ماذا يريد السوريون من الحكومة الانتقالية الجديدة؟

حسن النيفي

عيد سعيد ونصر مجيد، لعلها العبارة الأكثر حضوراً في نفوس معظم السوريين الذين وجدوا في حلول عيد الفطر هذا العام معنى مختلفاً، بل مغايراً لما سبقه من أعياد، إذ هي المرة الأولى التي يتبادل فيها السوريون تهاني العيد من دون خوف من استهداف الطيران الأسدي وسائر وسائل القتل والإجرام. بل لعلها من المناسبات النادرة والمتميّزة أن يتزامن الاحتفاء بالعيد مع الإعلان عن أول حكومة انتقالية في سوريا بعد تحرّرها من الطغيان الأسدي، علماً أن تشكيل الحكومة كان الاستحقاق الثالث بعد استحقاقين سبقاه، أعني مؤتمر الحوار الوطني (24 – 25 شباط 2025) وصدور الإعلان الدستوري (13 آذار 2025)، فما الذي يريده السوريون من الحكومة التي انتظروا الإعلان عن تشكيلها؟.

لعله من الصحيح أن وجود كيان تنفيذي يتولّى إدارة البلاد في المرحلة الانتقالية بات أمراً ضرورياً، إنْ بالنسبة إلى المواطنين الذين يشعرون بالحاجة إلى حضور الدولة في الحياة العامة، وإنْ بالنسبة إلى السلطة الحاكمة التي تستمد جانباً من مشروعيتها من قدرتها على إدارة الشأن العام، ولكن ما هو صحيح أيضاً أن انتظار عموم السوريين لهذا الكيان التنفيذي (الحكومة) لا يعني التطابق أو التماهي في التطلعات أو المطالب، هذا ما تؤكّده الآراء المختلفة وردّات الفعل المتباينة التي أعقبت تشكيل الحكومة، ولعل هذا ما يجيز التمييز بين آراء شريحتين او أكثر من السوريين.

1 – الجمهور العام : ونعني به عموم المواطنين الذين لم يغادروا البلاد، ولاقوا على مدى السنوات التالية لانطلاقة الثورة السورية معاناة متعددة الأشكال والجوانب من جرّاء تردّي الأحوال الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في ظل نظام الأسد البائد، ولا شك أن هؤلاء ينظرون إلى وجود الحكومة على أنها حاجة (وجودية) باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على وقف حالة التدهور المعيشي والانفلات الأمني والفوضى التي تحكم مفاصل البلاد، وبالتالي فهم يريدون من الحكومة المرتقبة كلّ شيء، بدءًا من الأمن وتحصين الحياة العامة من خطر الاستمرار في الفوضى، مروراً بتأمين المأكل والمشرب ومقوّمات الحياة الضرورية، وصولاً إلى مجمل الخدمات العامة – كهرباء – ماء – تعليم – صحة – إلخ، التي تكاد تكون معدومة في معظم المدن والبلدات والقرى. ولعل هذه الشريحة من السوريين لا تأبه كثيراً بالهوية السياسية أو الأيديولوجية لمن سيعمل ضمن تشكيلة الحكومة، وكذلك لا تعنيها كثيراً مسألة المحاصصات العرقية أو الطائفية أو المناطقية داخل بنية الحكومة، بقدر ما يعنيها قدرة هذه الحكومة على القيام بمهامها بإخلاص وأمانة، فمشروعية الحكومة لدى هذه الشريحة مستمدَّة من مُنجزها المرتقب، وليس من خلفياتها السياسية والأيديولوجية السابقة والمعروفة .

هذه الشريحة من السوريين لا تأبه كثيراً بالهوية السياسية أو الأيديولوجية لمن سيعمل ضمن تشكيلة الحكومة، وكذلك لا تعنيها كثيراً مسألة المحاصصات العرقية أو الطائفية أو المناطقية داخل بنية الحكومة، بقدر ما يعنيها قدرة هذه الحكومة على القيام بمهامها بإخلاص وأمانة

ولا ريب أن ابتعاد هذه الفئة من الناس عن ترف المعايير السياسية إنما ينبثق من يقينهم بأن الأسد الهارب قد ترك البلاد تلّةً من الخراب، وإن جدارة أي سلطة جديدة بقيادة البلاد إنما تكمن في قدرتها على انتشال البلاد من حالة الغرق في الفوضى ومن ثم العبور إلى ضفة الأمان، بما يعني ذلك من قدرةٍ على تحسين الظروف الحياتية للمواطن مع الحفاظ على سيادة الدولة ووحدة ترابها، ومن ثم التأسيس لعهد جديد تكون فيه حياة الإنسان وكرامته وحقوقه من أولويات الدولة، وبالتالي يمكن الذهاب إلى أن هذه الشريحة هي بالفعل من يطبق المفهوم القائل: لا يهمنا من يحكم، بقدر ما يهمنا كيف يحكم.

2 – الناشطون والساسة والنخب الفكرية والثقافية: لعل اشتراطات هذه الفئة أو معاييرها التي تجعلها ناظما لقبول الحكومة الجديدة تختلف عن الفئة الأولى، إذ إنها لا تنبثق من هاجس وجودي وليد معاناة حياتية ويومية، كون معظم أفراد هذه الشريحة يقيمون خارج سوريا، وإنما تنبثق من معايير سياسية أو أيديولوجية، وربما انبثقت أيضاً من معطى حقوقي أو قانوني ذي صلة بإدارة الدولة، ولعل مجمل مطالب هؤلاء تندرج في الإطار التنظيري لشكل الدولة وضرورة تطبيق مبدأ الشراكة في السلطة والالتزام بأسس العمل الديمقراطي وإطلاق الحريات وما إلى ذلك، وهي اشتراطات وجيهة ومشروعة لو خرجت من صومعة (التنظير المجرّد) إلى حيّز المقاربات العملية والواقعية لما يجري على الأرض، ما يعني أن كثيراً مما تقوله هذه الشريحة من (النخب) السورية هو كلام صحيح في إطاره العمومي ولكنه يحتاج إلى مقاربة أكثر عمقاً وملامسةً للواقع ليتحول من خطاب نظري عائم إلى مقاربة نقدية تبحث عن الحلول ولا تسعى للإعاقة أو التعطيل فحسب، وفي هذا السياق ثمة مفارقات تبعث على الاستغراب من جرّاء بعض المواقف، لعل أحدها موقف العديد من الكيانات (أحزاب – تيارات سياسية) وكذلك الشخصيات الثقافية والسياسية التي كانت طوال السنوات السابقة منخرطة في المسارات التفاوضية مع نظام الأسد (مسار جنيف و أستانا – اللجنة الدستورية) وكانت لا تمانع من التفاوض مع النظام البائد ومشاركته في السلطة تطبيقاً للقرار الأممي 2254 ، في حين أنها ترفض اليوم أي مشاركة أو اعتراف بالسلطة والحكومة الحاليتين باعتبارهما نتاج (اللون الواحد)، فهل كان نظام الأسد نظاماً تعدّدياً مختلف الألوان؟

من جهة أخرى، لا يمكننا تجاهل كثير من التناقضات التي باتت السمة المميّزة للخطاب النخبوي السوري، ولعل أبرزها التشديد في التنظير العام على ضرورة الالتزام بمفهوم المواطنة واعتماد مبدأ الكفاءة والمهنية لمن يتولى موقع المسؤولية في مفاصل الدولة، إلّا أن هذا الخطاب سرعان ما ينحدر إلى دعوة صريحة نحو المحاصصة العرقية والطائفية وربما العشائرية أحياناً. ربما كانت دعوة المجتمع الدولي، وتحديداً أوروبا والولايات المتحدة الأميركية إلى ضرورة إشراك كافة المكونات العرقية والدينية في حكم البلاد، نابعةً من التصوّر الغربي للدولة السورية، بل للمواطنين السوريين بأنهم ليسوا أكثر من مجموعة من الأعراق والأديان المتناحرة، وتناحرهم هو الجذر الحقيقي للمشكلة او الحرب في سوريا، وقلّما نظر الغرب إلى قضية السوريين باعتبارها مواجهة بين شعب يطالب بالحرية ونظام إبادة موغل في الإجرام ، ولعل هذه الرؤية الغربية هي المنبثقة من تصوّر (استشراقي) لا يزال هو المَعِين الأساسي للمفاهيم والتصورات الغربية عن القضايا العربية والإسلامية، فهل تسعى النخب السورية إلى استلهام هذا الفهم بغيةَ إعادة إنتاجه من جديد؟

لا يمكننا تجاهل كثير من التناقضات التي باتت السمة المميّزة للخطاب النخبوي السوري، ولعل أبرزها التشديد في التنظير العام على ضرورة الالتزام بمفهوم المواطنة واعتماد مبدأ الكفاءة والمهنية لمن يتولى موقع المسؤولية في مفاصل الدولة

ما هو مؤكّد أن هيئة تحرير الشام التي وصلت إلى السلطة من خلال عملية عسكرية (ردع العدوان) هي من تُمسك بالمفاصل الأساسية للسلطة، بل وتحرص على أن تكون الجهة المسيطرة على جميع روافع السلطة وحواملها، شأنها في ذلك، شأن أي حركة ثورية أو عسكرية تستولي على السلطة بالقوة، ولكنها في الوقت ذاته لم تغلق الباب أمام الآخرين أو أمام من يريد أن يكون شريكاً وفاعلاً في إدارة الشأن العام، ولا أعتقد أن بمقدورها القيام بذلك والحجر على وعي السوريين الذي تجاوز عهود الطغيان والاستبداد، ولكن في الوقت ذاته لن تكون الشراكة هدية جاهزة أو مُنجَزاً مكتملاً ينتظر أصحاب الرغبات فحسب، بل سيكون جديراً بأصحاب العمل الدؤوب والجهد الصادق المخلص، ولعله أيضاً يكون مرهوناً بمزيد من التضحيات.

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

تعليق واحد

  1. بعد تحقيق الإستحقاق الثالث بتشكيل الوزارة الجديد، شعبنا مع حلول عيد الفطر ينظر اليها كُلٍ بما يهمه، المواطن العادي يهمة الأمن والأمان والكرامة وتحسين الخدمات والمعيشة، وأما النخب السياسية والفكرية والثقافية إهتماماتها تنبثق من معايير سياسية وأيديولوجية، ومن معطيات حقوقية وقانونية ذي صلة بإدارة الدولة، نتمنى للحكومة تحقيق ما وعدت به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى