
يُرجع المؤرخ البريطاني فيليب مانسيل، في كتابه عالي الجودة “ثلاث مدن مشرقية” من جزئين (سلسلة عالم المعرفة، الكويت، يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط 2017)، نشوء الرأسمال اللبناني إلى أصول محلية، وبما يفارق نشوء الرأسمال في الدول المحيطة، حيث كان للرأسمال الأجنبي الوافد دوره الكبير في التكوين والمراكمة، ومن مؤشرات ذلك أن قيمة الصادرات والواردات عبر مرفأ بيروت قفزت من عشرة ملايين فرنك فرنسي عام 1825 إلى 38 مليوناً عام 1845 إلى 77 مليوناً عام 1862.
وإذ لا يبتعد أستاذ تاريخ الشرق الأدنى الحديث زين نور الدين زين عمّا سلف قوله في كتابه “نشوء القومية العربية” (1968)، فإن صحيفة الحياة البيروتية أكملت فكرتَي المؤرّخَين المذكورَين بنشرها تقريراً موسّعاً (25/4/1952) في صدر صفحتها الأولى، وفيه “بيروت تحتلّ مكان القاهرة والإسكندرية عالمياً وتتحوّل إلى مركز لدفع رؤوس الأموال والبورصة”.
بعض التمعن في تاريخ التقرير، وبعض التمعّن ليس إثماً كما هي حال الظنّ، يُفضي إلى ملاحظة مفادها أن بيروت باتت المركز المالي الإقليمي قبل إطاحة النظام الملكي في مصر في 23 يوليو/ تمّوز 1952، وقبل سقوط النظام الملكي في العراق عام 1958، وقبل وصول حزب البعث بجناحيه السوري والعراقي بانقلابَين عسكريَّين عامي 1963 و1968 وما تلا ذلك في القاهرة وبغداد ودمشق من سريان وبائي لحركة التأميمات وهروب رؤوس الأموال، فوصلت نسبة منها إلى بيروت. أيضاً وقبل استفحال حركة التأميمات، كانت قوة النقد اللبناني قد وصلت إلى الذروة، فانخفض الدولار الأميركي من 360 قرشاً عام 1953 إلى 300 قرشاً عام 1961، بحسب دراسة نشرتها مجلة الرائد العربي في أغسطس/ آب 1961، وكتبت المجلة نفسها، في عددها في فبراير/ شباط 1961، عن اتجاه لتحويل العملة اللبنانية عملةً إقليميةً في مساحة المشرق العربي كلّه. وعلى هذه الحال، كان النقد اللبناني يخطو نحو العالمية، إذ أصدر القسم المالي في هيئة الأمم المتحدة تقريراً نشرته “الحياة” (20/2/1965) عن أوضاع البلدان الستّة في الفئة العالمية الأولى، من حيث الودائع والقوة المالية، وقد احتل لبنان بين البلدان الستّة المقام الرابع، والأول في الشرق الأوسط. ولتُتبِعه بتقرير آخر بعنوان “النقد اللبناني يصبح عالمياً”، وتُضمِّن اهتمام “الأوساط المالية والتجارية والاقتصادية والصناعية بتقرير رئيس الحكومة حسين العويني عن سلامة النقد اللبناني ومعاملته على قدم المساواة مع الدولار، بعد اتفاق مع السوق الأوروبية المشتركة والولايات المتحدة، وجاء هذا الاتفاق بعد قبول لبنان عضواً معاوناً في السوق الأوروبية، وسيصبح لبنان الجسر العالمي، الذي تروح إليه وتجيء المصالح الاقتصادية العالمية في أوروبا وأميركا والشرق الأوسط وأفريقيا”.
البيئة الاستثمارية اللبنانية، والموقع المالي المتقدّم لبيروت، والنظام الاقتصادي الحرّ، جذبت قسماً من الأموال العربية الهاربة من أوطانها
ما يُراد من هذا السرد القول إن البيئة الاستثمارية اللبنانية، والموقع المالي المتقدّم لبيروت، والنظام الاقتصادي الحرّ، جذبت قسماً من الأموال العربية الهاربة من أوطانها، وأسهمت في رفد هذه البيئة بنجاحات إضافية. وإذا كان لا بدّ من الإقرار بأن الأموال الفلسطينية من دون غيرها، وقبل التأميمات العربية، كان لها نصيب وافر في مؤازرة البيئة اللبنانية جرّاء عوامل عدّة، منها الإحتلال الصهيوني، والقربى العائلية بين كبار المتموّلين اللبنانيين والفلسطينيين والشراكات المالية والتجارية بينهم، وسهولة الانتقال الساحلي بين بيروت وعكّا وحيفا ويافا، فيما التدفّقات المالية غير الفلسطينية لم تكن ذا باع طويل، كما يُحكى ويُقال، إذا قيست بحجم رأس المال النقدي للبنانيين. ومن معطيات ذلك، أن انهيار بنك إنترا عام 1966 لم ينعكس سلباً على قيمة العملة اللبنانية، رغم ما يشاع عن أن هذا المصرف كان يستحوذ على أكثر من 30% من الودائع المصرفية، “فلبنان أكبر بكثير من أن يهدّده توقّف بنك عن الدفع”، كما نسبت “الحياة” إلى اقتصاديّ كبير لم تسمّه في 23/12/1966.
وفيما قطع لبنان تداعيات حرب حزيران (1967) و”الانقلاب الانتخابي” الذي قاده اليمين اللبناني، أو ما يُعرف بـ”الحلف الثلاثي”، على النهج الشهابي عام 1968، والصدامات المسلّحة بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية، ومضاعفات حرب أكتوبر (1973)، فالعملة الوطنية استمرّت في ثباتها، واستُؤنفت المباحثات حول انضمام لبنان إلى السوق الأوروبية المشتركة، مثل ما ذكرت صحيفة الأنوار (14/12/1972)، وانخفض الدولار أمام الليرة في 18 مايو/ أيار 1973، مثل ما ورد في صحيفة النهار، وليخلص تقرير البنك الدولي، في منتصف مايو/ أيار 1975، إلى أن لبنان يسير نحو مستوىً معيشيٍّ يضارع مستوى دولة أوروبية منخفضة الدخل.
حجم الانهيار المالي اللبناني منذ عام 2019 يقارب 85 مليار دولار، لا تتعدّى فيه الودائع السورية أكثر من ثلاثة مليارات دولار
توارت تلك العلامات الفارقة للتجربة اللبنانية إثر اندلاع الحرب الأهلية، فخرج قسم كبير من الودائع المصرفية المحلّية والأجنبية، وإذ كادت دورة المال والأعمال تستعيد أنفاسها في تسعينيّات القرن الماضي، إلا أن تلك الأنفاس انقطعت بعد عام 2005 عقب اغتيال رفيق الحريري، وما زالت مقطوعةً، فمن أين الأربعين مليار دولار أو الستّين ملياراً التي تحدّث عنها رئيس النظام السوري السابق بشّار الأسد، واستعاد الأرقام إياها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع؟
في أحاديث بيروت، حجم الانهيار المالي اللبناني الضارب أطنابه منذ عام 2019 يقارب 85 مليار دولار، لا تتعدّى فيه الودائع السورية أكثر من ثلاثة مليارات دولار، وإذ تذهب تقديرات مصرفية إلى الجدال قائلةً لو جرى توسيع الافتراض بأن الودائع السورية مقدّرة بـ10% من إجمالي الودائع كلّها، فالأمر حينذاك يتجاوز ثماني مليارات بقليل. وحول لغة الأرقام، قد يكون من المناسب القول إن النسب المتداولة حول حجم الودائع المصرفية في لبنان منذ عام 1996، لغير المقيمين، تقارب 25%، أكثر من نصفها للبنانيين مغتربين، ويبقى النصف الآخر لجنسيات غير لبنانية، أي لسوريين وغير سوريين، وهذه النسبة لو سُيّلت أرقاماً لن تقترب من قريب أو من بعيد من الأرقام التي أطلقتها دمشق القديمة وتطلقها دمشق الجديدة.
ما الحل؟… من بداهة القول إن الودائع السورية هي من حقّ السوريين، كما هي حقوق المودعين الآخرين، لبنانيين وغير لبنانيين، لكن من الضروي القول أيضاً إن تلك الودائع ليست أموالاً للدولة السورية، وإنما هي أموال أفراد، تماماً مثل الأفراد اللبنانيين، ولا يمكن اعتماد التجزئة طريقاً لحلّ تعقيدات هذا الملفّ العالق، فالحلّ يكون شمولياً، والشمولية مطلوبة ومستحبّة في هذا المجال… والله المستعان.
المصدر: العربي الجديد