سورية الجديدة في خطر

غازي دحمان

تأتي تصريحات رئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو، عن سورية في سياق أوضاع غير طبيعية، إذ يحضّر من فاعلين إقليميين ومحلّيين، لتغيير البيئة الإستراتيجية لسورية مقدّمةً لتغيير الواقع في الشرق الأوسط، في ظروف إقليمية هشّة، تزيدها هشاشةً محاولةُ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحويل إسرائيل محوراً للنظام الإقليمي الجديد، ومنحها مساحةً للتحرّك لتحقيق هذا الهدف.
لا تسير الأوضاع في سورية صوب الوحدة والاستقرار، ولا يبدو أن مخرجات هذه المرحلة ستؤدّي إلى إخراج سورية من دوّامة الفوضى والضياع، وليس من الصعب أن يكتشف المراقب تحت سطح الأحداث ألعاباً ومخاطرَ يجري التحضير لها، وليست تصريحات نتنياهو بخصوص جنوب سورية (ثم الدروز في ضاحية جرمانا في دمشق)، التي تنقل الأطماع الإسرائيلية إلى طور التنفيذ العملي مقطوعة من السياق الحاصل في سورية.

يريد نتنياهو استمرار حالة الفراغ في جنوب سورية، وتحويل القوى المحلّية الموجودة في جنوبي سورية إلى قوى أمر واقع

بات واضحاً أن هناك عملية تأثيث لمشروع خطير يجري العمل فيه بمشاركة فاعلين محلّيين، تصريحات مسؤولي الحكومة الإسرائيلية جاءت في سياق إجراءات يقوم بها، إذ تجمع إسرائيل بيانات من أهالي القرى التي تحتلّها في القنيطرة وجنوب غربي درعا، تشمل حاجة هذه القرى للخدمات والمدارس والأوضاع الاقتصادية للسكّان. وتحدّثت مصادر إسرائيلية لصحيفة إسرائيل هيوم عن مقترح يمنح السكّان السوريين في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل أو تقع ضمن نطاق سيطرتها الأمنية تصاريح عمل لدخول الأراضي الفلسطينية المحتلّة للعمل صباحاً والعودة مساءً، في ظلّ حاجة إسرائيل إلى العمالة بعد منع فلسطينيي غزّة والضفة الغربية من العمل فيها، والواضح أن السبب الأكثر أهميةً ربط سكّان المناطق السورية مصلحياً واقتصادياً بإسرائيل، لتأمين بيئة مؤيّدة للوجود الإسرائيلي الدائم.
ما طلبه نتنياهو من إخلاء جنوبي سورية من القوات العسكرية للنظام الجديد، ومنع الجيش السوري الجديد من دخول المناطق الواقعة جنوبي دمشق، بمثابة إعلان منطقة محرّمة، مثل المناطق التي فرضتها الولايات المتحدة على الجيش العراقي بعد حرب الكويت، مع فارق مهمّ يتعلّق بالمسافة، إذ لا تبعد القوات الإسرائيلية أكثر من بضع عشرات الكيلومترات من دمشق، كما أنها باتت تتحكّم بقمّة جبل الشيخ، التي ترصد المنطقة جنوبي دمشق بشكل كامل، بما يتيح لها نيرانياً استهداف كلّ تحرّكات القوات السورية، وفرض حصار عليها داخل دمشق.
يريد نتنياهو من ذلك استمرار حالة الفراغ في جنوب سورية، وتحويل القوى المحلّية الموجودة في جنوبي سورية إلى قوى أمر واقع، يسهل ابتزازها وتطويعها، وإعادة تجربة جيش لحد في جنوب لبنان، لتشكيل عازل عما يعتقده نتنياهو مصادر خطر آتية من دمشق المتحالفة مع أنقرة، التي تعتبرها إسرائيل عدوّها الحقيقي في المرحلة المقبلة، وهو ما يتقاطع مع طموحات ومخاوف فاعلين في جنوبي سورية، وليس صدفةً تزامن هذه التصريحات مع إعلان بعض فصائل السويداء تأسيس مجلس عسكري، وتأكيد مصادر من قيادة المجلس التنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شرقي سورية (صحيفة النهار).
ويبدو أن تصريحات نتنياهو جاءت بعد تواتر أنباء عن احتمال سحب القوات الأميركية من شرقي سورية، الأمر الذي يضع الإدارة المحلّية الكردية تحت ضغط تفاوضي، ويدفعها لتقديم تنازلات كبيرة تخصّ التراجع عن مشروع الحكم الذاتي، وهو أمر لا يتساوق مع تصوّرات إسرائيل لشكل سورية المستقبلي، والتي تتمحور حول تقسيمها بين خمسة كيانات (كما أُعلِن في الإعلام الإسرائيلي)، في الجنوب والشرق والغرب والشمال، تقوم على أسس طائفية وعرقية.

تتكئ جميع الأطراف التي ترفض الانخراط في الدولة السورية الجديدة، ولديها قابلية للانخراط في مشاريع جيوسياسية مؤذية لسورية، على سوء إدارة النظام السوري

والواضح أن نتنياهو لا يرغب في التوصّل إلى توافقاتٍ في سورية واستتباب الأمر لحكومة دمشق، ويرغب في تصريحاته وإجراءاته بمنح بعض الفاعلين المحلّيين الزخم للسير في مشاريع تقسيم سورية، أو على الأقلّ بإعطائهم أوراق تفاوض قوية في مواجهة حكومة دمشق تدفعها إلى القبول بالحلّ اللامركزي، وواضحٌ أن مناورات الفاعلين المحلّيين، ورفضهم الاندماج ضمن هياكل الجيش السوري، ليست سوى محاولة لإنضاج الأوضاع لمصلحتهم إلى حين يصبحون في موقف أقوى يمكّنهم من خلاله من تحقيق طموحاتهم في الانفصال، دع عنك ما تقوله هذه الأطراف عن رفضها الانفصال، وإنها تنتظر حتى تصبح سورية دولة مدنية كي تندمج ضمن هياكلها وأطرها، هذه ليست سوى عملية شراء للوقت باتت مكشوفة.
من جهة ثانية، تتكئ جميع الأطراف التي ترفض (حتى اللحظة) الانخراط في الدولة السورية الجديدة، ولديها قابلية للانخراط في مشاريع جيوسياسية مؤذية لسورية، على سوء إدارة النظام السوري للوضع الداخلي، فتسعى الإدارة السورية، عبر تحكّم دائرة صغيرة، إلى تصميم نظام ديكتاتوري عبر حصر سلطة القرار بيد فئة محدّدة، والتحكّم بمخرجات المرحلة الانتقالية، وتصميم سورية المستقبلية وفق رؤى وتصوّرات محدّدة، ومن يطّلع على وقائع إجراء مؤتمر الحوار الوطني وطريقة الإعداد له ونوعية المدعوين، ثمّ دور هذا المؤتمر وفاعليته، يكتشف ببساطة حقيقة ما يجري في سورية من عبث سياسي وإداري.
دخل الوضع في سورية مرحلة الخطر الجدّي وبات يتطلّب من الإدارة الجديدة تصميم مقاربة أكثر وعياً وإدراكاً للبيئة الاستراتيجية والخروج من منطق الإدارة بالعواطف التي يغلب عليها طابع السذاجة، والفرح الطفولي بالدعوات والاستقبالات الخارجية، فيما يجري التحضير لطبخة خبيثة، إن حصلت، لن يكون مجرد الحديث عن مؤامرة خارجية كافياً، كما لن ينفع التلطي خلف هذا المبرّر حينها.

المصدر: العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى