في جبل العرب والسويداء إلى أين المآل؟

أحمد مظهر سعدو

هناك الكثير من  المؤشرات توحي بأن حجم الخلاف بين وجهاء وشيوخ السويداء مع الإدارة السورية الجديدة مازال كبيرًا وواسعًا، رغم مشاركة وزير من جبل العرب والسويداء في الحكومة الانتقالية الجديدة،  وقد يرتبط ذلك بموضوع إصدار الإعلان الدستوري، ومن ثم تصريحات الشيخ الهجري التي ظهر منها حجم الإعتراض على الكثير من مواد الإعلان الدستوري الصادر مؤخرًا، والذي تم توقيعه من الرئيس أحمد الشرع.

 ولعل البعض يذهب بعيدًا في تصوراته لما يمكن أن تؤثر(إسرائيل) و(نتنياهو) على تمنع بعض الدروز من الانخراط كليًا في الحالة السورية الجديدة، بعد أن أعلن أكثر من مسؤول إسرائيلي أن إسرائيل معنية في حماية الطائفة الدرزية في سورية، وأنها لن تقبل وجودًا عسكريًا ما للإدارة الجديدة، في الجنوب السوري، وذلك في كل من محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، وهو ما أدى إلى تحركات عسكرية لمايسمى المجلس العسكري في السويداء حيث قاموا بإزاحة العلم السوري من فوق مبنى المحافظة، والاستعاضة عنه بعلم (الحدود الخمسة) الذي يمثل عادة الطائفة الدرزية، طائفة الموحدين في جبل العرب والسويداء.

لكن الواقع المجتمعي والتاريخي لجبل العرب والسويداء يؤكد بما لا يقبل الشك، أن أهل السويداء، كانوا وعلى الدوام، شعلة وضاءة للوطنية السورية وللعروبة، وعلمًا من الأعلام التوحيديية في الوطن السوري، وهم الذين كانوا قد رفضوا تقسيم سورية إلى دويلات طائفية أيام الاحتلال الفرنسي لسورية، ويعتبر سلطان باشا الأطرش من الرجال الوطنيين والأبطال  المهمين في تاريخ سورية الحديث،  وهو الذي قاد الثورة السورية الكبرى عام 1925ضد المحتل الفرنسي وتحمل الكثير هو وربعه، الكثير من أجل وحدة سورية واستقلالها.

كما أن حراك واعتصام الكرامة في السويداء الذي انطلق قبل أكثر من سنة ونصف من انتصار الثورة السورية في 8 كانون أول / ديسمبر 2024. في ساحة الكرامة في مدينة السويداء. وكانت شعارات الحراك وطنية سورية بامتياز، رصينة ومتمسكة بوحدة سورية أرضًا وشعبًا في مواجهة الاستبداد الأسدي، ويعرف عن أهل السويداء أنهم أنفسهم من رفضوا التجنيد العسكري الإجباري في جيش النظام السوري الأسدي، حيث أراد منهم بشار الأسد في حينها الانخراط في المقتلة السورية الأسدية، التي أرادها المستبد ضد الشعب السوري. أما السؤال فهو لماذا يرفض اليوم الشيخ (الهجري) أحد شيوخ العقل في السويداء والبعض ممن هم في المجلس العسكري في السويداء من التوافق مع الحكم الجديد؟ وماذا يريدون حقيقة؟ وهل يمكن أن يكون هناك أي تعامل مع إسرائيل أم أن البعض يريد الانفصال وإقامة حكم انفصالي في الجنوب؟.هذه الأسئلة تطرح اليوم في سورية وبقوة، لذلك لابد من البحث في مكنوناتها وحيثياتها، والوقوف على الحقائق ضمنها، والماهية التي ستذهب إليها أحوال السويداء وجبل العرب وفق هذه المتغيرات .

المتابعة الموضوعية تقول: إن الشيخ (الهجري) والبعض ممن هم معه يرون أن صيغة الإعلان الدستوري المطروحة قد أعطت صلاحيات كبرى للرئيس أحمد الشرع، وأن هناك بعض المواد التي لا يوافقون عليها، ويجدون ضرورة تبديلها، ومن ثم فإنهم لن يتسرعوا بالالتحاق بالحكم الجديد قبل تعديل هذه المواد، ويالتالي إعطاء المزيد من الاطمىنان لأهل السويداء والطوائف والأثنيات السورية الأخرى، حتى يتم ذلك بسلاسة، مع تأكيدهم بأن فكرة الانفصال عن الوطن الأم سورية غير واردة البتة.

ولعل إمكانية تعديل بعض المواد باتت ممكنة، في قادم الأيام، أي بعد تشكيل (المجلس التشريعي) المبتغى، وهو مايبدو أنه من الممكن أن يحصل عبر تعديلات في الإعلان الدستوري، حيث لدى المجلس التشريعي الذي سيشكل قريبًا الصلاحية بالتعديلات المطلوبة، إذا ما تم التوافق الوطني عليها، لأنها أيضًا هي مطالب تم التأكيد عليها من قبل الأكراد الذين وقعوا اتفاقًا مع الإدارة الجديدة للولوج بالحل السياسي، والاندماج في المؤسسة العسكرية السورية الجديدة.

كما أن التعامل مع إسرائيل غير مقبول لدى الطائفة الدرزية بقضها وقضيضها، ذات الطابع العروبي والوطني السوري تاريخيًا، وهم الوطنيون السوريون بامتياز، والحقيقة فإن الفئة الصغيرة جدًا منهم المحسوبة على مايسمى (المجلس العسكري) ليس لها أي أرضية أو حاضنة، بل إن مشايخ العقل  مثل الحناوي، وجربوع، يرفضون أي تعاطي أو تعامل مع إسرائيل، كما هو حال الشيخ الهجري، ومن ثم فلا إمكانية أبدًا للسماح لإسرائيل باللعب على الوتر الطائفي في حالة الدروز السوريون مطلقًا وهي حقيقة يؤكدها الواقع.

يبقى أن الحوار المديد والعميق والطويل، والذي لاينقطع، هو ضرورة وطنية للنهوض والتوافق، مع وجهاء السويداء، وهو لابد أن يتواصل ويستمر، ولابد من أن تدرك جديًا  الإدارة الجديدة في دمشق أن الحل الوطني الحقيقي دائمًا سيكون بالحوار، وأهل السويداء هم أكثر الناس قربًا من الحالة الحوارية والأجواء الحوارية، ويعرف عن مجمل النخب الوطنية في محافظة السويداء،أنهم  ممن يمسكون بناصية الوطنية السورية المنفتحة على الجميع، وهم لم ولن  يتخلوا عنها، وهو ما أكده أيضًا الزعيم الدرزي اللبناني المعروف وليد جنبلاط في أكثر من مناسبة أو حديث .

ويمكن أن نخلص في ذلك إلى القول: أن لاخطر أبدًا من تمنع وجهاء وشيوخ السويداء حتى الآن عن التوقيع على اتفاق جدي وملتزم بين الإدارة الجديدة بدمشق، وأهل السويداء، وأن القادم من الزمن السوري المتحرك ىسوف يشهد المزيد من الحوارات والتوافقات والتفاهمات وصولًا إلى صياغة العقد الاجتماعي الوطني السوري الجامع، من أجل توافق وطني واسع يطمح إليه كل السوريين.

المصدر: مجلة الوعي السوري

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. بالرغم من يقيننا بأن الواقع المجتمعي والتاريخي لجبل العرب والسويداء كانوا وعلى الدوام، شعلة وضاءة للوطنية السورية وللعروبة، وعلمًا من الأعلام التوحيديية في الوطن السوري، وإن الخلاف الحاصل بين بعض وجهاء وشيوخ السويداء مع الإدارة السورية الجديدة كبيرًا وواسعًا، فهل الجهود لحوارات وتوافقات خلال الأيام القادمة يمكن أن تنتج عقد اجتماعي وطني سوري جامع يضع حد للخلافات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى