
لا يكفّ النَفَس العنصري عن الظهور عند كلّ حدث مفصلي ومنعطف سياسي يواجه لبنان. لا يكفّ هذا الخطاب عن الحضور حين تدعو حاجة القوى السياسية المهيمنة على طوائفها داخلياً، أو تلك الدول المستفيدة من الانقسام اللبناني خارجياً، إليه. لكنّه (وفي إجماله) خطابٌ لا يعمل إلا على تذكير اللبنانيين أنهم حتى الساعة بعيدون جدّاً من أي خطاب وطني جامع. علماً أن هذا الخطاب الإقصائي لا يتظهّر دائماً وفق مشاريع سياسية وأيديولوجيّة وعقائدية فحسب، ولا وفق منطق مصلحي ضيّق وقصير المدى لهذه الجماعة أو تلك، بل الخطر في شأنه أنه يهيمن على منطق الناس، وينطلق بخفّة على لسان الجماهير، فيعلن (في أسوأ أشكاله الممكنة) دعوة جميع الأفراد والجماعات اللبنانية الأخرى، التي لها مواقف سياسية مغايرة، إلى الهجرة.
تستدعي الحاجة معالجة الإقصائيات بالحوار المجتمعي الجدّي والرصين، وبدعوات حكومية رسمية، بهدف المحافظة على ما تبقّى من بلد
والخطاب ليس مستجدّاً، بل أشكاله هي التي تستجّد وتتكثّف عند المنعطفات والأحداث الكبيرة والصغيرة، فلا ننسى أن رئيس الجمهورية الأسبق، ميشال عون، وفي عزّ أيام الانتفاضة اللبنانية عام 2019، كان قد استخدمه من موقعه الرسمي، حين دعا المنتفضين إلى الهجرة إن لم تعجبهم الحلول التي يقترحها. كما لا نغفل أننا نسمع منذ أيام نغمة خطاب لبنانوي يميني يدعو الجمهور الشيعي المنضوي تحت راية حزب الله إلى الهجرة باتجاه إيران، فتقول له “إلّي مش عاجبه يروح على إيران”. لكن أيّاماً قليلة تفصل هذا الخطاب عن خطابٍ يمينيٍّ إقصائي آخر مواز له، لم يتلكّأ عن استخدام مطار بيروت الدولي لتوصيل رسائله، إثر عودة الطائرة الإيرانية، التي كانت السلطات اللبنانية قد ارتأت، قبلها بأيام، عدم السماح لها بالتوجّه نحو مطار بيروت بسبب تهديد اسرائيلي بقصف المطار، قائلاً “إلّي مش عاجبه يهاجر”. وهو خطابٌ ردّدته شابّة لبنانية حاولت رفع صورة الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله، متسلّحة بموقف يرى العداء لإسرائيل شرطاً وطنياً يجب أن يردّده أيّ لبناني، وأن صورة نصرالله، بما هو رأس حربة المقاومة في وجهها، تُكثّف رمزية هذا العداء.
ولكن ظاهر الخطاب “الوطني”، في جميع الأشكال السابقة، يتعارض مع مضمونه الإقصائي، حين لا يكفّ عن تذكير بقيّة اللبنانيين بمنطق القوة والهيمنة، وبأشكال الانقسام العمودي والأفقي كافّة، التي تهيمن على الدولة، خصوصاً أن الدعوة الجماعية إلى الهجرة لا تختلف عن بعضها، وإن ترافقت مع أيٍّ من أنواع التبرير، فمنطق الخطاب نفسه يهيمن على القول الإقصائي الجماعاتي، بمعزلٍ عن الشروط السياسية والاجتماعية والطائفية والتبعية لإيران، أو لأيّ دولة أخرى، وهو ما يستدعي علاجاً وطنياً على مستوى الدولة والنظام السياسي، علاجاً يُقوِّض علاقات القوة والتبعية التي تهيمن على ممارسة السياسة في لبنان، ويحافظ نظامه السياسي الحالي عليها، ويحميها ويُعزِّزها.
لا يتمحور النظر في الأزمة حول منطق الخطاب فحسب، رغماً أنه خطاب مأزوم يُمعن في التعبير عن أزمة الاجتماع السياسي الناتجة من التفتّت المذهبي، بل في تداعيات هذا الخطاب على بلدٍ يعاني نزيفَ الهجرة منذ عقود. إذ تقول أحدث الأرقام، وفق ما كشف الباحث في “الدولية للمعلومات”، محمد شمس الدين، لصحيفة نداء الوطن اللبنانية، إن 820 ألف لبناني هاجروا بين عامي 2012 و2024، وأن 70% منهم من عنصر الشباب (بين 25 و35 عاماً)، وهو ما يقارب ربع عدد اللبنانيين المقيمين في البلد. فإن كان للأرقام أن تتكلّم، لا بدّ أن تستدعي رفع حالة التأهب وانكباب الحكومة، لا سيّما في العهد الجديد الذي يأمل فيه لبنانيون كثيرون خيراً، على معالجة هذا المقتل، وتفادي نتائجه الوخيمة في هذه الحقبة المفصلية من تاريخ لبنان والمنطقة. إن الخطاب الاقصائي، الداعي إلى هجرة جماعية وفق خيارات سياسية من هنا، أو وفق انتماء أيديولوجي فوق وطني من هناك، والمبني على سياسة المحاور الدولية وامتداداتها الطائفية والمذهبية داخل الاجتماع السياسي اللبناني، له النتائج نفسها المكرّسة في نزيف اللبنانيين الحاد جرّاء الهجرة، على الرغم من أن الحاجة والمصلحة تستدعي تكاتفهم بهدف تغيير نظامهم السياسي، والإطاحة بالقوى التي تهيمن عليه وتكرّس التبعية، والاستفادة من الدعم الخارجي لبناء دولة تحميهم، وتحقّق مصالحهم، وتحافظ على وجودهم، إذا ما أرادوا أن يجعلوا من لبنان مكاناً صالحاً لهم وللأجيال المُقبلة.
الانتصار الجماعاتي المرحلي النابع من دعوات إقصائية هزيمة استراتيجية
قد يحلو لبعض القول إن الخطاب أعلاه يوتوبي، على الرغم من أنه يحمل شروطه كافّة، لكنّه يتناسى أنه غاية أولية وضرورية لتفادي المصير القاتم لهذه الدولة الصغيرة التي لا تقوم (كما بقية الدول) إلا بأبنائها، التي تستدعي الحاجة اليوم، قبل الغد، معالجة الإقصائيات بالحوار المجتمعي الجدّي والرصين، وبدعوات حكومية رسمية، بهدف المحافظة على ما تبقّى من بلد هو اليوم مجرّد ريشة في مهبّ رياح التغيير الجيوسياسية الجذرية، التي تضرب المنطقة. خصوصاً أن الانتصار الجماعاتي المرحلي النابع من هذه الدعوات الإقصائية، ولأيّ جهة كان وانتمى، هو هزيمة استراتيجية وهزيمة مصلحية ووطنية على المدَيين القريب والبعيد، أدرك القائل ذلك أم لم يدرك. هو ليس إلا هزيمة داخلية لا تقلّل من خطر الخارج بقدر ما تزيده، ولا تخفّف من خطر العدو المتربّص في حدودنا بقدر ما تفتح شهيته. بل هو، إذا ما استمرّ بمثابة دعوة مجّانية لحضور جنازة مستمرّة لدولة لم تصل إلى المقبرة بعد.
المصدر: العربي الجديد