيف مشارك في برنامج “التباعد الاجتماعي” Social Distance، ومؤلف كتاب Clean: The New Science of Skin

المصدر: (مجلة أتلانتيك) / الغد الأردنية

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى