
أمران ليسا تفصيليَيْن، بشأن الحكومة السورية الانتقالية المُعلنة الليلة قبل الماضية. الأول: مراسِمُ إشهارها مبتكرَة، غيرُ مسبوقةٍ في أي بلد، لم نعرف مثلَها عربياً، لا مصحفَ ولا إنجيل يَحلف عليه الوزير المعيّن في قَسَمه أمام رئيس البلاد. الوزير يقدّم، بإيجازٍ شديد، أمام الحضور والمشاهدين والمستمعين، السوريين وغيرهم، ما يشبه برنامج عملٍ سيُنجزه. الثاني: ترقّبَ السوريون (وعربٌ كثيرون) متابعة هذه المراسِمَ على الهواء مباشرة، في وقتٍ متأخّر، ويعني هذا أنهم قطعوا تماماً مع الزمن الذي لم يكونوا يكترثون فيه بالمشاهد إيّاها لرئيس حكومة ووزراء يصافحون بشّار الأسد، أو أباه من قبله، مع تعيين أولئك في مناصبهم. كان السوريون، الليلة قبل الماضية، معنيين، في فائضٍ من الاهتمام والترقّب، بمَن سيتسلّم وزارة التعليم العالي ومَن زميلُه وزير الاتصالات، ليتداولوا، من ثمّ، ما إذا كان هذان وغيرُهما على كفاءة في مهمّاتهم. ويعني هذا، أيضاً، أن السوريين استردّوا بلدهم يوم 8 ديسمبر (2024) المجيد، وباتوا يشعُرون، حقيقةً، بأن سورية لهم، وليست لعائلةٍ اختطفتها خمسة عقود. … يعرفون أنهم لم يعبُروا إلى حكمٍ ديمقراطي، تنهض فيه حكومةٌ متعيّنةٌ وتمثيليّةٌ من برلمانٍ منتخَب، تكون تعبيراً عن تدافع أوزان قوى وأحزاب سياسية في بلدهم، لكنهم، في الوقت نفسه، يجهرون بأنّ على كل وزيرٍ، قال ما قاله الليلة الماضية، أن ينتظر رقابةً شعبيةً على أدائه، بل وعلى شخصه أيضاً، أثقلََ من أي برلمان. وقبل أن ينام الوزراء ليلتهم الأولى وزراء، كان سوريون بلا عددٍ يرمونهم بدرجات التقييم والتقويم والرضا وعدمه، وبمن كان أنسبَ من هذا وذاك ليتولّى المسؤولية الوزارية في هذا الشأن وغيره. وإذ بدت الشعبويّاتُ على أشدّها في مواضع غير قليلة في هذا كله، إلّا أن لكثيرٍ مما انكتب قيمتَه، في تحسّس المزاج السوري العام وانتظاراته وآمالِه وتطلّعاته، وقيمتُه تلك، من قبلُ ومن بعد، هي في التدليل على أن سوريةً أخرى تعلن قيامتَها، سورية المنتسبة إلى أهلها.
زاوية نظرٍ أخرى في المقطع المصوّر الليلة قبل الماضية، من المشهد السوري العريض، تدعونا إلى اعتبار وزراء الحكومة الانتقالية فدائيين، فجبالٌ من الملفّات العويصة تنتظرهم، سيّما وأن أكتافهم ستنوء بالتعهدات التي نثروها أمام الجمهور العام. ولقائلٍ أن يقول هنا إنهم لو أنجزوا نصف ما وعدوا به مواطنيهم، في فترتهم الانتقالية، فسيُحرزون نجاحاً ما بعده نجاح. وكم أشفقتُ على وزير النقل، يعرُب بدر، وهو يَعد بالارتقاء بخدمات النقل العام، وبتكامل بين أنماط النقل الخاص والعام، فحافلاتٌ (باصاتٌ) شاهدتُها في شوارع رئيسية في دمشق، وفيها ركّابها، لا أغالي أبداً لو قلتُ إنها تصلح لاستخدامها في مسلسلاتٍ تلفزيونيةٍ عن عهد الانتداب الفرنسي، من فرط عتاقتها وبؤسها الذي يصيبُك بالذهول، وبالإعجاب بقدرتها على الحركة، وبإبداع سائقها في التعامل معها. … وبالنظر إلى ترهّلٍ عظيمٍ في مؤسّسات الدولة، وتجذّر الفسادَيْن، الصغير والكبير، عقوداً في التعامل مع شؤون الناس، ومع شُحٍّ شديدٍ في الموارد المالية اللازمة لخطط الوزارات ومشاريعها، ومع توزّع جغرافياتٍ سوريةٍ لم تخضع كلياً بعد لسلطة الدولة الواحدة الموحّدة، ومع تحسّبٍ من توتراتٍ أمنية غير مستبعدة، ومع تخلّفٍ ظاهرٍ في طرائق الإدارة والتسيير الحكومي، فإن الذي سُمع من الوزراء المحترمين عن أهدافٍ سيعملون على إنجازها، ويلحّ عليها السوريون، ويستحقون إنجازها، يبدو كثيرٌ منه أحلاماً كبرى، ومن ذلك قول وزير التنمية الإدارية، محمد سكاف، إن وزارته “ستركّز على هيكلة الجهات العامة وفق الاتجاهات العالمية الحديثة”.
كل الاحترام للذين ذهبوا إلى أولوية السياسي، وقالوا إنه لزم تقديمُه على كل اعتبارٍ في تعيينات الوزراء، ولكن الإنجاز العملي الملموس، في القطاعات الخدمية والمعيشية، في الزراعة والصناعة والإسكان والتعليم والصحة و…، هو ما يستعجل السوريون معاينَتَه بعيونهم، ولن يرحموا وزيراً يتباطأ في السير على هذا الممشى. ولهذا، ولغير سببٍ وسبب، لنا أن نقول إنّ الفشل ممنوع، وإن نجاح الوزراء، وجميعُهم مشهودٌ لهم بوطنيّة انتمائهم إلى بلدهم، غير مستحيل، وهم أدرى بالصعوبات والمعيقات والتحدّيات أكثر منّا، نحن الذين نرتجل تعليقاتنا، في دعةٍ من أمرنا. وآخر القول هنا إنّ كل السوريين، ومعهم كل العرب، مدعوون إلى إسناد التجربة السورية الراهنة، بارتباكاتها، وبالذي يُرضينا فيها ولا يُرضينا، لأن كلفة الإخفاق فادحة، كما أن مفاعيل أي انتكاسةٍ إلى الوراء مروّعة، لا سمح الله.
المصدر : العربي الجديد
إنها تجربة جديدة جديرة بالإحترام لإعلان عن الوزارة الجديدة بدمشق، كل وزير قدم نفسه وبرنامجه وقسم اليمين أمام جميع الحاضرين، برامج طموحة لواقع تحت الصفر بالإمكانيات وورثة نظام بائد، ووزراء مشهود لهم بالإمكانيات والوطنية ، نتمنى أن يتوفقوا بما عاهدوا عليه.