
يضع منتدى مُصافَحات هذا التقرير المعمّق الأول له بين يدي الرأي العام السوري، انطلاقًا من مبدأي الشفافية والرقابة الوطنية الحرة، ومن منطلق الالتزام بمشروع بناء دولة المواطنة الديمقراطية الجامعة، وهي مسؤولية يفترض أن يتحمّلها جميع الوطنيين السوريين دون استثناء.
في اللحظة التي بدأ فيها السوريون يتلمّسون طريقهم نحو انتقال سياسي هش بعد سقوط نظام بشار الأسد، كان هناك من يتحرّك في الظلّ، لا لإكمال مشروع التحرّر، بل لإعادة تشكيل مشهد الخراب، مستنداً إلى شعارات براقة وواجهة “مدنية ديمقراطية”.
هيثم مناع، الذي لطالما قدّم نفسه كمعارض وطني مستقل، لا يقف اليوم على الحياد؛ بل، على العكس، يقف بوضوح على أرضية مشروع تفكيكي ناعم، تدفعه طهران، يُعيد من خلاله صياغة سورية على شكل فسيفساء مذهبية مفككة، لا كدولة مواطنة.
من الحقوقي إلى مهندس الرموز الطائفية
منذ زيارته الأولى لطهران عام 2012 ولقاءاته بمسؤولين أمنيين ودبلوماسيين، إلى ترؤسه “مجلس سورية الديمقراطية” عام 2015 بدعم روسي – إيراني، وصولاً إلى ظهوره الحصري على قنوات مثل “العالم” و”الميادين”، بدا واضحاً أن مناع قد اتخذ تموضعاً سياسياً منحازاً. تصريحاته المتكررة في تبرئة بشار الأسد من المجازر، وافتخاره بـ”نقاط التلاقي” مع إيران، لا تترك مجالا كبيراً للشك في موقعه ضمن محور طهران – الضاحية الجنوبية.
ولم يكتفِ مناع بذلك، بل سعى إلى تكريس صورة مظلوميته الشخصية من خلال استحضار اسم شقيقه الشهيد “معن العودات”، الذي ضحى بنفسه من أجل حرية سورية، ليُوظّف هذا الإرث في تلميع صورته، رغم تباعد المواقف جذريًا بينه وبين ما ناضل لأجله شقيقه.
جنيف 2025: نواة مشروع الأقليات
في 15 شباط / فبراير 2025، ترأس مناع مؤتمراً غامضاً في جنيف نظّمته لجنة تحضيرية لتشكيل ما سمّي “معارضة وطنية جديدة”. لكن الوثائق والمعلومات التي حصلنا عليها تكشف أنه كان في جوهره محاولة لتأسيس جسم سياسي بديل للسلطة الانتقالية في دمشق، مدعوم من طهران، يستهدف تمثيل الأقليات وشق صفوف الثورة السورية.
المثير أن المؤتمر تزامن مع اندلاع أحداث دموية في مناطق الساحل، حيث تم استغلال مخاوف الطائفة العلوية من مرحلة ما بعد الأسد. وتشير مصادر خاصة إلى أن مناع كان يحاول دفع شخصيات علوية ودرزية للانضمام إلى تشكيلته الجديدة بشكل سري، بينما كانت وسائل الإعلام الإيرانية – والإسرائيلية – وتصريحات مسؤوليها تروّج لرسائل تعزز الشعور بالخطر الوجودي لدى الأقليات، وهذا ما يشير إلى تشابك عضوي بين ذلك وهذا المؤتمر وما تلاه من أحداث مؤسفة في الساحل السوري.
التمويل والتنسيق: سبهان الملا جياد في الكواليس
رغم أن مناع ظهر كوجه مستقل، إلا أن حقيقة الأمور كانت تُدار من خلف الستار بواسطة العراقي سبهان الملا جياد، مستشار رئيس الوزراء العراقي وذراع إيران الاستخباراتي في الملف السوري.
بحسب بحث استقصائي أجراه منتدى مُصافَحات، فإن سبهان لم يُدرج اسمه في أي وثيقة رسمية للمؤتمر، بل أقام في جناح خاص باسم مناع، حيث تولى إدارة التوجيهات الإيرانية المتعلقة بتشكيل حزب سياسي خاص بالأقليات، بهدف تقويض شرعية الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع.
وتؤكد المعلومات أن المال الإيراني الذي يُموّل هذا المشروع يصل عبر قنوات دقيقة تمرّ من العراق، بموافقة ضمنية من مؤسسات عراقية متنفذة، مما يفسر بوضوح الموقف السياسي للحكومة العراقية الرافض لتسليم قيادة المرحلة الانتقالية في سورية لقوى وطنية مستقلة، وتفضيلها دعم كيانات وظيفية موالية لمحور طهران.
والأخطر، أن سبهان الجياد كان قد التقى بشار الأسد قبل ثلاثة أشهر فقط من مغادرته سورية، في لقاء لم يكن سرياً، حاملاً رسالة مفادها أن “المعارضة السورية تريد التواصل مع الأسد”، وكان يقصد بذلك تيار “قمح” وهيثم مناع تحديداً. اللقاء مثّل مؤشراً واضحاً على طبيعة التنسيق المبكر بين طهران والنظام السوري عبر وكلائها في العراق وهيثم مناع وتياره.
ذريعة الأقليات: قناع لتسويق الانقسام
ارتكزت خطابات المؤتمر، ولا سيما كلمة هيثم مناع، على مفهوم “التكوينات” بوصفه مدخلاً إلزامياً لتحقيق الديمقراطية، غير أن هذا الطرح استند إلى نماذج تاريخية غير دقيقة، كالحزب الديمقراطي الأمريكي، لتبرير نزعات التقسيم الطائفي في سورية. وفي السياق نفسه، قدّمت الدكتورة منى غانم مداخلة انطلقت من سردية المظلومية، مستحضرة فتاوى تاريخية تُستخدم لتغذية خطاب الخوف والانعزال. في هذا الإطار، لم تُطرح أي رؤية وطنية جامعة تُعلي من شأن الدولة والمواطنة، بل ساد خطاب انعزالي مفكك، يتناقض كلياً مع مشروع الدولة الحديثة، ويُسوّق لتفتيت الكيان السوري تحت غطاء “المدنية” و”التمثيل العادل”.
شخصية انتهازية ونرجسية سياسية
اشتهر هيثم مناع بنزعته الانتهازية في اختراق التنظيمات والمؤسسات المعارضة السورية، حيث استخدم تلك المواقع كمنصات لترسيخ حضوره الشخصي، لا لخدمة العمل الجماعي أو المشروع الوطني. وبحسب شهادات موثقة، كان مناع يفشل مراراً في بناء علاقات تعاون فعّالة، نتيجة حمله أجندات خفية في كل تحرك، إضافة إلى نزعته النرجسية البارزة التي حالت دون أي شراكة حقيقية داخل الحراك الوطني السوري.
مسؤولية جماعية عن جرائم الساحل
رغم كل ما سبق، لا يمكن تجاهل الحقيقة الصادمة بأن ما جرى في الساحل السوري من جرائم قتل بحق المدنيين – والتي أقرت بها الإدارة الحالية – يمثل فاجعة وطنية كبرى لا يمكن تبريرها أو التهوين من وقعها. فقد شهدت تلك الأحداث سقوط ضحايا من المدنيين، إضافة إلى استشهاد عدد من عناصر الأمن العام، ما يجعل المسؤولية مشتركة بين أطراف متعددة.
لقد أسهم الترويج لخطابات المظلومية التاريخية، وتكريس ثنائية “الأقليات” و”الأكثرية” بمعزل عن تحليل موضوعي ومعمق للحالة السورية، في تأجيج المشهد، خصوصاً مع غياب الوعي بحجم الانفلات الأمني وخطورة تفشي السلاح العشوائي. هذه العوامل مجتمعة غذّت الانفجار الدموي، وساهمت في تحويل التوترات السياسية إلى مواجهات دامية.
ولا يُعفى أي طرف من المسؤولية، سواء من النخب السياسية التي أخفقت في ضبط الخطاب، أو من الفاعلين الميدانيين الذين تقاعسوا عن احتواء التصعيد. ومن هنا، تبقى مسؤولية الإدارة الحالية قائمة، إذ يُفترض بها أن تُباشر خطوات جدّية تبدأ بمحاسبة شفافة، عبر فتح تحقيق مستقل، وإطلاق مسار عدالة انتقالية حقيقي، وتفعيل مؤسسات القانون المختصة، بما يكفل إنصاف الضحايا ويحول دون تكرار الكارثة.
التقاء مصالح طهران وتل أبيب
ربما كان أخطر ما كشفه مؤتمر جنيف الأخير هو التقاء غير معلن بين الدعم الإيراني والتغطية الإعلامية الإسرائيلية، كما تجلّى في تغطية موقع i24. ما يبدو صادماً على السطح، يجد جذوره في تقاطع مصالح استراتيجية أعمق، يجمع بين طهران وتل أبيب في هدف واحد: إنتاج سورية ضعيفة، ممزّقة، ومأزومة طائفياً.
في هذا السياق، يؤدي هيثم مناع، عبر لغته الناعمة وأدواته “القانونية والمدنية”، دور الممهّد السياسي لهذا المشروع. لا يرفع شعارات صدامية، لكنه يوظّف سرديات “التمثيل التعددي” و”حقوق الأقليات” كأدوات لتفكيك البنية الوطنية من الداخل.
خطابات المؤتمر، إلى جانب منشورات مناع والدوائر المحيطة به على وسائل التواصل الاجتماعي، لم تقدم أي طرح وطني جامع. بل شكّلت في مجملها سلسلة من الرسائل الطائفية المبطّنة، تغذّي مشاعر التمترس والانقسام، وتُعيد إنتاج مناخات الشك والعداء بين أبناء المجتمع السوري. بدلاً من ممارسة دور توحيدي يُنتظر من شخصيات عامة تدّعي “الاستقلال”، أسهم هذا الخطاب في تكريس القطيعة الداخلية، كامتداد واضح لسياسات النظام القديم، وكمكوّن عضوي من مكونات المشروع الإيراني التفكيكي.
هيثم مناع: خيار تفكيكي لا ضحية.. وواجهة ناعمة لعودة النفوذ الإيراني
على مدار عقدين، لم يكن هيثم مناع مجرد ضحية لنظام استبدادي، بل فاعلاً سياسياً اتخذ قراراته وتحالفاته عن وعي كامل. لم يُدِن الأسد، بل أدان الثورة. لم يرفع علم الثورة، بل رفع لواء “الواقعية السياسية”. عاد في كل مرة بمشروع جديد: من “قمح”، إلى “مسد”، إلى “مؤتمر الأقليات”، وكلها بمهمة موحدة: إعادة تعريف سورية من خارج شعبها، وتحت سقف حسابات خارجية.
من الضروري أن يُسمّي السوريون الأمور بأسمائها. أن يكون مناع جزءاً من المشهد السياسي المقبل يعني منح طهران تذكرة عودة ناعمة، وتمرير الطائفية من النوافذ المدنية. سورية الجديدة لا تُبنى على المحاصصات الطائفية، ولا عبر تحالفات وظيفية مع قوى خارجية مزّقت البلاد لسنوات.
ما يُقدّمه هيثم مناع ومن معه هو نسخة محسّنة من مشروع تفتيتي موازٍ لخطاب النظام، هدفه تقويض وحدة بلد يحاول النهوض من جديد. ببساطة، مناع ليس جسراً للحوار، بل هو أحد مهندسي الانقسام، في مرحلة دقيقة من تاريخ سورية، تتطلب بناء الدولة لا إعادة تدوير ملامح انهيارها.
المصدر: مصافحات
تحليل مهم يكشف دور شخصية لامعة وحاضرة في مواقع عدة، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، تساهم بشكل راسخ ودقيق في حركة دؤوبة للقوى المضادة لسوريا الموحدة ولفرصة بناء سوريا عبر الإدارة الجديدة، وذلك لصالح انتاج سوريا ممزقة قائمة على قاعدة المحاصصة، والسلطات المتعددة في لامركزية مشبوهة.
مازن أكثم سليمان يرصد في مقاله هذا الدور لزعيم “حركة قمح”، وللمهمة التي جند نفسه لانجازها منذ أن انشق عن هيئة التنسيق وراح يبني لنفسه مساره الخاص.
د. مخلص الصيادي