العراق… تفكيك المليشيات شرط لبناء الدولة

عبد اللطيف السعدون

يبدو أن العراق أكثر بلدان المنطقة ابتلاء بوجود “مليشيات” وجيوش موازية على أرضه في أكثر من مرحلة، ومنذ أن قدّر للعسكرتاريا أن تقفز إلى السلطة في ثورة (انقلاب) 14 تموز/ يوليو (1958)، وللعراقيين مع المليشيات تجربة معاناة عريضة أقل ما يقال فيها إنها اقترنت بأفعال شرّيرة في إذلال الإنسان، وامتهان كرامته، والتنكيل به تحت دعاوى وشعارات لا معنى لها.

ولا بأس أن نذكّر هنا بالدور الذي لعبته مليشيا “المقاومة الشعبية” التي أنشأها الشيوعيون في ظل حكم الزعيم عبد الكريم قاسم في ستينيات القرن الماضي، و”الحرس القومي” زمن حكم حزب البعث عام 1963، و”الجيش الشعبي” في دولة البعث الثانية عام 1968، وصولاً إلى “الحشد الشعبي” اليوم، والذي لم يكن سوى مشروع إيراني خالص، روّجه في حينه رجل إيران القوي قاسم سليماني، والذي كان مسؤولا عن الملفّ العراقي، ليضمن من خلاله لدولة “ولاية الفقيه” السيطرة والهيمنة المباشرة. وقد عمل على تنفيذه مستغلا عملية دخول تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى العراق التي كان لطهران يد فيها، (وتلك قصة أخرى)، وسنعرف لاحقاً عن إقرار تشريع يضمن لفصائل “الحشد” رعاية الدولة، وعن تخصيص حصة له في الميزانية العامة بحدود أربعة ترليونات دينار، وقد جعل هذا كله منه قوة موازية للجيش النظامي، وفي حالاتٍ كثيرة، غير خاضعة لسلطة القائد العام المفترض أنها تعمل تحت اشرافه.

إلى جانب ذلك، على أرض العراق أكثر من 70 مليشيا يرتبط بعضها بالحرس الثوري، فيما تحتضن المخابرات الإيرانية (اطلاعات) بعضها الآخر، وجديد ما سمعناه ولادة فصيل جديد باسم “يا علي”، ارتكب أخيراً أعمالا مشينة ضد عمّال سوريين مقيمين، ما دفع رئيس الحكومة محمد شيّاع السوداني للإيعاز للجهات الأمنية بملاحقة أعضائه.

تلك صفحات تدخُل التاريخ، على غير ما أراده العراقيون وطمحوا لتحقيقه من بناء دولةٍ مدنيةٍ عاقلةٍ عادلةٍ تحترم الإنسان، وتصون كرامته، وتضمن حرّيته. وفي ظل المناخ السياسي السائد في العراق اليوم، والغارق في التوترات والمفارقات وردود الفعل نجد في تذكّر تلك الصفحات واستخلاص دروسها ضرورةً لا مناص منها. وإذا لم نستطع أن نتذكّر الماضي سنكون محكومين بتكراره، بحسب ما قاله المفكر الإسباني – الأميركي جورج سانتايانا.

لا حلّ سوى تفكيك المليشيات وتجفيف المنابع التي تتموّل منها، والتحقيق في الجرائم التي ارتكبتها على مدى السنوات الماضية

وتبرز المشكلة أمامنا اليوم بأوضح صورها، بعدما تضخّم دور المليشيات في الحياة السياسية والاجتماعية، على نحوٍ بات يشكل خطراً ليس على الدولة وعلى سلطتها وهيبتها فحسب، وإنما أيضا على حياة كل مواطن ومصيره، خاصة وقد أصبحت لها القدرة على القيام بأدوار مشبوهة، فهي تخطف وتعتقل وتحكم وتقتل، وتنشئ سجوناً، وتفتح مكاتب ومواقع وصحفا وقنوات تتحدّث باسمها، كما أسّست جامعات ومدارس ومنظمّات ثقافية واجتماعية تحت مسمّياتٍ دينية أو وطنية، لكن أغلبها يأخذ منحىً طائفيّاً، وتوافقت سلوكياتها هذه مع مصالح مافيات الجريمة المنظّمة في السيطرة على الحركة الاقتصادية للبلاد مستغلة المنافذ الحدودية والمطارات، بما يسهل عمليات الاتجار بالنفط خارج سيطرة الدولة، وامتلاك السلاح، وتهريب الآثار، وتجارة البشر، والتلاعب بسوق الدولار، وأخطر من ذلك ارتباطها بقوة خارجية (إيران) وسعيها إلى تمكين تلك القوة من التوغل والامتداد إلى الداخل، من دون أن يستطيع أحد، مواطناً كان أو مسؤولاً، أن يرفع يده اعتراضاً على ما تفعله. وإذا ما تجرّأ ورفع صوته متصدّياً لفضحها، أقدمت على اختطافه وتغييبه أو اغتياله، وهذا ما حدث مع عشراتٍ من ناشطين سياسيين وإعلاميين وأكاديميين ومهنيين.

وقد استشرى الداء، ولم يبق سوى اللجوء إلى الكيّ، ولن تنفع، كما علمتنا التجربة، كل المعالجات الترقيعية، خصوصا التي تريد، في أحسن حالاتها، مسك العصا من الوسط، والتربّح من الطرفين الفاعلين في “العملية السياسية”، الولايات المتحدة وإيران.

لا حلّ، إذن، سوى تفكيك تلك المليشيات وتجفيف المنابع التي تتموّل منها، والتحقيق في الجرائم التي ارتكبتها على مدى السنوات الماضية، والعمل الجادّ على حصر السلاح بيد الدولة، ولا نشك أن مهمّة كهذه صعبة وشاقة، لكنها ليست مستحيلة، خاصة وهي تحظى بدعميْن عربي ودولي، ويمكن استغلال فرصة طلب الإدارة الأميركية، وهي الراعية الأولى للعملية السياسية، تفكيك هذه المليشيات، وإنهاء هيمنتها المباشرة على السلطة والقرار. وبغير ذلك، لن نكون قد وصلنا إلى طريق بناء الدولة التي نريد.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. للأسف الفصائل والميليشيات والجيوش الموازية تحضر بالمشهد العراقي منذ عهود وفي أكثر من مرحلة، وكثر تأثيرها بعد 2003 والغزو الأمريكي والتدخل الإيراني، لذلك لا بد من تفكيكها وتجفيف منابع التموّل لها، والتحقيق في الجرائم التي ارتكبتها حتى يستقر وضع العراق.

زر الذهاب إلى الأعلى