
بداية لابد من القول : إن الإعلان الدستوري المؤقت ليس دستورا مؤقتا ولاينبغي النظر إليه كذلك , فالإعلان الدستوري المؤقت هو في جوهره إعلان مبادىء عامة للهدف الذي سعى إليه التغيير المتمثل بإسقاط النظام البائد بالقوة , أما فيما يتعلق بالمرجعية الدستورية التي ستستند إليها المرحلة الانتقالية فينبغي تحديدها كجزء مكمل للإعلان الدستوري المؤقت خاصة عندما تمتد المرحلة الإنتقالية لعدة سنوات ولابد من أن تكون بالعودة لأفضل الدساتير السورية السابقة الذي تم إقراره من قبل الممثلين الشرعيين المنتخبين ديمقراطيا وجرى الاستفتاء عليه من قبل الشعب وهو في حالتنا دستور العام 1950 .
هذه الحقيقة التي غابت عن اللجنة المكلفة بوضع إعلان دستوري مؤقت حين استقر في تفكيرها أن المطلوب هو دستور مؤقت , لذلك جاء الإعلان في مقدمة و 53 مادة بدلا من أن يكون في عدد محدود من المواد كما أنه لم يتطرق صراحة وبوضوح للمرجعية الدستورية خلال المدة الإنتقالية كما ينبغي , وسوف يضطر المشرعون لاحقا للعودة لأحد الدساتير السورية السابقة لمواجهة كثير من الحالات القانونية خلال الفترة الإنتقالية .
على أية حال ورغم أن من السابق لأوانه بل من التعسف نقد الحكم باعتبار أنه فرض دستورا لم يتم وضعه بطريقة ديمقراطية باعتبار أن الإعلان الدستوري مؤقت , لكن خطأ اللجنة المكلفة بوضع الإعلان الدستوري هو ما فتح الباب أمام نقد واسع كهذا في حين كانت البلاد بغنى عن كل هذا الجدل في هذا الوقت .
مع ذلك فطالما فتح الباب أمام مناقشة بنود الإعلان الدستوري المؤقت فمن المفيد التوقف عند تلك البنود ومناقشتها ليكون ذلك مقدمة وتمهيدا لنقاش الدستور الدائم بعد الإنتهاء من المرحلة الإنتقالية .
وأول نقد لذلك الاعلان أنه لم يشر في تسميته أنه إعلان دستوري مؤقت بل أسقط كلمة مؤقت وهذا يؤكد الإلتباس الذي وقعت فيه اللجنة في فهمها لهدف ووظيفة الإعلان الدستوري المؤقت
نأتي لنص الإعلان :
أولا : ربط الإعلان بصورة وثيقة بين الثورة السورية العظيمة وبين حركة إسقاط النظام باعتبارها امتدادا لتلك الثورة وممثلا شرعيا لها وهذا صحيح تماما وفي غاية الأهمية ضد من يرون في عملية إسقاط النظام شيئا مستقلا عن الثورة السورية إما بجعله مجرد ” استلام وتسليم ” من قبل الدول الكبرى والإقليمية أو بالإستناد لمقولة أن من قاموا به بعيدون عن الثورة السورية لصفتهم الإسلامية , أو بمزيج متناقض بين هذا وذاك .
ثانيا : اعتبر الإعلان أن مرجعيته هي مؤتمر الحوار الوطني في مخرجاته المعلنة , والسؤال هنا حول مدى موثوقية مثل تلك المرجعية باعتبار أن مؤتمر الحوار الوطني ليس مؤتمرا وطنيا عاما ممثلا للشعب السوري بطريقة ديمقراطية بل مؤتمر تم تعيين المشاركين فيه من قبل لجنة معينة بدورها من السلطة السياسية ؟.
لكن هل كان الإعلان الدستوري المؤقت بحاجة فعلا لمثل تلك المرجعية ؟
والجواب بالطبع هو لا فالإعلان الدستوري المؤقت عادة يقدمه من قام باسقاط النظام بالقوة بموجب الشرعية الثورية كإعلان مبادىء تبرر سبب الإجهاز على النظام البائد والهدف النهائي للتغيير وهو بمرجعيته الدستورية لدستور سابق يمهد لنقل البلاد من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية وهذا كل شيء .
لقد جاءت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني في الواقع مماثلة إلى حد ما لماهو مطلوب ذكره في مقدمة الإعلان الدستوري المؤقت من حيث أهداف التغيير العامة وهي :
الحفاظ على وحدة سورية الأرض والشعب , والعدالة الانتقالية , وبناء دولة المواطنة والحرية والكرامة وسيادة القانون , وتنظيم شؤون المرحلة الانتقالية .
بعد ذلك جرى ذكر دستور العام 1950 باعتباره مصدر إلهام لهذا الإعلان الدستوري وهذا خطأ واضح , إذ كان ينبغي ذكره كمرجعية دستورية للإعلان الدستوري المؤقت , لكن اللجنة التي وضعت الإعلان في غياب رؤيتها لضرورة وجود مرجعية دستورية وبسبب تصورها الخاطىء لكون الإعلان دستورا مؤقتا فقد جرى ذكر دستور العام 1950 باعتباره مصدر إلهام وليس مرجعا دستوريا كما يفترض . وسوف يظل هذا الخلل قائما مما سيضطر المشرعين لاحقا لترقيعه باللجوء لدستور ما , لكن الفرق هنا في اعتماد الدستور الذي سيكون المرجعية مسبقا والاستغناء عن التخبط بين الدساتير .
وللحديث بقية
الإعلان الدستوري المؤقت بجوهره إعلان مبادىء عامة للهدف الذي سعى إليه التغيير بإسقاط النظام البائد بالقوة, ويرتبط بمرجعية دستورية يستند عليها للمرحلة الانتقالية كجزء مكمل للإعلان الدستوري، إن الاعلان الدستوري أكثر من إعلان وأقل من دستور، قراءة موضوعية للإعلان الدستوري، ليثير العديد من الإنتقادات لإسلوب إخراجه وبعض بنوده دستورية، ومنح الرئيس صلاحيات عديدة.