
سورية بعد الإعلان عن تشكيل الحكومة المؤقتة الجديدة تدخل عملياً ضمن الظروف المعقدة في لحظة تاريخية فارقة
ولا شك بأن ظروف كل دولة تختلف عن الأخرى في رؤيتها وتطبيقها للمرحلة الانتقالية ، وبالتأكيد في سورية خصوصية خاصة بعد حرب وأزمات طالت ما يقارب الأربعة عشر عاماً انتهت بسقوط النظام البائد الذي أحال سورية إلى ركام ، وما نتج عن ذلك من تشابكات إقليمية ودولية ، ومن صراعات معلنة وخفية هددت النسيج الوطني الداخلي ، وقد تهدد الوحدة الوطنية والتماسك الوطني ..
ومن هنا فإن أمام الحكومة الانتقالية المؤقتة الجديدة أولويات وتحديات صعبة تنتظرها ، وتحتاج لجهود منسقة ومتكاملة جبارة للوفاء بالالتزامات التي أعلنتها في مهرجان إعلان تشكيلها ..
وإن أهم الأولويات التي على الحكومة العمل عليها تتركز فيما يلي :
١- تحقيق الأمن والأمان : إذ بعد إنهيار النظام السابق وسقوط المؤسسات الأمنية والعسكرية دخلت البلاد في حالة ارتباك وفوضى مجتمعية ، وأطلت برأسها بعض الدعوات الانفصالية ، إضافة إلى ظهور مجموعات خارجة عن القانون عملت على بث الذعر والقيام بأعمال خطف ولصوصية .. في ظل هذه الأوضاع لا بد من الإسراع بالعمل على إعادة تشكيل الجيش الوطني وجهاز الشرطة على أسس وطنية ، لفرض القانون وملاحقة كل من يخل بأمن الوطن والمواطن .
٢- إعادة تفعيل مؤسسات الدولة ، واستثمار كفاءات الموظفين من ذوي الخبرة كل في مجاله ، وهذا يقتضي رفع الرواتب والأجور بالتوازي مع التضخم في الأسواق منعاً لعودة الفساد في أجهزة مؤسسات الدولة ، وبأن تقوم كافة المؤسسات بالتعاون مع الحكومة الجديدة في توفير الخدمات اللازمة والضرورية وخاصة إعادة بناء البنية التحتية وتوفير الطاقة ( نفط وغاز … ) من أجل الإقلاع في النهوض العمراني والاقتصادي .
٣- توحيد القرار السيادي للدولة ، – أو كما قلنا في مقال سابق – ” وحدة السلطة ” وذلك بالانتهاء من وجود الفصائلية وتعددها ، وإدماجها بشكل مهني في الجيش السوري ووضع الخطط من أجل تأسيس جيش وطني قوي ، مع العمل على الانتهاء من معضلة المقاتلين الأجانب تدريجياً ..
٤- تحقيق التسريع بالنهوض الاقتصادي والدفع بعجلة الإنتاج ، وهذا يقتضي سياسة مخططة متوازنة بين القطاع العام والقطاع الخاص ، واستثمار الكفاءات وخلق بيئة للاستثمار تجتذب رؤوس الأموال الوطنية للسوريين في الداخل والخارج ، إضافة إلى الاستثمارات من الدول العربية خاصةً والأجنبية .. ووفقاً لذلك فإن على الحكومة وعلى رأسها وزير الاقتصاد أن يتقدم بالإعلان عن برنامج اقتصادي واضح قابل للتقييم والمراجعة والقياس ، لمتابعة مراحل الإنجاز مرحلة بعد أخرى .
٥- إشراك ومشاركة المجتمعات المحلية والمنظمات المدنية والأحزاب الوطنية في وضع السياسات وتنفيذها وفق الخطط العملية التي ترسمها الحكومة الجديدة .. إذ بدون التعبئة المجتمعية والتكافل والتعاضد المجتمعي لا يمكن أن يتم تنفيذ البرامج والسياسات الحكومية بفاعلية وعلى أسس مستدامة .
٦- العمل وبسرعة على إنجاز الاتفاق مع حكومة الأمر الواقع ( قسد ، مسد ) في شمال شرق سورية ، ومعالجة مطالب الأقليات الأخرى في السويداء والساحل … ضمن مبدأ المواطنة المتساوية ، ضماناً للتماسك الوطني والوحدة الوطنية السورية ..
٧- إجراء العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية عبر تشكيل هيئة عليا خاصة للعدالة الانتقالية تعتمد مبدأ الشفافية والعلنية ، وتقوم بجمع الأدلة والوثائق وسماع الشهود تمهيداً لكشف الحقيقة بكل من ارتكب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية ، أو تورط بأعمال فساد كبرى ، تمهيداً لإجراء المصالحة الوطنية وجبر الضرر وحفظ الذكرى …
إن إعلان الدولة عن تشكيل الهيئة العليا للعدالة الانتقالية بأقصى سرعة ، ومباشرة مهامها خطوة لا بد منها لوضع حد لحالات الانتقام والثأر وتهدئة خواطر أولياء الدم ، ومتابعة المفقودين وتثبيت مصيرهم أو وفاتهم ، والإعلان عن جميع الموقوفين الذين تمت ملاحقتهم والقبض عليهم مؤخراً ومحاكمة الجميع علناً وعلى وسائل الإعلام ليكونوا عبرة لكل من تلوثت يده بدماء السوريين .
ولا بد من القول بأن الأولويات التي ذكرناها هي ذاتها تندرج تحت باب التحديات ، ونضيف إليها التحديات التالية :
١- إنجاز الوحدة الوطنية الداخلية من أجل التماسك الداخلي وبناء الثقة وتعزيز الروح الوطنية بين كافة أطياف المجتمع السوري ، وإطلاق الحريات العامة ، وتفعيل الإعلام الرسمي والترخيص للإعلام المستقل وبناء قدراته من أجل كشف الحقائق ووضع حد للشائعات والأخبار الكاذبة التي تتلاعب بالرأي العام ، ودعم قوى المجتمع المدني والأحزاب السياسية للمساهمة في النهوض بالبلاد والوقوف بوجه كل ما يهدد وحدتها ، عبر التسريع بإنجاز قانون الأحزاب وقانون الجمعيات والمنظمات المدنية وتوفير الحماية القانونية لعملهم ونشاطهم .
٢- استكمال الشرعية والمشروعية للسلطة الجديدة ، فلا زالت شرعية السلطة موقوفة لحين إنجاز دستور دائم عصري عبر هيئة تأسيسية منتخبة ، وقانون انتخابات عادل يضمن مشاركة جميع السوريين في الانتخابات البرلمانية والرئاسية يرتكز على النزاهة والشفافية والمصداقية .
٣- إيجاد علاقات عربية وإقليمية ودولية متوازنة ومتكافئة تمهيداً لرفع العقوبات الدولية عن كاهل الشعب السوري .
٤- وضع حد لنفوذ الدول المتدخلة في الشأن السوري لتأكيد السيادة الوطنية ، والضغط على كافة الدول الصديقة والمنظمات الدولية من أجل وقف انتهاكات الكيان الصهيوني للأرض السورية ، وتقديم كل ما يلزم لإجباره على الالتزام بالقوانين والمعاهدات السورية …
أن العمل على الأولويات ومواجهة التحديات من أجل تأسيس عهد جديد يقطع نهائياً مع الماضي ومٱسيه ويصون حياة الناس وحقوقهم كأولوية أمتياز ، ويدفع لبناء الثقة وتعزيز الروح الوطنية ، وقيم التٱخي والتسامح والتعاضد والتعاون والتكافل الاجتماعي ووضع حد نهائي لخطاب الكراهية وتجريمه بقانون ..
إن بناء الدولة وتعزيز سيادتها وحضورها يتطلب اليوم قبل الغد وضع حد لانفلاش السلاح سواء بين الأفراد أو المجموعات مهما كانت صفتها وارتباطاتها ، وحصره بيد الدولة، لعدم الوقوع في فخ الدولة داخل الدولة ، من أجل بناء دولة قوية وحضارية قادرة على المضي باتجاه السلم الأهلي القائم على أسس الدولة الديمقراطية التداولية ، دولة المواطنة المتساوية لجميع السوريين .