“قومية اللقاح” تقف في طريق إنهاء أزمة “كوفيد- 19”

ستيفن بوراني*      ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أعلنت روسيا الأسبوع الماضي أنها ستكون أول دولة توافق على لقاح لفيروس كورونا. ونحن ننتظر جميعًا لقاحًا لفيروس كورونا، ولكن عندما أعلنت روسيا الأسبوع الماضي أنها ستكون أول دولة توافق على إنتاج لقاح، لم يفرح أحد. وأشار العلماء إلى أن الاختبارات السريرية لم تكتمل، وأنه تم اختبار اللقاح على أقل من 100 شخص. وقال أنتوني فوشي، مدير المعهد الوطني الأميركي للحساسية والأمراض المعدية، إن لديه “شكوكًا جدية” في أنه سينجح. كانت هذه حيلة علاقات عامة واضحة، ويمكن أن تكون خطيرة. وقال رئيس الرابطة الروسية لمنظمات البحوث السريرية لمجلة “ساينس”: “هذا سخيف، أشعر بأنه عار على بلدنا”.

وقد يتضح أن اللقاح الغامض ليس خطيرًا. فهذه التكنولوجيا تشبه العديد من اللقاحات المعتمدة، وقالت روسيا إن إطلاقها سيقتصر على العاملين في مجال الرعاية الصحية وغيرهم من السكان المعرضين للخطر حتى يتم الانتهاء من تجارب أخرى. وبالمثل، وافقت الصين على لقاح قيد التجربة للاستخدام العسكري من دون أي ضجة أو احتفال. لكنّ من غير المرجح أن تنجح -معظم اللقاحات لا تفعل. ويبدو أن الهدف بالنسبة لروسيا هو تمرير لقاح محدود الإصدار قيد التجربة كما لو أنه مكتمل، من أجل توليد القليل من هرمون السعادة القومي. (أُطلق على المشروع اسم سبوتنيك 5، في إشارة إلى أنه خليفة للصواريخ السوفياتية التي تفوقت على الولايات المتحدة في سباق الفضاء).

يبدو هذا سخيفًا، بل كاريكاتوريا. فقد ادعى فلاديمير بوتين أن العلاج آمن لأن ابنته أخذته، كما لو كانت عائلته وكيلًا للجمهور. ولكن، قبل أن نبكي على الدولة الفاشلة، ونسخر من رجلها القوي الأميّ علميًا، يجب أن نسأل: هل يختلف هذا حقاً عن وصف دونالد ترامب الاستجابة الأميركية لـ”كوفيد” بأنها الأفضل في العالم؟ أو إصرار الحكومة البريطانية المستمر على أنها على وشك الوصول إلى أرقام الاختبار التي استغرق تحقيقها شهورًا؟ إن هذه الردود كلها لها وصف: ثمة دولة تفشل، ثم تخبر الناس أنها تمثل النجاح مجسداً.

في الأسبوع قبل الماضي، حذرت منظمة الصحة العالمية من “قومية اللقاح”، مشيرة إلى أنه ما لم تتعاون الدول، فإن اللقاح الناجح حقاً يمكن أن يؤدي إلى حالة جنون عالمية. على غرار التدافع الذي حدث على معدات الوقاية الشخصية وكواشف الاختبار عندما استولت الحكومات الصادرات، وما قيل عن أن الولايات المتحدة حاولت اعتراض شحنات الدول الأخرى في الموانئ العالمية، فإن الطلب على إمدادات اللقاح يمكن أن يؤدي إلى معركة ضارية أخرى على موارد محدودة -مع التعقيد الإضافي المتمثل في أنه ليس هناك أحد يعرف مشروع اللقاح الذي سينجح، ولذلك ليس هناك أحد متأكداً من مصدره بعد.

بينما وعدت بعض مشاريع اللقاحات بجعل النتائج رخيصة ومتاحة على نطاق واسع قدر الإمكان، فإنه يتم تسويق البعض الآخر بطريقة مخيفة. قبل بضعة أسابيع، تحدثت مع محلل مالي كان مستاء للغايات من التكهنات القائلة إن اللقاح المرشح الأميركي الرائد mRNA الذي تنتجه شركة “موديرنا” قد ينتهي به المطاف بأن يُباع بأكثر من 70 دولارًا للجرعة الواحدة في جميع أنحاء العالم، وهو سعر من شأنه أن يدفع أفقر دول العالم إلى آخر الطابور، بل وحتى إلى خارجه جملة وتفصيلاً.

يتمثل الحل الذي تقدمه منظمة الصحة العالمية في مطالبة البلدان بالانضمام إلى “برنامج الوصول إلى أدوات كوفيد-19” (ACT)، الذي يخصَّص جزء منه لتمويل أبحاث الوصول المفتوح وشراء مخزون اللقاح لضمان توزيعه بشكل عادل. وقد تلقى المشروع أخيرا ثمانية مليارات دولار من مجموعة من دول الاتحاد الأوروبي ومؤسستي غيتس وويلكوم ترست. وهو مبلغ يبعث على التفاؤل، وإنما يمكن أن تغرقه أمواج النقود التي تنثرها هنا وهناك البلدان التي تحاول أن تقطع الشوط بمفردها. وفي الشهر الماضي، وقّعت الولايات المتحدة -أو بدأت محادثات بشأن عقد صفقات مع شركة “بفايزر” Pfizer (بقيمة ملياري دولار)، و”غلاسكو سميت كلاين” Glaxo Smith Kline (2.1 مليار دولار)، وموديرنا Moderna (1.5 مليار دولار)، و”أسترا زينيكا” Astra Zeneca (مليار دولار) لتوريد لقاحات محتملة. كما وقعت المملكة المتحدة ست صفقات من هذا القبيل، مقابل 340 مليون جرعة محتملة في المجموع، على الرغم من أن الأسعار النهائية ليست معروفة بعد لجميع هذه الصفقات.

تبدو تسمية هذا بأنه “قومية اللقاح” غير ضرورية، لأن كل مرحلة من مراحل أزمة فيروس كورونا اتسمت بعودة للقومية؛ ومن قبل الدول التي كانت تستثمر في السابق أكثر ما يكون في فكرة عالم مترابط التي أصبحت تتراجع عنها، وتتخبط في حالة من الغضب عندما يبدو أن النظام لم يعد يخدم مصالحها. خذ على سبيل المثال اكتشاف ترامب المفاجئ أنه على الرغم من ثروتها الهائلة، فإن الولايات المتحدة لم تعد تصنع العقاقير (أو الأردية الطبية، أو الأقنعة، أو أجهزة التنفس الصناعي).

لكنها أيضًا جزءا من اتجاه أطول مدة. فالمؤسسات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية، التي حذرت من الأوبئة المحتملة وأنشأت مبادرات حول أبحاث اللقاحات وتوزيعها والتأهب للصحة العامة، لم تُؤخذ على محمل الجد أو تموَّل على المستوى المناسب لسنوات. وكان ينبغي إرساء الأساس اللازم لاستجابة دولية تعاونية حقيقية لهذه الأزمة منذ أمد بعيد.

كان من الأشياء الأكثر إثارة للرعب في الأيام الأولى للوباء هو مشاهدة الدول الأغنى والأقوى -ظاهريًا- في العالم وهي تتعثر في استجابتها، باستخدام مزيج من الممارسات السياسية السيئة وآثار ترك المؤسسات الوطنية تنهار لسنوات. وفي الوقت نفسه، كان أداء الدول الأصغر، مثل فيتنام وكوريا الجنوبية، رائعًا. ومع ذلك، في حين أننا نميل إلى مقارنة النتائج بقلق شديد، فإنها لم تكن لعبة محصلتها صفر في المراحل المبكرة. كل شخص كان يمكن أن يكون نيوزيلندا.

إذا كان اللقاح يمثل حقًا نهاية الأزمة، فإنه سوف يكون مأساة معاكسة بشكل خاص إذا تمكنت الدول نفسها التي فشلت حتى الآن، من تحويله إلى لعبة محصلتها صفر، بحيث تشتري الدولة التي لديها أكبر قدر من المال معظم اللقاح -تاركة كل الآخرين في العراء.

*كاتب متخصص في العلوم والبيئة.

المصدر: (ذا موسكو تايمز) / الغد الأردنية

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى