شرق المتوسط ومناورات بالذخيرة الحية

سمير صالحة

لا يعني الكثير إعلان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عن استعداد بلاده لحل النزاعات من خلال الحوار القائم على الإنصاف في شرق المتوسط، طالما أنه واصل القول إن بلاده ستستمر في خطط حماية أمنها ومصالحها دبلوماسيا وعسكريا في بحري إيجه والمتوسط.
ما أغضب أنقرة ودفعها إلى تحريك سفن التنقيب عن الطاقة مجدّدا بعد قبولها الوساطة الألمانية على خط الأزمة التركية اليونانية، مصحوبة بالبوارج الحربية هذه المرة، هو خدعة أثينا عبر التلويح بقبولها أسلوب التهدئة والحوار مع أنقرة، ثم ترك كل نقاط الخلاف العميقة مع مصر، وقبول التوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين بشكل مفاجئ. واليونان لا تتحرك بمفردها في المواجهة مع تركيا. إنها تستمد قوتها أولا من تفاهمات منتدى الغاز والطاقة الذي شاركت مصر وقبرص اليونانية وإسرائيل وإيطاليا والأردن وفلسطين وفرنسا في عضويته، وحيث تستعد فرق مجموعات العمل لإنجاز أوراقها باتجاه تحويله إلى منظمة إقليمية للطاقة، على غرار منظمة أوبك، مستثنيا تركيا التي لها ساحل بطول 1500 كلم، يطل على شرق المتوسط. ثم هي تستقوي بالبيان الخماسي الموقع في القاهرة في مايو/ أيار المنصرم بين مصر وفرنسا والإمارات واليونان وقبرص اليونانية، والذي يهاجم سياسات تركيا في شرق المتوسط وشمال أفريقيا، ويدعو إلى إلغاء مذكرة التفاهم العسكري، وترسيم الحدود المائية بين تركيا وليبيا، لأنهما يتعارضان مع القانون الدولي، والمطالب بوقف “عمليات التنقيب غير الشرعية التي تقوم بها تركيا داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص اليونانية”.
التوصيف التركي لما يجري أنه مناكفات سياسية واصطفافات إقليمية. اتفاقية مصرية يونانية تتم على حساب تنازلات متبادلة، يُراد أن تكون من جيب تركيا وحصتها البحرية في شرق المتوسط. باريس تخطط، الإمارات تموّل، مصر تقاتل، اليونان تفجّر الوضع، مع حماية حصة إسرائيل، من دون أن تبذل هي أي مجهود. لماذا كل هذا التطبيل والتزمير في الإعلام، المصري والإماراتي والفرنسي بعد الاتفاقية البحرية بين القاهرة وأثينا؟ لماذا الإعلان أن تركيا تلقت الصفعة والدرس، وأن الضربة المرتقبة ستكون قاضية، بإسقاط اتفاقيتها مع حكومة الوفاق الليبية في طرابلس؟ الهدف الأقرب هو الرد على النقلة التركية الليبية، وإفشال تحرك تجميد مشروع “ميد إيست” الذي تقوده فرنسا باسم دول عديدة متشاطئة. الهدف الأبعد هو استفزاز تركيا بلعب الورقة الأوروبية والأطلسية، وتقديمها أنها الطرف “المشاغب” الذي يعرقل تفاهمات وخطط استخراج غاز المتوسط، ونقله إلى أوروبا، كمنافس استراتيجي للتفاهمات والخطط التركية الروسية. وتريد باريس اصطياد أكثر من عصفور إقليمي وغربي، تحاول استرداد ما فقدته من دور وثقل إقليميين، بعد رهانها على أوراق خاسرة، مثل اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، ومحاولة حسم الأمور في غرب ليبيا بالقوة العسكرية، ثم سقوط خطة “إيريني” (مراقبة السلاح في البحر) التي أرادت بها تضييق الخناق على تركيا. هي تريد الآن دق إسفين بين واشنطن وأنقرة، ودفع الأخيرة نحو روسيا لإخراجها تماما من المشهد الأوروبي، ومن الأطلسي، وتحويلها إلى إيران ثانية، ينبغي قص أجنحتها، وضرب نفوذها وفتح الطريق أمام مشهد سياسي عسكري داخلي جديد في تركيا، يعيدها إلى ما كانت عليه قبل العام 2002.
قد تتحد أوروبا سياسيا في مواقفها لحماية مصالح العضوين، القبرصي واليوناني، وقد تصدر بيانات التنديد والإدانة والتهديد بالعقوبات. ولكن أوروبا، لن تدخل في أية مواجهة عسكرية مع تركيا، لأنها منقسمة حيال أي خطوة من هذا النوع، ولأنها ستترك القرار لحلف شمال الأطلسي الذي لن يتدخل هو الآخر في خلافاتٍ بين عضوين أساسيين فيه، خصوصا وأن وزير الخارجية التركي، مولود شاويش أوغلو، قال، قبل أسابيع، وبحضور مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، إن أنقرة سترد على أي خطوةٍ تتخذها أوروبا ضدها في ليبيا وشرق المتوسط إرضاء لفرنسا.
تقول أنقرة إنها ترد على محاولات عزلها وإبعادها عن حقها المشروع في ثروات الطاقة، وترسيم الحدود البحرية والخريطة التجارية الإقليمية الجديدة. لذلك سيكون الرد التركي بشكل مبرمج وعلى مراحل، وبحسب ردود الفعل التي ستعلن ضد أنقرة: تسريع عمليات إرسال سفن التنقيب في إيجه والمتوسط بحماية عسكرية. مناورات عسكرية مكثفة بالذخيرة الحية في المنطقتين. الرد بالمثل على كل تحرّك استفزازي أو عدواني ضد مصالح تركيا وقواتها ومواطنيها هناك. إنهاء ترددها في موضوع اتفاقية قانون البحار التي لم توقعها، والإسراع في الإعلان عن أرقامها البحرية وحدودها في مناطق المياه الإقليمية والمنطقة المحاذية ومناطق الجرف القاري، والمناطق الاقتصادية الخالصة، عبر مزيد من الاتفاقيات الثنائية. مزيد من تحرّكات “إخطار ملاحي” روتيني في المناطق المتنازع عليها. دعم تسريع المفاوضات الثلاثية بين مالطا وتركيا وليبيا بشأن ترسيم الحدود البحرية، وإنهاء الخلاف الليبي المالطي في هذا الخصوص. تحريك الملف القبرصي مجددا، عبر إنهاء تفاهمات التهدئة في غازي مغوسه، المدينة المغلقة بانتظار تسوية أزمة الجزيرة. حسم موضوع الجزر الصغيرة والصخور العائمة الخالية من السكان والقريبة من حدودها البرية. زيادة التنسيق الاستراتيجي مع روسيا والصين، لإبلاغ واشنطن أن تكون حذرة في تحديد مواقفها حيال ما يجري.
ما هذا المنطق الذي تتبناه اليونان وتدعمه أوروبا أن تقرّر أثينا تحديد مناطق جرفها القاري على أساس جزيرة مييس التي تبعد عنها 580 كلم، وتبعد عن اليابسة التركية كيلومترين فقط؟ هناك من يحرّض اليونان في باريس والقاهرة وأبوظبي، وهناك من يعدها بتمويل مستلزمات أية مواجهة عسكرية تدخلها مع تركيا، فهل يقع الشعب اليوناني في مصيدة من هذا النوع؟ وقد نفّذ سلاح البحرية التركي، قبل أسابيع، مناورات عسكرية مشتركة مع قطع الغواصات البحرية الإيطالية، أعقبتها في الفترة ذاتها مناورات بحرية جوية ضخمة شرقي المتوسط، تحت عنوان “التدريب في البحار المفتوحة”، بمشاركة 17 طائرة حربية، إضافة إلى ثماني فرقاطات وسفن حربية. وهو يستعد، في هذه الآونة، لإجراء مناورات جديدة بالذخيرة الحية في المياه الدولية للمتوسط. هل الهدف هو رفع مستوى القدرات وأوراق المناورة أمام الطاولات السياسية؟ أم هناك استعدادات حقيقية لمواجهة عسكرية مباشرة في شرق المتوسط، بسبب تعقيدات المشهد وتقدمه نحو حالةٍ من الانسداد في المواقف والقرارات؟
تعرف اليونان أن قوتها العسكرية لا تكفيها لحسم أية مواجهة عسكرية بحرية مع تركيا. تريد الاستعراض بالقوة المصرية التي تريد تذكيرنا، في هذه الأيام، بأنها القوة العسكرية الأولى في جنوب المتوسط، وأن دول شمال المتوسط، مثل فرنسا وإيطاليا واليونان وقبرص، في حالة استعداد عسكري لمواجهة أي تهديداتٍ تركية. المسألة محسومة بالنسبة للقاهرة كما يبدو، اصطفافات الخندق الواحد تتشكل، وهي حسمت موضوع من سيقاتل إلى جانبها في مواجهة أنقرة.
الأخطار المحدقة بانفجار الوضع مرتبطة بالهيمنة على إدارة اللعبة في شرق المتوسط، لكن المسألة مرتبطة أيضا بمصالح دول أخرى، قد تستفيد بالمجان من الانفجار، مثل روسيا وإسرائيل وإيران، ولكل منها أسبابه وأهدافه. هل ستتجاهل الولايات المتحدة الأميركية مواجهة عسكرية إقليمية في شرق المتوسط، تريدها باريس أكثر من غيرها، وتقع بين حلفاء محسوبين عليها، وتقدّم مثل هذه الخدمة لروسيا، لتوسع نفوذها الإقليمي أكثر فأكثر؟ .. قد لا تحبون أردوغان وحزبه (العدالة والتنمية). قد لا تتفقون مع كثير من قراراته وسياساته، لكن الداخل التركي يقول إن مصالح تركيا الحيوية هي المهدّدة الآن، ولا بد من ترك الخلافات جانبا، والرد على الاستهداف الإقليمي هذا.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى