نتنياهو خطراً وجودياً على إسرائيل

أحمد الجندي

لا يتوقّف رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، عن مفاجأة الإسرائيليين، إذ لم يكتفِ الرجل بالعودة إلى الحرب في غزّة، وما تعنيه من تخلٍّ عن الأسرى الإسرائيليين، ولم يكتفِ بالتوسّع في أعماله العدوانية في سورية واليمن ولبنان، كما لم تقتصر أفعاله عند حدود قمع المظاهرات التي تنظّمها عائلات الأسرى، فقرّر أن يفتح جبهاتٍ داخليةً جديدةً، بدأها بإقالة رئيس الشاباك رونين بار، أول رئيس لهذا الجهاز يُقال منذ تأسيس الدولة، ورفض الامتثال لقرار المحكمة العليا، أو ما أطلق عليه “الإملاءات”، القاضي بتجميد قرار الإقالة، علاوة على شروعه في إجراءاتٍ معقّدة من أجل إقالة المستشارة القانونية للحكومة جالي بهريف ميارا، التي كانت قراراتها دائماً شوكةً في حلق حكومته، وأخيرها رفضها قراري الحكومة بعودة بن غفير إلى منصبه وزيراً للأمن الداخلي، وإقالة رئيس الاستخبارات العسكرية (الشاباك) رونين بار.

ومن الواضح أن نتنياهو يستفيد من إدارة الرئيس ترامب وما أضفته من شرعيةٍ على حكومته بتأييدها المطلق لها، وعدم اكتراثها بالحرّيات في إسرائيل، وعدم اهتمامها بشكل الممارسة الديمقراطية هناك، طالما جاءت الحكومة بانتخابات شرعية، على عكس إدارة بايدن التي مارست ضغوطاً على الحكومة الإسرائيلية لثنيها عن المضي في إقرار ما سمّته حكومة نتنياهو حينها “الإصلاحات/ الثورة القضائية”، وسعت إلى فرضها من أجل التحكّم الكامل في السلطة القضائية. وقد كانت الضغوط الأميركية، علاوة على المظاهرات التي استمرّت نحو عام، وتعنّت المستشارة القضائية مع الحكومة، ثمّ الحرب في غزّة، أسباباً كافيةً لدفع نتنياهو إلى التجميد المؤقّت لهذه الإصلاحات.

ويبدو أن نتنياهو يعود إلى إحياء “ثورته القضائية” عبر البدء بالتخلّص من بهريف ميارا؛ إذ صوّتت حكومته بالإجماع (23 مارس/ آذار 2025)، على قرار سحب الثقة منها، على أن يتبع ذلك في الأسبوع المقبل عرض موضوع التصويت على تغيير تشكيل لجنة اختيار القضاة على الكنيست، وهو أحد التعديلات التي كانت ضمن حزمة قوانين “الثورة القضائية”، بما يعني أن يتحكّم السياسيون في تعيين القضاة في المحاكم الإسرائيلية كلّها، بما فيها المحكمة العليا، وهذا يجعل ولاء السلطة القضائية للطبقة السياسية، ويخضعها تماماً للسلطة التنفيذية التي ستحظى بسلطةٍ لا حدود لها، ويلغي مبدأ الفصل بين السلطات الذي يميّز النظم الديمقراطية. ومن الواضح أن نتنياهو يستغلّ ضعف المظاهرات الرافضة لتعديلاته القضائية مقارنةً بما قبل الحرب، ويوظّف حالة القمع الشرطي التي اعتاد عليها الشارع الإسرائيلي نتيجة الوضع الطارئ، غير عابئ باحتمال خروج حالة الانقسام الداخلي الحادّ عن السيطرة.

تناحر خطير وغير مسبوق تنعكس آثاره على المجتمع بالتفكّك، ما يشكّل خطراً على الأمن القومي للدولة، بل وعلى المشروع الصهيوني برمّته

وخلال الأيام الماضية، ومنذ قرار إقالة رونين بار، ومع إعلان الحكومة عزمها على إقالة بهريف ميارا، كثر الحديث في إسرائيل عن مخاطر اندلاع حرب أهلية إسرائيلية، فقد صرّح زعيم المعارضة يائير لبيد بأن “الحكومة تبذل قصارى جهدها لإشعال حرب أهلية، ونتنياهو يدفعها علناً”، وهدّد بعصيان مدني إن لم تلتزم الحكومة بقرار المحكمة العليا بشأن تجميد إقالة رئيس الشاباك. في السياق نفسه، تحدّث رئيس المحكمة العليا السابق أهارون باراك عن تجاوز الحكومة الخطوط الحمراء، وعن ضرورة وقف “استبداد الأغلبية، وأن المشكلة الرئيسة للمجتمع الإسرائيلي تتمثّل الآن في الجبهة الثامنة التي فتحها نتنياهو، وهي الشرخ الحادّ بين الإسرائيليين أنفسهم، فهو اختلاف قد يتفاقم وقد تكون نهايته مثل قطار خرج من مساره وينحدر إلى الهاوية، ويفضي إلى حرب أهلية”. مثل هذه التصريحات يقابلها نتنياهو وحكومته باستبعاد وقوع أيّ حرب أهلية، على أساس أن الإجراءات التي تتخذها حكومته مكفولة بحكم القانون الذي يخوّل الأغلبية القيام بما تفعله.

لا يخلو الحديث عن الحرب الأهلية في إسرائيل من مبالغات، وهو تحليلٌ رغائبيٌّ يتمنّى كثيرون أن تثبت الأيام صحّته، لكنّه، في الوقت نفسه، دليلٌ على ما وصل إليه الوضع السياسي في إسرائيل من تناحر خطير وغير مسبوق تنعكس آثاره على المجتمع بالتفكّك، ما يشكّل خطراً على الأمن القومي للدولة، بل وعلى المشروع الصهيوني برمّته. إذ يقود عدم ثقة نتنياهو في المحيطين به إلى التخلّص منهم جميعاً، وقد فعل ذلك مع وزير أمنه السابق يوآف غالانت، ورئيس الأركان هرتسي هليفي، والمتحدّث باسم الجيش، ورئيس الشاباك، ويفعله الآن مع المستشارة القانونية، بل ويرغب بأن يتحكّم بالمحكمة العليا، وهي حالة تعني أنه يريد أن يكون الحاكم الأوحد لإسرائيل، من دون أن تكون لديه القدرة على رؤية أخطائه والاعتراف بها. وكما كتبت زعيمة حزب العمل السابقة ميراف ميخائيلي، في صفحتها في “إكس” (23 مارس/ آذار الحالي): “لقد صوّت نتنياهو وشركاؤه على سحب الثقة من المستشارة القانونية للحكومة، لا عجب في ذلك؛ فهذا يمكن ضمه إلى عدم ثقته في الشاباك، والجيش، والإعلام الحرّ، والمحكمة العليا، والديمقراطية الإسرائيلية كلّها”.

ما يقوم به نتنياهو وحلفاؤه ينطلق في جانب منه من شعور بالاضطهاد، وإحساس بتعمّد الدولة العميقة إفشال حكومتهم

في ظلّ هذه الأوضاع، يتمزّق نسيج المجتمع الإسرائيلي، الذي يعدّ الركيزة الأهم من ركائز أربع يستند إليها الأمن القومي لإسرائيل، فقد أشارت دراسة مطوّلة حول مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (مارس/ آذار 2025)، وشارك فيها كثيرون من باحثي المعهد، إلى أن القوة العسكرية المتمثلة في الجيش، والاقتصاد القوي الناجح، والمناعة الاجتماعية التي تظهر في تماسك المجتمع وتضامنه وتشاركه في العبء بشكل متساوٍ، علاوة على الأداء الدبلوماسي القوي للدولة، هي الركائز الأربع التي يعتمد عليها الأمن القومي الإسرائيلي، التي على السياسيين العمل على تعزيزها حتى لا تواجه الدولة خطراً وجودياً. لكننا حين ننظر إلى أداء الحكومة الإسرائيلية، وخصوصاً في ما يخصّ المناعة الاجتماعية، نجد أنها تسير في اتجاه عكسي تماماً لما تقتضيه المصلحة الإسرائيلية، إذ يزداد المجتمع انقساماً وتفكّكاً، وتمزّق الأيديولوجيا وحدته، وهو ما يدفع إلى عدم استبعاد اللجوء إلى العنف الداخلي، خصوصاً أن أوضاعاً كانت أقلَّ خطورةً بكثير ممّا يجري حالياً أدّت إلى اغتيال رئيس الوزراء السابق إسحاق رابين في عام 1995.

ولافتٌ للنظر أن الغالبية الكاسحة من الإسرائيليين، في المعارضة والموالاة، تدرك يقيناً أن تحرّكات نتنياهو نابعة من مصالح شخصية ضيّقة، بل يرى كثيرون منهم أنه يختطف الدولة، ويتصرّف مثل رئيس عصابة إجرامية خطيرة، ويقوم بتصفية الدولة، مثلما عبّر الصحافي في “هآرتس” مردخاي غيلات، أو أنه يحوّل إسرائيل دولةً قمعيةً دكتاتوريةً، وملكيةً خاصّةً “بيبي ستان/ دولة بيبي”، مثلما كتب الصحافي في “يديعوت أحرونوت” جلعاد شارون.

تتمحور السياسة الإسرائيلية حول معسكري نعم – لا لنتنياهو، فأخذ الصراع طابعاً شخصياً

والحقيقة أن ما يقوم به نتنياهو وحلفاؤه ينطلق في جانب منه من شعور بالاضطهاد، وإحساس بتعمّد الدولة العميقة إفشال حكومتهم، بل واعتبار المتظاهرين من أهالي الأسرى جزءاً من هذه الخطّة، التي تهدف إلى إزاحة اليمين من سُدّة الحكم. ومن ثمّ، يدفع ذلك الحكومة، كما تقول الكاتبة في “يديعوت أحرونوت” دانييلا لندن ديكل، نحو المسارعة في هدم مؤسّسات الدولة، والإساءة إلى قادتها، واعتبار الأسرى أنفسهم عبئاً يجب التخلّص منه.

ولعلّ أحد الأسباب التي رسّخت الانقسام المجتمعي والاستقطاب السياسي في إسرائيل هو أن السياسة الإسرائيلية أصبحت تتمحور حول معسكري نعم/ لا لنتنياهو، فأخذ الصراع طابعاً شخصياً، وغابت البرامج السياسية أو تراجعت أهميّتها، علاوة على تعمّد قوى اليمين الحاكم إظهار ما يحدُث ضدّ الحكومة مؤامرةً ضدّ اليمين، وهذا جعل اليمين، الذي أصبحت له الغلبة الشعبية في إسرائيل، متحفّزاً وجاهزاً للانقضاض على من يفكّر في وضع حدٍّ لمكاسبه التي تصاعدت حتى صار يحكم إسرائيل منفرداً، في حكم هو أقرب ما يكون إلى ديمقراطية دينية مسيحانية.

وعلى كلّ الأحوال، فتح هذه الجبهات الداخلية، وإعادة الحياة لتعديلات القوانين الأساسية التي تخصّ السلطة القضائية، يعني أن نتنياهو لا ينوي التراجع هذه المرّة، ويفرض على المعارضة النزول إلى الشارع بقوة لإنقاذ إسرائيل من جنون نتنياهو وحكومته، باعتبارهما الخطر الوجودي الأكبر على دولتهم، ومن ثمّ نصبح أمام مواجهة لا يعرف كيف تكون عواقبها على دولة الاحتلال.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى